Tuesday, March 11, 2014

أزمة الإسكان في مصرومشروع إسكان الشباب



بدأت تطهر بوادر أزمة الإسكان في مصر في منتصف ستينيات القرن الماضي .ففي ذلك الوقت بدأت تختفي من على واجهات المنازل لافتة " شقق للإيجار" ، وكان ملاك العمارات الجديدة يطلبون ممن يطلبون سكنا دفع إيجار سنة أو أكثر مقدما ، وبعد ذلك كانوا يعرضون الشقق بدون تشطيب على أن يقوم المستأجر بتشطيبها على حسابه على أن يخصم ما يدفعه في التشطيب من الإيجار الذي يحدده المالك مقدما ولا يخضع للجنة تحديد الإيجارات. وحين تحول الاقتصاد المصري من اقتصاد انتاجي ألى اقتصاد ريعي ، صارت كل العمارات الجديدة معروض شققها للتمليك وليس للإيجار وكان يقبل على شراء الشقق المصريون الذين يعملون في الخارج وكونوا مدخرات تسمح لهم بذلك وكذلك الأثرياء الجدد في عهدي السادات ومبارك. وفي منتصف السبعينيات كانت فتيات يعملن مع في مؤسسة الكهرياء الحكومية فسخت خطوبتهن بعد أن استمرت عدة سنوات لأن العريس لم يتمكن من تدبير شقة لكي تزف له فيها عروسه.

تسببت أزمة السكن في حرمان شبان وشابات من الزواج ، وترتب على ذلك تداعيات اجتماعية سلبية ناتجة عن تلك الأزمة. ومازالت تلك التداعيات قائمة حتى اليوم. وبينما لم يعد الشاب من الطبقة المتوسطة يجد شقة للسكن والزواج، نشرت بعض الصحف المصرية بيانات عن الأملاك العقارية لبعض المنتفعين من نظام مبارك ، غير معروف الجهة التي سربتها لهم، توضح عددا كبيرا من الشقق والفيلات مملوكة لهم في أنحاء مختلفة من الدولة, بينما استمرت الدولة تتاجر سياسيا في القضية منذ عهد حسني مبارك.

فعندما رشح نقسه حسني مبارك للولاية الخامسة أعلن عن بناء نصف مليون شقة للشباب من محدودي الدخل ، وعندما كان يعد نفسه للولاية السادسة قبيل قيام انتفاضة أو نورة 25 يناير 2011 تم الإعلان عن عزم الحكومة بناء مليون شقة لمحدودي الدخل من الشباب، وكانت مجرد وعود لم يتم الوفاء بها. وعندما قامت انتفاضة أو ثورة 25 يناير تلك ظن الممسكون بأمر الدولة وسياستها أن سببها يرجع لأزمة الاسكان ، بينما كان سببها انعدام فرص الشغل أمام الخريجين الشبات وارتفاع تكلفة المعيشة والقمع وانتهاكات حقوق الانسان المستمرة، وانتشار الفساد في كافة أركان الدولة، بالإضافة إلى أزمة السكن.

ولذا حين عين أحمد شفيق صديق حسني مبارك رئيسا للحكومة عاد الحديث مجددا عن المليون شقة، وكانت بعد ذلك المليون شقة ضمن البرامج المعلنة لمن جاءوا بعده مثل حكومات : كمال الجنزوري وعصام شرف وهشام قنديل وحازم الببلاوي، وظلت وعودا لايتم الوفاء بها .وتم الشروع في حوالى 25% مما كان مقرر تنفيذه في عام واحد ضمن الخمس سنوات المقرر تنفيذ السكن الاجتماعي فيها,

وأخيرا أعلن وزير الدفاع في 9 مارس 2014عن إنشاء مشروع إسكان يحتوي على مليون شقة للشباب بالتعاون مع شركة أرامتك الإماراتيه ، خلال السنوات الخمس القادمة بمعدل مائتي ألف شقة سنويا،تصل تكلفتها لحوالى 40 مليار دولار أو200 مليار جنيه مصري حسبما ورد في بيان شركة أرامتك الإمارتية، ستساهم بقسط كبير منها البنوك المصرية.

ولأن الأمر ليس من اختصاص وزير الدفاع أو القوات المسلحة وإنما يفترض أن يتم الإعلان عن المشروع من قبل رئيس الحكومة، فقد اعتبر الأمر بمثابة دعاية انتخابية سابقة لأوانها لعزمه على ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية. وتمهيدا لظهر حكومة إبراهيم محلب الذي كان يعمل من قبل وزيرا لللإسكان في وزارة الببلاوي، وكان قبل انتفاضة 25 يناير عضوا في لجنة سياسات الحزب الحاكم أيام حسني مبارك والتي كان على رأسها إبنه جمال مبارك ،قام الإعلام المصري بعملية تلميع له ولنشاطه ومتابعته تنفيذ مشروعات قديمة للأسكان الاجتماعي توقف العمل بها لعدم سداد مستحقات المقاولين المتراكمة على الحكومة بسبب الأزمة المالية التي لم تنجح المعونات الخليجية الكبيرة التي تدفقت على مصر بعد يوليو 2013 والتي كانت في حدود 15 مليار دولار في تخليص الدولة منها .بينما كانت الحكومات المصرية السابقة تلهث خلف البنك الدولي لإقراضها ثلاثة مليارات خلال السنوات السابقة دون الحصول على القرض.وحسب ما مقلته وسائل الإعلام عن صحيفة وول استريت فأن المشروع جاء نتيجة أن الدول الخليجية تدعم النظام الحاكم حاليا في مصر ماليا. وخلال تولي السيد\اباراهيم محلب وزارة الإسكان نشرت صحيفة المصري اليوم في 11نوفمبر 2013 تصريحا له يقول فيه: " إن تمويل المراحل الأولي لمشروع الإسكان الحديد، التي سيتم طرحها في المحافظات بعدد 94 ألف وحدة سكنية ، بإشراف مديريات الإسكان، متوفر، وستكون هناك مساندة فنية للمديريات، ودعم متواصل من جميع أجهزة الوزارة، وشدد على عدم وجود فساد في الوزارة حاليا، لذا تنتظر الوزارة والمواطنون قبلها الإنجازات بسرعة..."

وقد حدث نفس الشيئ من قبل في الجزائر عندما ارتفعت أسعار البترول وتمكنت الجزائر من عائداته سداد ديونها وتحقيق فائض في حدود مائة مليار دولار، فقامت الحكومة بالإعلان عن عزمها إقامة مشروعات إسكان تكلف أكثر من خمسة مليارات ، ولم تفكر الحكومة في استغلال عائدات البترول والغاز في إقامة مشروعات تنمية زراعية وصناعية تستوعب العاطلين من الشباب ، وتحقق موارد مالية لهم تحقق لهم مستوى معيشة أقضل.

لايمكن التقليل من أهمية بناء مساكن للشباب وإيجاد حلول لأزمة السكن وأيضا التناقض الحاد بين إيجارات المساكن القديمة والمحمية من القانون، وإيجارات المساكن الجديدة الخاضىة لقانون جديد ، إذ نجد أن أيجار الشقة القديمة في حدود 15 جنيه مثلا، بينما لو استطاع المالك استردادها من المستأجر أو ورثته أمكنه تأجيرها بخمسة عشر ألف جنيه أو أكثر حسب موقعها في المدينة التي توجد بها.

 وفي نفس الوقت لايمكن حل أزمة الإسكان بدون أن يكون الحل ضمن خطة للتنمية الشاملة : اقتصادية وإنسانية، وحكم ديمقراطي للدولة يعمل لصالج جميع جماهير الشعب وليس لصالح أقلية نافذة ومسيطرة على مقاليد الأمور وتسخر سياسات الدولة وقوانينها ونظام حكمها لصالحها ولتراكم منافعها وامتيازاتها ومصالحها المادية والمعنوية والرمزية .وفي حالة إذا كانت الحكومة تريد أن تتجنب إدارة مشروعات التنمية فيمكنها فور انتهاء المشروع أن تحوله إلى شركة مساهمة وتدعو العاملين بها وعموم الشعب  والمستثمرين الأجانب إن لزم الأمرللاكتتاب في رأسمالها بحيث يشكل المساهمون جمعية عمومية لها تختار مجلس أدارتها وهو ماانتهجته دول أوروبا الشرقية حين قررت التحول إلى النظام الرأسمالي وتحولت ملكية المشروعات فيها من الحكومة إلى شعوبها.وعندما يتسع نطاق التنمية وتتحسن ظروف المعيشة يمكن أن تتوفر مدخرات لدى أفراد الشعب لتمويل المزيد من مشروعات التنمية دون الاعتماد على المعونات الخارجية وما يتبعها من تبعية سياسية واقتصادية للممولين الأجانب.

لقد واصلت معدلات الفقر ارتفاعها في مصر بعد انتفاضة 25 يناير حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري فبلغت أكثر من 26% من عدد السكان ،بينما كانت في حدود 21% قبل 25 يناير 2010، وبدون مشروعات تنمية تتعهدها الحكومة فإن نسبة الفقر مرشحة للزيادة ، مع التحفظ على عدد السكان الذي يعلنه الجهاز والذي أظن أنه يزيد عن العدد الفعلي لهم، حيث يعتمد على أضافة المواليد وخصم الوفيات ، بينما يتم إثبات كل المواليد في السجلات ، في حين  قد لا يتم تسجيل كافة الوفيات ، خاصة بالنسبة للأطفال والبالغين الذين لايتركون تركة تورث ، ولذا يقال دائما أن سجلات الناخبين تتضمن أسماء عديدة لمتوفين لم يتم أزالتهم منها، وقد يكون السبب أن مصلحة الأحوال المدنية لم تخطر بوفاتهم.

وقد أثيرت شكوك حول إمكانية تنفيذ المليون وحدة سكنية خلال خمس سنوات من ناحية وكذلك أن ثمن بيع الوحدة السكنية لن يكون في مقدور الأسر محدودة الدخل تدبيره ولن يقدر عليه سوى الفئة العليا من الطبقة المتوسطة وحدها.ولا تعجز شركات المقاولات المصرية الحالة عن تنفيذ المشروع في المواعيد المقررة له إذا تم تدبير المال اللآزم له وتم توفير مواد البناء بأسعار معقولة وخاصة الأسمنت وحديد التسليح بعد أن ارتفعت أسعارهما في الآونة الأخيرة.ومالم يتم إثارته هو أن جزء كبير  من المشروع سيتم تنفيذه في القاهرة الكبرى التي يسكنها حاليا قرابة ثلث سكان مصر مما يزيد العبء على الخدمات بها . فقد ذكر ممثل الشركة الإمارتية أن" هذه المجمعات السكنية ستقام في 13 موقعا في عدد من محافظات مصر ، وأن المساحة الإجمالية لأرض المشروع تزيد على 160 مليون متر مربع منها أكثرمن 149 مليون متر مربع في القاهرة موزعة بين مدن العبور والعاشر من رمضان والإخلاص".وذكرت الشركة أن "المساحات المتبقية سيتم توزيعها على محافظات الإسكندرية والمنوفية والفيوم وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر".

ويتم تكدس السكان بالقاهرة الكبرى بسبب النظام المركزي للحكم المتبع والتمسك به من قبل مؤسسات الدولة التي ترفض نظام الدولة الفيدرالية ، ويرفضها عموم الشعب أيضا نتيجة الجهل بتطور النظم السياسية في العالم ، بينما النظام الفيدرالي هو الذي يمكن من خلاله تعميم التنمية في جميع أنحاء القطر ، وإعادة توزيع السكان، وضمان الحكامة الجيدة وحسن استغلال الموارد الطبيعية والموارد البشرية,والوهم السائد أو الذريعة التي يتم التمسك بها هي أن النظام الفيدرالي يهدد وحدة الدولة ويعمل على تجزئتها ويتم الاستشهاد في هذا الشأن على ما حدث في السودان وهو قياس خاطئ يتجاهل أن تقسيم السودان جاء إثر حرب أهلية طويلة وتدخلات أجنبية استهدفت التقسيم وكان لكل من مصر حسني مبارك ومن قبله يوسف والي وليبيا معمر القذافي دورا في تحقيق هذه النتيجة ، فضلا عن مقتل جون قرنق والذي كان قد بدأ يتحول عن الانفصال الى الحقاظ على الوحدة مقابل إقامة السودان الجديد كما كان يسميه ، وهو ما كانت تعارضه أوغندا وإسرائيل، ويرجح أنه كان سبب مقتله. والقياس الخاطئ هو آفة الفكر السلفي في الدين كما صار من آفات الفكر السياسي في الدول المتخلفة أو غير الديموقراطية  أيضا. ويمكن القول أيضا أن الدول الخليجية التي تدعم الحكم حاليا في مصر لاتريـد لمصر حكما فيدراليا يحقق نجاحا فيها حتي لا تشكل نموذجا في المنطقة يحتذى أو تطالب به شعوبها ، وتبدي امتعاضها حاليا من توجه اليمن لهذا النوع من الحكم بعد ثورة شعبها على نظام حكم علي صالح والتخلص منه.

كما بذلت دول الخليج ما استطاعت من جهد لتحقيق فشل الثورات العربية أو ما عرف بثورات الربيع العربي والتي أطاحت بنظم الحكم في مصر وتونس وليبيا واليمن ومازالت تصارع النظام السوري ومنع هذه الثورات من تحقيق ما ناد به ثوارها حتى لاتنتقل عدواها الى منطقة الخليج .

 واعتقدت تلك الدول في صحة تقارير المخابرات العربية، حتى لو كانت قائمة على أوهام تخالف الواقع، ومن ذلك الاعتقاد بأن الثورة المصرية في 25 يناير 2014 ما كانت لتقوم لولا مشاركة التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين باعتباره التنظيم الوحيد المتحد والقوي والذي يمتلك مصادر تمويل هائلة، وأن نفس الشيء حدث في الدول العربية الأخرى التي شهدت ثورات مماثلة.
 بينما يعرف العالم بأن الثورة المصرية كانت عفوية ولاعلاقة للإخوان بقيامها ، بل امتنعت جماعة الإخوان عن المشاركة فيها عند بدايتها خوفا من أن تقشل وتنتقم السلطا منها.ولم تنزل جموع الإخوان ،  ومعهم من ساندوهم من السلفيين ، إلا بعد ثلاثة أيام من قيامها ، وبعد مفاوضات بينهم وبين مدير المخابرات المصرية عمر سليمان وعقدهم صفقة سياسية معه ، وفق خطة وضعها عمر سليمان ونفذه المجلس العسكري خلال فترة حكمه تم فيها استغلال غباء الإخوان وتطلعهم المحموم للاستيلاء على السلطة ويقينهم الخاطئ أنه في حالة تسلمهم السلطة فإن أي قوة محلية لن تستطيع إزاحتهم عنها ما داموا على علاقة طيبة مع الولايات المتحدة وإسرائيل . بينما كانت غاية الصفقة هو القضاء على تنظيمهم بعد أن يفقد الشعب الثقة فيهم ويكره وجودهم وتمت الخطة بنجاح . وتم التصريح للإخوان بحزب رئيسي وأحزاب احتياطية له وكذلك بعدة أحزاب للسلفيين ، وتم تنظيم انتخابات معيبة لتمكينهم من الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان ، وقضت المحكمة الدستورية بحله بعد ذلك، كما تم فوز مرشج الإخوان في انتخابات الرئاسة ، وتولى الرئاسة بالفعل لمدة عام لم ينجز فيها شيئا سوى أصدار قرارات زادت من السخط على حكمه، إلا أن تمت الإطاحة به فيما بعد وتتم محاكمته الآن على تهم شتى وجهت اليه وإلى العديد من قيادات جماعته وعلى رأسهم المرشد العام للجماعة.

 وقامت الثورة التونسية قبلها ورئيس حزب النهضة منفي بالخارج ومعظم قيادات الحزب في السجون، وقام بالثورة في ليبيا أبناء إقليم برقة بسبب كراهيتهم لحكم القذافي وتمييز قبائل اقليم طرابلس عليهم ولم يكن لتنظيم الإخوان المسلمين في ليبيا أي وجود مؤثر فيها، واستطاعت التنظيمات السياسية التي ترفع شعارات دينية أن تركب الثورات وتستغلها وفشلت في إدارة شؤون تلك الدول فشلا ذريعا . وبعد أن ثبت فشلها تمت نكبة الإخوان في مصر ، كما تخلى حزب النهضة عن الحكومة  وسلمها لحكومة لا يشارك فيها باتفاق مع القوى المعارضة له ، ويعتبر قد قضى على مستقبله السياسي في تونس.

فوزي منصور
11 مارس 2014