Friday, April 11, 2014

هل يحتاج الإسلام الى حماية من حماعة ما؟



إحتاج الإسلام لكي ينتشر في شمال أفريقيا على ساحل البحر المتوسط الى حوالي أكثر من خمسة قرون بعد فتح مصر بواسطة عمرو بن العاص وفتح غرب مصر بواسطة عقبة بن نافع وموسى بن نصير . ثم انتشر بعد ذلك في شبه جزيرة ايبريا وعدد من جزر البحر المتوسط ، وتم إزالته منها فيما بعد بينما انتشر في نفس الوقت بدون فتوحات في جنوب شرق آسيا حتى بلغ الفلبين واختار السكان حاكما مسلما لها الى أن غزاها الهولنديون وحاربوا أهلها المسلمين وحولوا سكان الجزر الشمالية عن دينهم الى المسيحية . وفي نفس الوقت الذي كان ينتشر الإسلام نتيجة الفتح العربي في ساحل البحر المتوسط كان ينتشر في أفريقيا جنوب الصحراء بواسطة التجار المسلمين ويدخله الأفارقة طواعية دون إكراه ولم يعلم بإسلامهم أحد من شمال الصحراء حتي خرج ملك مسلم بقافلة محملة بالذهب لأداء فريضة الحج وانتشر الخبر وطمع ملوك الموحدين في ذهب بلاده فأرسلوا إليه جيشا من المرتزقة الأوروبيين هاجموا المساحد وقتلوا المسلمين الأفارقة وعلماء الدين وخربوا العاصمة تمبكتو شمال نهر النيجر في مالي الحالية.

تراجع أيضا معرفة المسلمين بدينهم في المغرب الأقصي خلال القرن التاسع عشر وأغلقت العديد من المساجد أو تهدمت لهجر المسلمين لها وتوقفت قوافل الحج السنوية مما أغرى فرنسا وأسبانيا باحتلال البلاد لتغيير ديانة أهلها، وكان رد فعل الأهالي هو العودة إلى دينهم وتعلمه وإعمار المساحد وبناء المدارس العربية أو إرسال أولادهم لتلقي العلم في تونس أو القاهرة وخاصة العلوم الدينية.

وتعرض المشرق العربي ومصر إلى غزو الصليبيين والتتار حتى تم إجلائهم منه . وقتل هؤلاء مئات الآلاف من المسلمين ، وتوقفت الحروب الصليبية لعدة قرون ، ثم تم إحيائها من جديد بعد إلباسها ثيابا مغايرة . وكانت الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت على مصر وانتهت مع حصاره أسوار عكا بعد أن تفشى مرض الطاعون في جنوده وأهلكهم الله به. وتتابعت الحملات الصليبية فيما عرف بالاستعمار الأوروبي للبلاد العربية ، خاصة بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولي. وكان آخر الحروب الصليبية غزو العراق بجنود الولايات المتحدة وإسرائيل باعتراف الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن نفسه.

خلال هذا التاريخ الطويل والذي استمر فيه انتشار الإسلام في مختلف بقاع العالم سلما واقتناعا ممن دخلوا فيه، واستمرت إقامة الشعائر الدينية حتى اليوم فيها ، لم يكن لأي جمعية دينية أو أية طائفة دينية الفضل في بقاء الإسلام وانتشاره، أو عودة المسلمين إليه بعد أن جهلوه وفسدت عقائدهم ، مثل حالة المغرب الأقصى التي سبق ذكرها . بل كان الأكثر إضرارا بالإسلام هم حكام المسلمين وأطماعهم وفسادهم وظلمهم وليس أعداء الدين, وقد خرج الإسلام من شبه جزيرة أيبريا ،حيث أسبانيا والبرتغال اليوم ،بعد الحروب التي نشبت بين ملوك الطوائف في أسبانيا واستعانة كل ملك بالمسيحيين لمهاجمة الدولة المسلمة المجاورة له. حتى تمكن فرديناند وإيزابيلا من طرد المسلمين من شبه الجزيرة ثم من باقي جزر البحر المتوسط . ثم بدأت الكشوف الجغرافية واكتشاف رأس الرجاء الصالح واستغلت الأساطيل البحرية الهولندية والأسبانية والبرتغالية ثم الإنجليزية والفرنسية لمحاربة المسلمين في شرق أفريقيا وفي جنوب اليمن وعمان وسواحل الخليج ثم في باقي بقاع جنوب شرق آسيا التي يوجد بها مسلمون.

لم يحتج الإسلام لكي يستمر وجوده وانتشاره إلى وجود أي جماعة دينية من تلك الجماعات الكثيرة التي ظهرت خلال القرن العشرين وكل منها تدعي أنها هي وحدها الى تعرف صحيح الإسلام ، وأن ما عداها ضال. وهي في حقيقة أمرها إنما تسعي الى السلطة والغنيمة وتتخذ من استغلال العاطفة الدينية لدى المسلمين وسوء التعليم الذي لا يهتم بتعليم أبناء المسلمين دينهم ، ويركز في تعليمه الديني بالمدارس العامة على بعض آيات من القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية وفي التعليم الديني على منهج سلفي لا يتم تمحيصه وغربلته ومقارنته بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله لبيان مافيه من صحة وما فيه من أخطاء. وانتشرت أفكار متخلفة عن الدين دعمتها دول عربية ولم يتم نقدها وبيان عدم توافقها مع أصول الدين وأحكامه كما جاءت في كتاب الله وإنما تم نقلها كماهي.ومثال لذلك ما يعرف بالمذهب الوهابي وغيره.

 ومازلنا نجد حتى اليوم من يستنجد بأعداء الدين التاريخيين لمساندته والاستقواء به في محاربة دولة مسلمة أخرى.

وعندما أراد إسماعيل شاه مؤسس الدولة الصفوية الشيعية الحالية في إيران في أوائل القرن السادس عشر الميلادي إحياء العداء القديم بين فارس والروم ، باستبداله بعداء جديد بين إيران والدولة العثمانية ، وكانت بلاد فارس كلها قد تحولت من المذهب الشيعي إلى المذهب السني ، ويقضي المذهب السني ألا يحارب المسلم أخاه المسلم ، حيث يقرر الحديث النبوي بأنه إذا اقتتل مسلمان فالقاتل والمقتول في النار، حول الشعب بالإكراه الى المذهب الشيعي لكي يدفع الشعب الى عدم التحرج من قتال المسلمين في الدولة العثمانية ، طمعا في الاستيلاء على العراق وضمها إلى بلاده ، أو إجبار العثمانيين على اقتسامها معه , وأرسل وزيره ليطوف بالدول الأوروبية لإقامة حلف معه لمحاربة الدولة العثمانية ولم تستجب وقتها تلك الدول له. وهو ما يثبت تاريخيا أن الخطر الجسيم على الإسلام والمسلمين هو من المسلمين أنفسهم وليس من سواهم. وعندما نقيم ماآلت اليه دعوات وأنشطة تلك الجمعيات الدينية التي خلطت السياسة بالدين دون تمببز بينهما سنجد أنها أثارت الفتن وتسبب في سفك دماء المسلمين سواء منها أو من خصومها ولم يربح الدين شيئا من أنشطتها وجهودها وحروبها التي تعتبرها جهادا في سبيل الله.وسواء كانت حروبهم ضد مسلمين مثلهم أو مواطنين في الدولة من غير المسلمين فإن النتيجة دائما كارثية ومن أقرب الأمثلة لذلك الحرب بين شمال وجنوب السودان التي استمرت لأكثر من عشرين عاما ، وكان حسن الترابي ينفخ في نارها ويعد قتلاها من المسلمين بالجنة والحور العين فيها، وانتهت الحرب بتقسيم السودان وتكوين دولتين فاشلتين لايحققان سلاما وأمنا للمواطنين ولا تنمية أو رخاء اقتصادي يستفيد من ثماره كل الشعب ، وظل سفك الدماء والفساد في الأرض والتصارع على الاستئثار بموارد الدولة هو السمة الظاهرة حتى الآن في الدولتين.

كما أن أحد أهم النتائج لظهور هذه الجماعات هي أن حولوا دينهم شيعا وطوائف متصارعة على السلطة السياسية ومنافعها وليس لخدمة الدين وتنقيته مما شابه وليس منه في شيئ ودفعتهم العصبية والرغبة في التميز عمن سواهم إلى الابتداع في الدين وإدخال مايس منه فيه ، من موروثات العصور الماضية مع جهل للتاريخ الاجتماعي للشعوب المسلمة والعادات والتقاليد المتغيرة مع الزمن. وقد سبق لي أن أوضحت أن قوله تعالي:" خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"، أن الأخذ بالعرف فيه حكم ثابت ، بينما العرف متغير من مكان لمكان ومن زمان لزمان آخر. فالعرف السائد في القرن الخامس عشر مثلا في بلد معين وجب التزام المسلمون به في ذلك المكان والزمان بالأخذ به ، فإن تغير في القرن العشرين وجب أن يأخذوا بالعرف الجديد لا أن يستحضروا القديم الذي كان في القرن الخامس عشر ويوحيونه بعد ممات ، بدعوى العمل بما كان عليه السلف الصالح في ذلك الماضي.

كان غير المسلمين من الأوروبيين الذين لايؤمنون بأن النبي محمد كان نبيا أو رسولا من الله ، يسمون المسلمين بالمحمديين أي أتباع محمد. والسؤال الذي يجب طرحه الآن : هل جاء محمد صلى الله عليه وسلم بدين واحد أم بأديان متعددة؟. فإن كان قد جاء بدين واحد فإنه يفترض أن يكون إيمان كل أتباعه بالدين واحدا، فإن اختلفوا في الدين كان معني هذا أن الدين لم يعد واحدا وإنما تعدد بتعدد تلك الجماعات. وهو يخالف قول الله تعالي في سورة الأنبياء:. إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ "

إن الناس يتفاوتون في مقدار علمهم من الدين ولكن لا يجوز لهم أن يختلفوا في أمر واحد من أمور الدين. أي أن الاختلاف بينهم يكون في الكم وليس في الكيف . وإن اختلفوا في فهم حكم من أحكام الدين وجب الرجوع إلى الحكم المختلف فيه على النحو الذي ورد فيه بالقرآن الكريم والبحث في اللغة وفي السياق لمعرفة حقيقة الحكم وإنهاء الاختلاف. ويتم في هذا الشأن استعمال العقل والمنطق واستحضار أصول الدين ومقاصده لحسن الفهم، وأن يتناظر المختلفان فيه ويأتي كل منهما ببرهانه ، حتي تتوحد قناعاتهم ويزول الاختلاف.

شبيه بذلك بأن من يتعلمون لغة ما ، يتفاوتون في عدد المفردات التي يعرفون معناها واستخدامها، ولكن لا يجوز لهم الاختلاف في معني أو نطق لفظ واحد في تلك اللغة ، وهو المقصود بأن الاختلاف يكون في الكم وليس في الكيف.


وثمة أمور مثلا تندرج فيما هو معروف في الدين بالضرورة مثل أركان الإسلام الخمس وكيفية أداء الشعائر، وكذلك ما أحله الله وحرمه على المسلمين . وهي أمور صارت متفق عليها ولايجوز الخلاف فيها، ولكن يمكن أن يختلف الفهم فيما يتعلق بالإيمان ، والذي أقرب معني له هو المعرفة الحقة بكل الدين وأحكامه . والذي تتفاوت فيه معرفة الناس بها . ولذا قال تعالى : قالت الأعراب آمنا ، قل لم تؤمنوا وإنما قولوا أسلمنا. وقد حدث اختلاف بين الناس في تعريف الأمة ، بعد أن تم الخلط بين اللفظ في العلوم السياسية وما يجب أن يكون معناه في الدين . ولذا قلت بأن الأمة بمعناها الديني التي تتخذ من النبي صلى الله عليه وسلم إماما أوحدا لها، واعتبرت أن وصف فلان أو علان من علماء الدين بالإمام فلان يتعارض مع ما يفترض في الدين من وحدة الإمامة وقصرها على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وصرت أتفادي
وصف أحد بالإمام. واعتبرت أيضا أن وحدة الأمة والإمامة هي من مستهدفات الدين ومقاصده ، مثلها مثل المقاصد الخمس التي قال بها الأصوليون.

والأمامة قد تكون للنبي الذي جعله الله للناس في زمانه إماما ، مثل قول الله للنبي إبراهيم الذي ورد في سورة البقرة الآية 124 إني جاعلك "للناس إماما"
:
وتكون أيضا لكتاب الله المنزل على رسوله، فكان لتوراة موسى ومن بعده للقرآن الكريم كما جاء في سورة الأحقاف: ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ، وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين " أي أنه من قبل القرآن كان كتاب موسى وهو التوراه إماما للمؤمنين وهذا القرآن الذي جاء مصدقا لما كان في التوراة ويحل محلها إماما أيضا ورحمة للمؤمنين.
وقال الله تعالى في سورة هود: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ، أولئك يؤمنون به ، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ،فلاتكن في مرية منه أنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون "الآية 17
ومن بعد موسى جاء المسيح بن مريم بالإنجيل مصدقا أيضا لما جاء في التوراة، وقال تعالي في سورة المائدة: وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه (أي من التوراة) وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الفاسقون ، وأنزلنا إليك الكتاب )أي القرآن) بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ، فاستبقوا الخيرات ، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون, وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلمأنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ، وإن كثيرا من الناس لفاسقون".

ومما سبق يمكن القول بأن إمام المسلمين هو كتب الله المنزلة على رسله وأنبيائه وفي طليعتها القرآن الكريم وما جاء متفقا معه من الكتب السابقة ، ويأتي بعد كتاب الله النبي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ألذي هو إمامهم الوحيد بعد كتاب الله من بدء بعثته إلى يوم يبعثون .

لقد ظهر أناس في السنوات الأخيرة ، وخاصة في القنوات الفضائية ، يوصفون بالدعاة وأفهم أن يدعوا الداعية غير المسلمين إلى الإسلام ، ولكن لا أفهم أن يدعوا المسلمين إليه. وإنما إذا توجه للمسلمين وهو مسلم مثلهم فإنما يتوجه إليهم للوعظ والإرشاد وتعليمهم ما يجهلونه من أمور الدين. وما يمكن أن نلاحظه في هؤلاء ، والذين يمكن وصفهم أيضا بالمرتزقة من الدين ، ضيق أفقهم وعلمهم بصحيح الدين ، وأنهم في حقيقة أمرهم يدعون الى ما يكرس تخلف المسلمين عن سواهم وعدم أخذهم بأسباب الحضارة والمدنية والتقدم ، والتفوق في العلوم وإتقان المهن والحرف بما يطور الانتاجية ، واهتماماتهم كلها تنحصر في أمور ثانوية وغير صحيحة ولاقيمة لها للمسلمين. وهؤلاء الذين يظنون أنهم يدرءون مقاسد ، يثيرون الفتنة والخلافات والصراعات بين المسلمين وليس في المفاسد أكثر من ذلك وأضر ، وفي نفس الوقت لا يجلبون أي منفعة للمسلمين ولمجتمعاتهم وأوطانهم. وهم أيضا يفسدون المجتمعات بأقوالهم عندما يدعون مثلا إلى تعدد الزوجات ويعتبرونها سنة ، بينما تعد في كتاب الله استثناء من القاعدة قد تتطلبها الظروف والأحوال وليست القاعدة المتمثلة في زوجة واحدة ، حيث خلق الله النفس وخلق منها زوجها، وليس أزواجها.وهم بذلك ينحرفون بالدين عماأراده الله ويبتدعون فيه أحكاما ليست من أحكامه. ويحرمون أيضا مالم يحرمه الله قياسا على ما حرمه من أمور، والله علام الغيوب لو أراد أن يحرمها لحرمها. وليسوا أعلم منه بها. بالطبع ليس المجال هنا دحض كل ما يدعون ، وإنما القصد أن هؤلاء وأمثالهم من شأن تصرفاتهم أن يحولوا الدين إلى فرق وشيع ومذاهب ، بينما يلزم توحيد الدين وليس تفرقته الى عقائد مختلفة. وتوحيد المؤمنين به لكي يظلوا أمة واحدة متضامنة ومتحدة ومتساندة في مواجهة كل من يريد بها شرا.

وليس أدل على حرمة تفرقة المسلمين من قوله تعالي في سورة الأنعام:
"
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ".

فوزي منصور


Saturday, March 29, 2014

كم عدد سكان مصر؟


سؤال قد يسهل على الكثيرين الإجابة عليه ـ خاصة وقد نشرت الصحف قبل أسابيع بأن جهاز كذا أعلن أن عدد السكان في مصر قد بلغ يوم كذا تسعين مليونا، وأن الجهاز بشر بأن عدد السكان سيصل خلال سنوات معدودة الى مائة مليون، ومع ذلك يظل السؤال قاسما بدون إجابة موثوق في صحتها. فالجهاز المذكور يقيد عدد المواليد ثم يخصم منه عدد الوفيات والباقي يكون هو عدد السكان الرسمي.وطريقة الحساب هذه يفترض أنها صحيحة لو كان الجهاز بإمكانه تحديد عدد الوفيات الفعلي. فكل من يولد يتم قيده غالبا واستخراج شهادة ميلاد له للحاجة اليها لضمة إلى بطاقة التموين أو لقيده في المدرسة مستقبلا ، أما كل من يموت فلايتم استخراج شهادة وفاة له وإنما تصريح بالدفن من طبيب الصحة دون استخراج شهادة وفاة طالما لم يخلف تركة يحتاج الورثة إلى اقتسامها.

وما نعرفه أن عدد سكان مصر في الخمسينيات بلغ حوالي عشرين مليونا وفي نهاية السبعينيات قارب الأربعين مليونا ولكننا لا نعرف العدد الحقيقي اليوم ، وينتابني الشك في الأرقام المعلنة والتهويل فيها، والادعاء بأن مصر مقبلة على انفجار سكاني لاحل معه. وقد سبق تقدير عدد سكان مصر منتصف عام 2003 حوالي 72 مليون نسمة،ولو افترضنا صحة الرقم فلايعقل خلال الأوضاع الصحية المتفاقمة وما يترتب على التلوث البيئي من مشاكل صحية تتضمن الاصابة بالعقم وضعف الخصوبة أن يرتفع العدد في بداية 2014 إلى 90 مليونا.

وتقول جريدة الأهرام في عددها الصادر يوم 6 يناير 2014 تحت عنوان :
"مصر‏160‏ مليون نسمة في‏2050‏..الانفجار السكاني يدخل دائرة الخطر" مايلي:
"خطر داهم يتهدد مستقبل المصريين‏..‏ حيث تشير الدراسات والإحصائيات الحكومية إلي أن تعداد السكان في مصر سيتجاوز‏160‏ مليون نسمة في عام‏2050
ورغم محاولات الحكومات المتعاقبة في مصر تحجيم معدلات نمو السكان فإن معدل النمو السكاني ارتفع إلي2.6 مليون مولود سنويا في الفترة ما بين عامي2006 و2012 طبقا لمؤتمر السكان والتنمية في مصر..تحديات متوقعة وفرص متاحة الذي أقيم في نوفمبر الماضي, ومن بين التحذيرات التي أطلقها المؤتمر في بيانه الختامي إن مصر في ظل معدلات النمو السكاني الحالية ستحتاج إلي90 الف فصل دراسي بكثافة43 طفلا بالفصل الواحد.  .
ويحذر الخبراء من أن استمرار معدلات النمو السكاني علي الوتيرة نفسها ستؤدي إلي تعميق المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في مصر, وتعثر عملية التنمية وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة والفقر ما يترتب عليه زيادة معدلات الجريمة في المجتمع وأطفال الشوارع وتراجع جودة الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين."وينتهي المقال إلى القول :
"إن السبب الرئيسي لتردي معيشة المواطن وعجز الدولة عن توفير الاحتياجات الاساسية للمواطنين هو عدم كفاية موارد الدولة لمتطلبات السكان في مصر."
ولا يوجد توزيع متوازن للسكان في مصر ، فمصر تبلغ مساحتها الكلية 990 ألف كيلومترمربع يمثل المأهول منها 5%.

وتضم منطقة  القاهرة الكبرى والجيزة والمدن الجديدة التي تطوقهما  حوالي 23% من اجمالي عدد السكان، أي ما يعادل ربع السكان، بينما نجد في المحافظات الصحراوية مثل البحر الأحمر وسيناء والوادي الجديد نسبة 1% من سكان جمهورية مصر. ولايتمتع سكان المناطق النائية بنفس الخدمات التي يتمتع بها سكان شمال الوادي.
وقد أقيمت المدن الجديدة مثل الرحاب و6 أكتوبر وغيرها حول القاهرة الكبري بدعوى تخفيف الزحام فيها ، بينما كان يجب أعادة توزيع سكان القاهرة الكبري على باقي أنحاء القطر ، وهو ما يتطلب أيضا عدم التمسك باستمرار الحكم المركزي والتحول إلى الحكم الفيدرالي لضمان تنمية جميع مناطق البلاد وحماية أمنها القومي في ذات الوقت. وهو الأمر الذي مازال يلقى معارضة شديدة ممن بيدهم الأمر ولايعي أهميته عموم الشعب.وفي حين كانت القاهرة تضم 25% من سكان المناطق الحضرية عام 1996 صارت تضم 70% منهم عام 2008 حسبما ورد في موقع fanack.com.

وفي تقارير الأمم المتحدة السنوية عن التنمية الإنسانية سنجد أن مصر يموت ربع سكانها قبل بلوغهم  40 عاما, وتنشر أحيانا أرقاما مفزعة عن المصابين بداء الكبد والسرطان والسكر وضغط الدم ، وعدد من الأمراض المهلكة التي تعجل بوفاة المريض ، قضلا عن معلومات عن تلوث البيئة ومياه النيل والتربة والتغذية، وعندما عدت إلى مصر قبل عام ونصف وبعد غيبة طويلة استمرت عدة عقود ، كنت على اتصال مستمر بابن عم لي وكنت أعرف مرة كل أسبوع على الأقل بأنه في قريتنا فأسأله عن السبب فيخبرني بأنه كان يشارك في جنازة فلان أو فلآنة، فأسأل عن سبب موته فيخبرني أنه كان مصابا بداء الكبـد، أي أن مرضا واحد يقضي على حياة إنسان أو أكثر كل أسبوع في قرية واحدة لايزيـد عدد سكانها عن ثلاثة آلاف نسمة ، وهناك من يموتون بالتأكيد نتيجة الإصابة بأمراض أخرى.

وكان معروفا أن عددا من الدول الفاشلة التي يحكمها حكام فاسدون تزيد من عدد السكان وتقلل من حجم الناتج المحلي حتي ينقص معدل الدخل الفردي وتستطيع الدولة الحصول على قروض ومعونات دولية يستغلها أو يبددها حكامها. وكان ما لفت نظري هو تزايـد سكان كل من أثيوبيا ومصر بشكل غير منطقي وكأن الدولتان ، خلاف باقي الدول الأفريقية تتسابقان في هذا المضمار ، وكلما رفعت إحداهما عدد سكانها سارعت الأخرى بإعلان زيادة عدد سكانها هي الأخرى لكي يتساويان في عدد السكان. بينما كل المعلومات المتاحة عنهما تشكك في صحة ما يعلنانه.وكان حسني مبارك يتعلل بتلك الزيادات المزعومة لتفسير عجز حكوماته عن تحسين أوضاع الشعب أو إقامة مشروعات تنمية تستوعب اليد العاملة، وفي نفس الوقت كان يعلن عن ما يسمية بالمشروعات القومية الكبري في الزراعة مثل سهل الطينة شمال غرب سيناء أو مفيض توشكي أو شرق جبل العوينات، أو في الساحل الشمالي وملايين الأقدنة التي ستضيفها تلك المشروعات التي تكلفت مليارات الدولارات والتي ستسهم في توزيع السكان على مناطق شبه خالية منهم ، وتعزز الأمن القومي خاصة في سيناء ، ثم نفاجأ بتوزيع الأراضي على شركات مشبوهة وعلى شخصيات أجنبية ومحلية ،وحرمان الفلآخ المصري من أرضه التي يسدد أقساط وفوائد الديون التي أنفقت فيها. ولا نعرف حتى الآن من أصحاب الشركة التي تستغل منجم السكري وتلك التي تستغل منجم المنجنيز في مثلث حلايب شلاتين، وماذا يستفيده الشعب المصري من استغلال تلك الشركات لتلك الثروة المعدنية؟ ، ونعرف كيف أسند التنقيق على الغاز لشركة يملك معظم أسهمها حسين سالم صديق مبارك ، ثم يقوم الأخير ببيع أسهمه فيها لشركة أسرائيلية، وتبيع تلك الشركة الغاز لاسرائيل بأقل من الأسعار العالمية، ويستمر ذلك، وأشياء كثيرة منها ما كشف عن بعضه صدفة مثل التنازل عن مرفأ مرسى علم لشركة على رأسها مستثمر كويتي لإنشاء مشروعات سياحية خاصة فيها ومطار خاص للسائحين من الخليج ، وبما يستغل لأغراض أخرى ،ومنها بالتأكيد مازال يلفه الكتمان، وكل ذلك يتم تحت مسمى تشجيع الاستثمار الأجنبي. لعنة الله عليه إن كان على هذا النحو المريب.

نعود إلى سؤالنا : كم عدد سكان مصر؟ ، إذ أنه  بدون إجابة صحيحة ومفصلة على هذا السؤال يتعذر وضع خطة للنهوض بالبلد في المستقبل، وهو ما يتطلب إجراء تعداد رسمي ، وتعيين لجان له تزور كل منزل في مصر وتقيد سكانه وبياناتهم خاصة المتعلقة منها بدخل الأسرة وأعمار أفرادها وغير ذلك وتصحيح كافة البيانات الرسمية وفق نتائج هذا التعداد.ووضع سياسة محلية وخارجية هدفها الوحيد إدارة شؤون المجتمعات المصرية على نحو أفضل وعادل ، يسهم في رقي المجتمع وتحسين الأوضاع المعيشية لكافة أقراده.وبحيث يتم  خلق فرص عمل ومجالات استثمار لتشغيل طاقة المجتمع بكامله وبالاعتماد الكامل على استثمار الثروة البشرية المصرية وليس على رؤوس الأموال الأجنبية ، كما يتم التحرر من السياسة الحالية الخاضعة لمفهوم النيوليبرالية والذي لا تستفيد منه سوى الرأسمالية العالمية ، والرأسمالية المحلية التي تقتات على فتاتها وتقع على هامشها ،والتي لا تعنيها مصالح الشعوب .
ويحتاج استثمار الثروة البشرية المصرية إلى توفر معلومات صحيحة وميدانية عنها وليس معلومات دفترية مشكوك في صحتها ، ويقول صندوق الأمم المتحدة للسكان: "تؤثر الديناميات السكانية، بما في ذلك توزيع معدلات النمو، والبنية العمرية، والخصوبة والوفيات، والهجرة، وغيرهم، على كافة جوانب التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية.  ومن هنا، يتعين على البلدان أن تتوافر لديها القدرة على جمع المعلومات عن السكان، لمتابعة وتحليل الاتجاهات من أجل إعداد وإدارة سياسات سليمة وتوليد الإرادة السياسية لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية للسكان"
وحيث لايمكن إعداد مخططات تنمية دون توفر تلك المعلومات ، والافادة منها.

وبدون هذا ستظل مصر ضيعة منكونبة بحاكميها ومنهوبة منهم وغير معروف من يملكها، ويستغلها وينتفع منها دون غالبية الشعب. وقد جاء في البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة أن "قلة من البشر يتمتعون بالنصيب الأكبر من الثروة والمعرفة والإنتاج، وكثرة من البشر يعانون من سوء التغذية، أو يموت بعضهم جوعاً، ومرضاً وجهلاً".وهذا الوصف ينطبق على الوضع الحالي القائم في مصر حاليا. والذي يعتبر السبب الرئيس لانتفاضة 20يناير 2011 والتي تم الالتفاف عليها وإجهاضها ، ومن المحتمل أن يكون سببا أيضا في انتفاضات مماثلة في المستقبل تعيي الذين يحاولون التغلب عليها وأبقاء الوضع على ماهو عليه دون تغيير ولصالح فئة قليلة في قمة الدولة هي المستفيدة وحدها من استمراره.

وعوض التخويف من الزيادة السكانية يجب العمل على زيادة الانتاج الزراعي والصناعي ، فلسنا أكثر عددا من الصين التي يزيد عدد سكانها عن مليار ونصف حاليا يشغلون مساحة قدرها تسعىة ملايين و500 ألف كيلومتر مربع وبصدد أن تتحول إلى أول قوة اقتصادية في العالم خلال العقد القادم ، لأنها رغم كل ما يقال عن نظامها الشيوعي تستثمر عدد سكانها كثروة بشرية منتجة للثروة المالية, الموجه لتحسين الأوضاع الاجتماعية باستمرار. والاستثمارات الأجنبية التي تتدفق على الصين هي في معظمها أموال ذوي الأصول الصينية المغتربين في ماليزيا وأندونيسيا وباق دول جنوب آسيا.ونفس الشيئ يمكن أن يقعله المغتربون المصريون الذين يتردد أن عددهم حوالي الخمسة ملايين نسمة ، إن وجدوا نظاما يمكنهم الثقة فيه ويأمنون على أموالهم ومصالحهم فيه.
ويمكن قول ذلك أيضا عن الهند التي يصل عدد سكانها حاليا الى حوالي المليار نسمة وتسير في السنوات الأخيرة بخطى ثابتة في طريق التنمية والقضاء تدريجيا على الفقر وتحسين مستوى معيشة السكان. و النمو السكاني ليس بالضرورة ظاهرة سلبية بل قد يكون إيجابيا حيث يسهم في زيادة الطلب على الانتاج والتي من شأنها أن تزيد من الانتاجية ويسهم أيضاً في تنظيم فعالية الانتاج بفضل تحسين تقسيم العمل ويؤدي النمو السكاني إلى تخفيض الأعباء العامة للمجتمع بتوزيعها على عدد أكبر من السكان. حين يتم وضع خطة تنموية علمية لاستيعابه والإفادة منه.
وحسب تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان عن مصر فإنه:" لاتزال التنمية تشهد تفاوتاً كبيراً بين المناطق الحضرية والريفية، وبين صعيد مصر والدلتا، وبين الرجال والنساء، و كذلك داخل المحافظات والمدن.  ويتركز ما يقرب من 40 في المائة من جميع الاستثمارات في محافظة القاهرة، ولا يزال الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية منخفضا نسبيا.  وفي عام 005 ، تم إنفاق 5,1٪ من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم,  و 1,8٪ على القطاع الصحي، غير أن الفقر لا يزال يشكل تحديا كبيرا، حيث يعيش حوالي 43٪ من السكان على أقل من 2 دولار يوميا، كما أن حوالي 30٪ من القوة العاملة تعمل بعقودٍ إما موسمية، أو غير منتظمة، أو مؤقتة". 
وهي وضعية لايمكن لوطني مصري أن يقبل استمرارها إلى ما لا نهاية.ويفترض أن يسعى جميع المصريين ،صفا واحدا، لتغييرها من أجل مستقبل أفضل لبلادهم.وأن يقدم من يرشح نفسه للرئاسة برنامجا مفصلا وتنفيذيا لتحقيق ذلك ، وليس وعود وشعارات وعبارات إنشائية أو عاطفية لاستمالة الناخبين وليس لبناء مستقبل يليق بهم ، وبحقوقهم.
ويقول التقرير أيضا: "ويعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر على دعم سبل التعاون مع الحكومة المصرية لضمان حصول صانعي القرارات على المعلومات السكانية المستندة إلى الأدلة، والمعرفة المتعمقة لديناميات السكان، للاسترشاد بها في عملية صنع القرار، كما يدعمها أيضاً للتأكد من أن السياسات الوطنية تحقق أهداف وغايات كل من المؤتمر الدولي للسكان والأهداف الإنمائية للألفية.  ومن جهةٍ أخرى، يساند الصندوق الحكومة في بناء القدرات المؤسسية في توفير المعلومات والبيانات الدقيقة من أجل تعزيز الحوار.
فهل يمكن لمصر أن تستفيد من ذلك وتوجه العون الفني المقدم من الصندوق بما يخدم سياسة اقتصادية جديدة تعزز التنمية الشاملة :الاقتصادية والإنسانية للمجتمع المصري؟


فوزي منصور

Tuesday, March 11, 2014

أزمة الإسكان في مصرومشروع إسكان الشباب



بدأت تطهر بوادر أزمة الإسكان في مصر في منتصف ستينيات القرن الماضي .ففي ذلك الوقت بدأت تختفي من على واجهات المنازل لافتة " شقق للإيجار" ، وكان ملاك العمارات الجديدة يطلبون ممن يطلبون سكنا دفع إيجار سنة أو أكثر مقدما ، وبعد ذلك كانوا يعرضون الشقق بدون تشطيب على أن يقوم المستأجر بتشطيبها على حسابه على أن يخصم ما يدفعه في التشطيب من الإيجار الذي يحدده المالك مقدما ولا يخضع للجنة تحديد الإيجارات. وحين تحول الاقتصاد المصري من اقتصاد انتاجي ألى اقتصاد ريعي ، صارت كل العمارات الجديدة معروض شققها للتمليك وليس للإيجار وكان يقبل على شراء الشقق المصريون الذين يعملون في الخارج وكونوا مدخرات تسمح لهم بذلك وكذلك الأثرياء الجدد في عهدي السادات ومبارك. وفي منتصف السبعينيات كانت فتيات يعملن مع في مؤسسة الكهرياء الحكومية فسخت خطوبتهن بعد أن استمرت عدة سنوات لأن العريس لم يتمكن من تدبير شقة لكي تزف له فيها عروسه.

تسببت أزمة السكن في حرمان شبان وشابات من الزواج ، وترتب على ذلك تداعيات اجتماعية سلبية ناتجة عن تلك الأزمة. ومازالت تلك التداعيات قائمة حتى اليوم. وبينما لم يعد الشاب من الطبقة المتوسطة يجد شقة للسكن والزواج، نشرت بعض الصحف المصرية بيانات عن الأملاك العقارية لبعض المنتفعين من نظام مبارك ، غير معروف الجهة التي سربتها لهم، توضح عددا كبيرا من الشقق والفيلات مملوكة لهم في أنحاء مختلفة من الدولة, بينما استمرت الدولة تتاجر سياسيا في القضية منذ عهد حسني مبارك.

فعندما رشح نقسه حسني مبارك للولاية الخامسة أعلن عن بناء نصف مليون شقة للشباب من محدودي الدخل ، وعندما كان يعد نفسه للولاية السادسة قبيل قيام انتفاضة أو نورة 25 يناير 2011 تم الإعلان عن عزم الحكومة بناء مليون شقة لمحدودي الدخل من الشباب، وكانت مجرد وعود لم يتم الوفاء بها. وعندما قامت انتفاضة أو ثورة 25 يناير تلك ظن الممسكون بأمر الدولة وسياستها أن سببها يرجع لأزمة الاسكان ، بينما كان سببها انعدام فرص الشغل أمام الخريجين الشبات وارتفاع تكلفة المعيشة والقمع وانتهاكات حقوق الانسان المستمرة، وانتشار الفساد في كافة أركان الدولة، بالإضافة إلى أزمة السكن.

ولذا حين عين أحمد شفيق صديق حسني مبارك رئيسا للحكومة عاد الحديث مجددا عن المليون شقة، وكانت بعد ذلك المليون شقة ضمن البرامج المعلنة لمن جاءوا بعده مثل حكومات : كمال الجنزوري وعصام شرف وهشام قنديل وحازم الببلاوي، وظلت وعودا لايتم الوفاء بها .وتم الشروع في حوالى 25% مما كان مقرر تنفيذه في عام واحد ضمن الخمس سنوات المقرر تنفيذ السكن الاجتماعي فيها,

وأخيرا أعلن وزير الدفاع في 9 مارس 2014عن إنشاء مشروع إسكان يحتوي على مليون شقة للشباب بالتعاون مع شركة أرامتك الإماراتيه ، خلال السنوات الخمس القادمة بمعدل مائتي ألف شقة سنويا،تصل تكلفتها لحوالى 40 مليار دولار أو200 مليار جنيه مصري حسبما ورد في بيان شركة أرامتك الإمارتية، ستساهم بقسط كبير منها البنوك المصرية.

ولأن الأمر ليس من اختصاص وزير الدفاع أو القوات المسلحة وإنما يفترض أن يتم الإعلان عن المشروع من قبل رئيس الحكومة، فقد اعتبر الأمر بمثابة دعاية انتخابية سابقة لأوانها لعزمه على ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية. وتمهيدا لظهر حكومة إبراهيم محلب الذي كان يعمل من قبل وزيرا لللإسكان في وزارة الببلاوي، وكان قبل انتفاضة 25 يناير عضوا في لجنة سياسات الحزب الحاكم أيام حسني مبارك والتي كان على رأسها إبنه جمال مبارك ،قام الإعلام المصري بعملية تلميع له ولنشاطه ومتابعته تنفيذ مشروعات قديمة للأسكان الاجتماعي توقف العمل بها لعدم سداد مستحقات المقاولين المتراكمة على الحكومة بسبب الأزمة المالية التي لم تنجح المعونات الخليجية الكبيرة التي تدفقت على مصر بعد يوليو 2013 والتي كانت في حدود 15 مليار دولار في تخليص الدولة منها .بينما كانت الحكومات المصرية السابقة تلهث خلف البنك الدولي لإقراضها ثلاثة مليارات خلال السنوات السابقة دون الحصول على القرض.وحسب ما مقلته وسائل الإعلام عن صحيفة وول استريت فأن المشروع جاء نتيجة أن الدول الخليجية تدعم النظام الحاكم حاليا في مصر ماليا. وخلال تولي السيد\اباراهيم محلب وزارة الإسكان نشرت صحيفة المصري اليوم في 11نوفمبر 2013 تصريحا له يقول فيه: " إن تمويل المراحل الأولي لمشروع الإسكان الحديد، التي سيتم طرحها في المحافظات بعدد 94 ألف وحدة سكنية ، بإشراف مديريات الإسكان، متوفر، وستكون هناك مساندة فنية للمديريات، ودعم متواصل من جميع أجهزة الوزارة، وشدد على عدم وجود فساد في الوزارة حاليا، لذا تنتظر الوزارة والمواطنون قبلها الإنجازات بسرعة..."

وقد حدث نفس الشيئ من قبل في الجزائر عندما ارتفعت أسعار البترول وتمكنت الجزائر من عائداته سداد ديونها وتحقيق فائض في حدود مائة مليار دولار، فقامت الحكومة بالإعلان عن عزمها إقامة مشروعات إسكان تكلف أكثر من خمسة مليارات ، ولم تفكر الحكومة في استغلال عائدات البترول والغاز في إقامة مشروعات تنمية زراعية وصناعية تستوعب العاطلين من الشباب ، وتحقق موارد مالية لهم تحقق لهم مستوى معيشة أقضل.

لايمكن التقليل من أهمية بناء مساكن للشباب وإيجاد حلول لأزمة السكن وأيضا التناقض الحاد بين إيجارات المساكن القديمة والمحمية من القانون، وإيجارات المساكن الجديدة الخاضىة لقانون جديد ، إذ نجد أن أيجار الشقة القديمة في حدود 15 جنيه مثلا، بينما لو استطاع المالك استردادها من المستأجر أو ورثته أمكنه تأجيرها بخمسة عشر ألف جنيه أو أكثر حسب موقعها في المدينة التي توجد بها.

 وفي نفس الوقت لايمكن حل أزمة الإسكان بدون أن يكون الحل ضمن خطة للتنمية الشاملة : اقتصادية وإنسانية، وحكم ديمقراطي للدولة يعمل لصالج جميع جماهير الشعب وليس لصالح أقلية نافذة ومسيطرة على مقاليد الأمور وتسخر سياسات الدولة وقوانينها ونظام حكمها لصالحها ولتراكم منافعها وامتيازاتها ومصالحها المادية والمعنوية والرمزية .وفي حالة إذا كانت الحكومة تريد أن تتجنب إدارة مشروعات التنمية فيمكنها فور انتهاء المشروع أن تحوله إلى شركة مساهمة وتدعو العاملين بها وعموم الشعب  والمستثمرين الأجانب إن لزم الأمرللاكتتاب في رأسمالها بحيث يشكل المساهمون جمعية عمومية لها تختار مجلس أدارتها وهو ماانتهجته دول أوروبا الشرقية حين قررت التحول إلى النظام الرأسمالي وتحولت ملكية المشروعات فيها من الحكومة إلى شعوبها.وعندما يتسع نطاق التنمية وتتحسن ظروف المعيشة يمكن أن تتوفر مدخرات لدى أفراد الشعب لتمويل المزيد من مشروعات التنمية دون الاعتماد على المعونات الخارجية وما يتبعها من تبعية سياسية واقتصادية للممولين الأجانب.

لقد واصلت معدلات الفقر ارتفاعها في مصر بعد انتفاضة 25 يناير حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري فبلغت أكثر من 26% من عدد السكان ،بينما كانت في حدود 21% قبل 25 يناير 2010، وبدون مشروعات تنمية تتعهدها الحكومة فإن نسبة الفقر مرشحة للزيادة ، مع التحفظ على عدد السكان الذي يعلنه الجهاز والذي أظن أنه يزيد عن العدد الفعلي لهم، حيث يعتمد على أضافة المواليد وخصم الوفيات ، بينما يتم إثبات كل المواليد في السجلات ، في حين  قد لا يتم تسجيل كافة الوفيات ، خاصة بالنسبة للأطفال والبالغين الذين لايتركون تركة تورث ، ولذا يقال دائما أن سجلات الناخبين تتضمن أسماء عديدة لمتوفين لم يتم أزالتهم منها، وقد يكون السبب أن مصلحة الأحوال المدنية لم تخطر بوفاتهم.

وقد أثيرت شكوك حول إمكانية تنفيذ المليون وحدة سكنية خلال خمس سنوات من ناحية وكذلك أن ثمن بيع الوحدة السكنية لن يكون في مقدور الأسر محدودة الدخل تدبيره ولن يقدر عليه سوى الفئة العليا من الطبقة المتوسطة وحدها.ولا تعجز شركات المقاولات المصرية الحالة عن تنفيذ المشروع في المواعيد المقررة له إذا تم تدبير المال اللآزم له وتم توفير مواد البناء بأسعار معقولة وخاصة الأسمنت وحديد التسليح بعد أن ارتفعت أسعارهما في الآونة الأخيرة.ومالم يتم إثارته هو أن جزء كبير  من المشروع سيتم تنفيذه في القاهرة الكبرى التي يسكنها حاليا قرابة ثلث سكان مصر مما يزيد العبء على الخدمات بها . فقد ذكر ممثل الشركة الإمارتية أن" هذه المجمعات السكنية ستقام في 13 موقعا في عدد من محافظات مصر ، وأن المساحة الإجمالية لأرض المشروع تزيد على 160 مليون متر مربع منها أكثرمن 149 مليون متر مربع في القاهرة موزعة بين مدن العبور والعاشر من رمضان والإخلاص".وذكرت الشركة أن "المساحات المتبقية سيتم توزيعها على محافظات الإسكندرية والمنوفية والفيوم وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر".

ويتم تكدس السكان بالقاهرة الكبرى بسبب النظام المركزي للحكم المتبع والتمسك به من قبل مؤسسات الدولة التي ترفض نظام الدولة الفيدرالية ، ويرفضها عموم الشعب أيضا نتيجة الجهل بتطور النظم السياسية في العالم ، بينما النظام الفيدرالي هو الذي يمكن من خلاله تعميم التنمية في جميع أنحاء القطر ، وإعادة توزيع السكان، وضمان الحكامة الجيدة وحسن استغلال الموارد الطبيعية والموارد البشرية,والوهم السائد أو الذريعة التي يتم التمسك بها هي أن النظام الفيدرالي يهدد وحدة الدولة ويعمل على تجزئتها ويتم الاستشهاد في هذا الشأن على ما حدث في السودان وهو قياس خاطئ يتجاهل أن تقسيم السودان جاء إثر حرب أهلية طويلة وتدخلات أجنبية استهدفت التقسيم وكان لكل من مصر حسني مبارك ومن قبله يوسف والي وليبيا معمر القذافي دورا في تحقيق هذه النتيجة ، فضلا عن مقتل جون قرنق والذي كان قد بدأ يتحول عن الانفصال الى الحقاظ على الوحدة مقابل إقامة السودان الجديد كما كان يسميه ، وهو ما كانت تعارضه أوغندا وإسرائيل، ويرجح أنه كان سبب مقتله. والقياس الخاطئ هو آفة الفكر السلفي في الدين كما صار من آفات الفكر السياسي في الدول المتخلفة أو غير الديموقراطية  أيضا. ويمكن القول أيضا أن الدول الخليجية التي تدعم الحكم حاليا في مصر لاتريـد لمصر حكما فيدراليا يحقق نجاحا فيها حتي لا تشكل نموذجا في المنطقة يحتذى أو تطالب به شعوبها ، وتبدي امتعاضها حاليا من توجه اليمن لهذا النوع من الحكم بعد ثورة شعبها على نظام حكم علي صالح والتخلص منه.

كما بذلت دول الخليج ما استطاعت من جهد لتحقيق فشل الثورات العربية أو ما عرف بثورات الربيع العربي والتي أطاحت بنظم الحكم في مصر وتونس وليبيا واليمن ومازالت تصارع النظام السوري ومنع هذه الثورات من تحقيق ما ناد به ثوارها حتى لاتنتقل عدواها الى منطقة الخليج .

 واعتقدت تلك الدول في صحة تقارير المخابرات العربية، حتى لو كانت قائمة على أوهام تخالف الواقع، ومن ذلك الاعتقاد بأن الثورة المصرية في 25 يناير 2014 ما كانت لتقوم لولا مشاركة التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين باعتباره التنظيم الوحيد المتحد والقوي والذي يمتلك مصادر تمويل هائلة، وأن نفس الشيء حدث في الدول العربية الأخرى التي شهدت ثورات مماثلة.
 بينما يعرف العالم بأن الثورة المصرية كانت عفوية ولاعلاقة للإخوان بقيامها ، بل امتنعت جماعة الإخوان عن المشاركة فيها عند بدايتها خوفا من أن تقشل وتنتقم السلطا منها.ولم تنزل جموع الإخوان ،  ومعهم من ساندوهم من السلفيين ، إلا بعد ثلاثة أيام من قيامها ، وبعد مفاوضات بينهم وبين مدير المخابرات المصرية عمر سليمان وعقدهم صفقة سياسية معه ، وفق خطة وضعها عمر سليمان ونفذه المجلس العسكري خلال فترة حكمه تم فيها استغلال غباء الإخوان وتطلعهم المحموم للاستيلاء على السلطة ويقينهم الخاطئ أنه في حالة تسلمهم السلطة فإن أي قوة محلية لن تستطيع إزاحتهم عنها ما داموا على علاقة طيبة مع الولايات المتحدة وإسرائيل . بينما كانت غاية الصفقة هو القضاء على تنظيمهم بعد أن يفقد الشعب الثقة فيهم ويكره وجودهم وتمت الخطة بنجاح . وتم التصريح للإخوان بحزب رئيسي وأحزاب احتياطية له وكذلك بعدة أحزاب للسلفيين ، وتم تنظيم انتخابات معيبة لتمكينهم من الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان ، وقضت المحكمة الدستورية بحله بعد ذلك، كما تم فوز مرشج الإخوان في انتخابات الرئاسة ، وتولى الرئاسة بالفعل لمدة عام لم ينجز فيها شيئا سوى أصدار قرارات زادت من السخط على حكمه، إلا أن تمت الإطاحة به فيما بعد وتتم محاكمته الآن على تهم شتى وجهت اليه وإلى العديد من قيادات جماعته وعلى رأسهم المرشد العام للجماعة.

 وقامت الثورة التونسية قبلها ورئيس حزب النهضة منفي بالخارج ومعظم قيادات الحزب في السجون، وقام بالثورة في ليبيا أبناء إقليم برقة بسبب كراهيتهم لحكم القذافي وتمييز قبائل اقليم طرابلس عليهم ولم يكن لتنظيم الإخوان المسلمين في ليبيا أي وجود مؤثر فيها، واستطاعت التنظيمات السياسية التي ترفع شعارات دينية أن تركب الثورات وتستغلها وفشلت في إدارة شؤون تلك الدول فشلا ذريعا . وبعد أن ثبت فشلها تمت نكبة الإخوان في مصر ، كما تخلى حزب النهضة عن الحكومة  وسلمها لحكومة لا يشارك فيها باتفاق مع القوى المعارضة له ، ويعتبر قد قضى على مستقبله السياسي في تونس.

فوزي منصور
11 مارس 2014






Sunday, March 9, 2014

من أب المسيح في : الأناجيل والقرآن؟




تربي المسح عيسي بن مريم عليه السلام  في بيت يوسف النجار مع إخوته من يوسف النجار وزوجته مريم حتى ظنه الناس إبن يوسف النجار ومن أولاده , وذكرت الأناجيل أسماء إخوته هؤلاء: يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ.
وعندما بلغ الثلاثين من عمره أخبرته أمه ،على مايبدو، أنه ليس إبن يوسف النجار. وكان في هذا السن قد بدأ سنوات البشارة الثلاث قبل نهاية حياته، فخرج على الناس ،  وأعلن لهم أنه ليس إبن يوسف النجار فسألوه ، كما ورد في الإنجيل، ومن أبوك إذن ؟، فأجاب: أبي الذي في السماوات.ولم يقل المسيح أن أباه هو الله , ولكن تم تأويل عبارة :" أبي الذي في السموات" بأن أباه هو الله الذي في السماوات.وأيد هذا الفهم عبارات أخرى وردت في الأناجيل.

وفبل ميلاد المسيح بسبعمائة عام وردت نبوءة أشعياء في الكتاب المقدس تقول : ولكن يعطيكم السيد نفسه ، آية هذا ، العذراء تحبل وتلد إبنا وتدعو إسمه عمانوئيل.

والسائد لدي المسلمين اليوم ،خاصتهم وعامتهم معا،هو أن المسيح ليس له أب ، وأن الله خلقة بغير أب ، كما خلق الله آدم من قبل بغير أب أو أم . وذكرت قصة ولادة المسيح في سورة مريم بالقرآن الكريم ، ولا أرى خلافا فيما ورد بها عما ورد في الأناجيل حول ولادته، وإنما توضيح لما ورد في تلك الأناجيل .

وتقول السورة:
"فاتخذت من دونهم حجابا ، فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا* قالت: إني أعوذ بالرحمن منك أن كنت تقيا* قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا* قالت أنا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا؟*قال كذلك قال ربك ، هو علي هين ، ولنجعله آية للناس ورحمة منا ، وكان أمرا مقضيا* فحملته فانتبذت به مكانا قصيا* ,

ثم تذكر الآيات بعد ذلك حملها فتقول:
فجاءها المخاض إلى جذع النخلة ،قالت ، ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا*فناداها من تحتها ألا تحزني ، قد جعل ربك تحتك سريا *وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا*فكلي واشربي وقرى عينا ، فإما ترين من البشر أحدا فقولي أني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا*فأتت به قومها تحمله ، قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا*يا أخت هارون ما كان أبوك إمرأ سوئ وما كانت أمك بغيا* قأشارتاليه ، قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا* قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا*وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا*"
فهل هذا الملاك الذي هبط الى محراب مريم من السماء ، وتمثل لمريم بشرا سويا ،وعاد بعد أن التقى بها مرة أخرى إلى السماء هو : "أب المسيح "؟. والذي كان يعنيه بقوله: أبي الذي في السماوات .
وقد تجنب يوسف النجار المساس بها حتى ولدت المسيح في بيت لحم التي أخذها يوسف النجار اليها ، فقد قال متى في إنجيله:ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر ودعا إسمه يسوع"   إذا عدنا للأناجيل سنجد ما يعزز هذا الاحتمال ، ولأنه لم يخبر مريم عن إسمه ، وبالتالي لم تخبر هي ابنها عن إسمه ، فإن كل ما يعرفه الإبن عنه وأعله أنه الذي في السماوات. وسنرى الأناجيل تذكر بأن هذا الملاك واصل رعايته للمسيح طول حياته، وكان يخاطبه مخاطبة الأب لإبنه.
ففد جاء في إنجيل مرقس مثلا ما يلي: وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن ، وللوقت ، وهو صـاعد  من الماء، رأي السماوات قد انشقت ، والروح مثل حمامة نازلا عليه، وكان صوت من السماوات : أنت إبني الحبيب الذي به سررت ، وللوقت ، أخرجه الروح إلى البرية.
وجاء أيضا في إنجيل مرقس:" وكانت سحابة تظللهم ، فجاء صوت من السحابة قائلا: هذا هو إبني الحبيب، له اسمعوا ، فنظروا حولهم بغتة ، ولم يروا أحدا غير يسوع وحده معهم.
أما في إنجيل متي فقد تحدث عن الولادة على النحو التالي :
اما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا:  لما كانت مريم امه مخطوبة ليوسف قبل ان يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس.
فيوسف رجلها اذ كان بارا و لم يشأ  أن يشهرها ، أراد تخليتها سرا، و لكن فيمـــا هو متفكر في هذه الامور، اذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا : يا يوسف ابن داود لا تخف أن تاخذ مريم امراتك ،لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ، فستلد ابنا و تدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. هوذا العذراء تحبل و تلد ابنا و يدعون اسمه عمانوئيل ، الذي تفسيره : الله معنا. فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب وأخذ إمرأته ، ولم يعرفها أي لم يمسها، حتى ولدت إبنها البكر، ودعا إسمه : يسوع..
ويستمر مجيئ الملاك ليوسف النجار في منامه لكي يوجهه الى ما يعمله لحماية حياة يسوع فيذكر إنجيل متي أيضا :
و بعدما انصرفوا،  اذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا : قم و خذ الصبي و امه و اهرب الى مصر،  و كن هناك حتى اقول لك ، لأن هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه، فقام وأخذ الصبي وأمه ليلا إلى مصر.  فلما مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلا : خذ الصبي وأمه وإذهب إلى أرض أسرائيل لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي . فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء إلى أرض إسرائيل.
ويستمر ظهور الملاك في الظروف الحرحة التي يمر بها يسوع ، بل يمكن القول بأنه في سنوات البشارة الثلاث التي كان المسيح يتكلم فيها بالانجيل ، كان ينطق في الواقع بما يمليه عليه الملاك من الوحي ، وأيضا كان هذا الملاك هو الذي يزوده بالطاقة الروحية التي كانت تمكنه من علاج المرضي وإحياء الموتي أو إنقاذ من هم في سكرة الموت.
وقد عبرت الأناجيل عن هذا الملاك بالروح القدس، وهو في جميع الحالات ، وأيا كان هو ، روح مقدسة بلاريب. وأدخله أنصار المسيح من القبط بالاسكندرية ضمن أقانيم  الثالوث المقدس الذي قالوا بأنه يتكون من الآب والإبن والروج القدس ، وأخال أن الآب هنا المقصود به من يؤوب اليه الخلق والإبن هو إبن الملاك أو الروج القدس ويكتمل الثالوث في هذه الحالة بالأب الذي هو الملاك أو الروج القدس ، وللمحافظة على فكرة وحدانية الله تم تذييل هذا الثالوث بعبارة : إله واحد ، آمين.
وكان هذا هو مذهب آريوس القبطي ، الذي أمن به الكثيرون لحوالي سبعة قرون ، وبمرور الزمن ، وبعد طرد القيصر لآريوس من مجمع قينية،  وتغليب فكر بولس وأتباعه عليه ، صار الآب يعني الأب، وأنه الله ، واعتبر الإله يتكون من الأقانيم الثلاثة تلك محتمعة.
وتمثل الملائكة بالبشر ، أو ظهورهم على هيئة بشر،  نجده في القرآن حين ذكر  الملائكة الذين أرسلوا للقضاء على قوم لوط ، ومروا على النبي إبراهيم وهم في هيئة بشر ، ثم ذهبوا الى لوط ، وهم في نفس الهيئة ، كما ورد في القرآن الكريم . قال تعالى:"ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ، قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية ، إن أهلها كانوا ظالمين ، قال : إن فيها لوطا ، قالوا نحن أعلم يمن فيها ، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين.

وقال الله تعالى:" ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ، وقال: هذا يوم عصيب""وقال السدي: خرجت الملائكة من عند ابراهيم نحو قرية لوط ، فأتوها نصف النهار ، فلما بلغوا سدوم ، لقوا إبنة لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له إبنتان، اسم الكبري : ريتا، والصغرى زغرتــــا.فقالوا لها : ياجارية ، هل من منزل ؟ فقالت لهم : مكانكم ، لاتدخلوا حتي آتيكم ، فرقت عليهم من قومها، أي خافت عليهم منهم،فأتت أباها ، فقالت: ياأبتاه ، أرادك فتيان على باب المدينة ، مارأيت وجوه هي أحسن منهم قط، لايأخذهم قومك ، فيفضحوهم." 
فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فقالت: إن في بيت لوط رجالا مارأيت مثل وجوههم قط.
قال الله تعالى " ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوفوا عذابي ونذر ، ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر".
وقال الله تعالى أيضا يذكر نهاية أمرهم :"  فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد"
ونجده أيضا بالنسبة لجبريل عليه السلام حين فاجأ النبي محمد وهو في غار حراء وضمه اليه وقال له : إقرأ ، فأجابه : ما أنا بقارئ، أي لا أعرف القراءة، فأعاد ضمه اليه بقوة وقال له : إقرأ باسم رلك الذي علم بالقلم ، علم الإنسان مالم يعلم ....فتعلم النبي من يومها القراْءة ولكن لم يكن باستطاعته الكتابة حتى آخر حياته .  ونجد ذلك أيضا في قصة جبريل حين جاء للنبي وهو بين أصحابه وسأله عن الاسلام والإيمان والإحسان ، وعندما انصرف ، قال النبي لأصحابه: هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم.
كما يستطيع الجن أيضا أن يظهر في صورة بشر ، كما ورد في السيرة النبوية من أن إبليس ظهر لزعماء قريش في دار الندوة على هيئة بدوي أشيب وأشار عليهم أن يختاروا من كل قبيلة شابا فتيا ويكلفون الشباب بالتربص للنبي وقتله ليلة خروجه للهجرة إلى يثرب بحيث يتفرق دمه بين القبائل، وثمة أحاديث أخرى عن ظهور الشيطان على هيئة رجل، وقال الكثيرون من أن الجن ظهر لهم على هيئة بشر أو حيوانات .
أما أن يكون الملاك الذي تمثل لمريم بشرا سويا ، أي في أحسن صورة لبشر،هو أب المسيح فيمكن فهم ذلك إذا اعتبرنا أن ما يقره الله يتم وفق سننه وقوانينه بحيث تكون النتائج لها مسببات وفق تلك السنن.ومن سنن الله في خلقه أن تلد الأنثي نتيجة إتصال ذكر من جنسها بها يؤدي إلى حملها . ولأن الله قدر ألا يكون المسيح من أبناء رجلها يوسف النجار ، فقد أرسل لها ملاكا من لدنه ، وقد تمثل لها بشرا سويا ، أي غاية في الحسن والحمال ، لكي يتم حملها منه، ويكون حملا خاصا مباركا. والمعجزة هنا ليس في أن يولد المسيح دون أن يكون له أبا ، وإنما أن يكون أبوه ملكا من ملائكة الرحمن الذين خلقهم من نوره ، وليس من طين أو صلصال مثل البشر ، وأن يؤدي دوره مثل البشر ، والملائكة لا تأكل أو تشرب أو تتزاوج مثل البشر,
ويكون المولود منه ومن مريم ذكرا، كما أراد الله وقضت مشيئته.
وقد جاء سوء فهم المسلمين للأمر من تأويلهم قول الملاك لمريم العذراء: "كذلك قال ربك هو علي هين ، ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا".
ففهموا :" هو علي هين "، بأن المقصود هو على الله هين ، بينما قد يكون المفصود أنه على الملاك الذي أرسله إليها هين عليه.وقد يكون المقصود به أنه على الله وعلى الملاك هين.وهذا الذي قضى به الله لابد من نفاذه وهو ما يفهم من قوله لها : وكان أمرا مقضيا ، أي لا رجعة فيه ، ولابد من نفاذه منهما معا طاعة منهما للخالق، فاستسلمت مريم لأمر الله، وهذا لا يقلل من شأنها ، أو من قيمة حملها.
وقد قال تعالى عننها وعن حملها: " والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ". ويعبر هنا الله عن الملاك بلفظ روحنا مثل ماورد في الأناجيل ، والنفخ يمكن اعتباره تعبيرا مجازيا عن الحمل وبث حياة جديدة في رحمها .

وقال تعالى أيضا عن المسيح وكيفية حمل أمه :" إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فآمنوا بالله ورسوله، " ويتفق القرآن هنا في وصف حمل المسيح بالكلمة مع ما ورد في انجيل يوحنا عنه.

ويمكن فهم الكلمة هنا بأنها مشيئة الله وحكمه والروح منه أي ملك من ملائكته غير معروف اسمه ، ولو أن المسلمين يقولون بأن الروح القدس هو الملاك جبريل عليه السلام ولكن لايملكون من القرآن الكريم ما يؤيد ذلك. بينما ورد ذلك في أنجيل لوقا حيث قال :وفي الشهر السادس ، ولعل المقصود هنا الشهر السادس من حمل زوجة زكريا بابنها يوحنا المعمدان ، أرسل حبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل إسمها الناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود إسمه يوسف. وإسم العذراء مريم...فقال الملاك: لا تخاي يامريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله، وهاأنت ستحبلين وتلدين إبنا ، وتسمسنه يسوع، فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست  أعرف رحلا؟، فأجاب الملاك ، وقال لها: الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظلك، فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله، لآنه ليس شيئ غير ممكن لدى الله.

ولاندري من أين للوقا ما قال حين حدد أن الملاك هو جبريل ،لأن المسيح إكتفي بقوله : أبي الذي في السماء، ولو كان يعلم أنه جبريل لقال : أبي جبريل الملاك الذي في السماء. وجاء في القرآن أن الله أيده بروح القدس، ولكن ليس مؤكدا أن ذلك يعني جبريل.والله وحده يعلم ما المقصود بالروح القدس.  أما قوله: يدعى ابن الله فقد تكون نبوءة عن المستقبل فأتباع المسيح منذ قرون يدعونه : ابن الله. أي تحققت النبوءة,وينفي القرآن أن يكون لله ولدا فيقول : قل هو الله أحد ، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ـ ولم يكن له كفؤا أحد.
وقد وصفه الله في سورة آل عمران بأنه :وجيها في الدنيا والآخرة ، وفي سورة مريم بأنه مباركا أينما كان ، وميزه القرآن أيضا بأشياء كثيرة لعلو مكانته عند الله ، ومن ذلك قدرته على الخلق ، فقال على لسانه في سورة آل عمران:إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ،وقال في سورة النحل : أمن يخلق كمن لا يخلق،
وكذلك بمعرفة سرائر الناس، مثل قوله في أل عمران: "واُنبئكم بما تأكلون وما تدخرونه في بيوتكم، إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين." .
فضلا عن الإتيان بالمعجزات والخوارق: مثل أبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتي بإذن الله" .
وشهادته على قومه، كما جاء في سورة المائدة:"وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم، فلما توفيتني ، كنتَ انتَ الرقيب.".
وتأييده بالروح القدس: "...وآتينا عيسى بن مريم البيّنات وأيّدنه بروح القدس..." ،.وعندما مكر به قومه رفعه اليه وقال تعالى في سورة آل عمران ، إني متوفيك ورافعك إلي ...: "إني متوفيك ورافعك إليّ؛وقال في سورة النساء "بل رفّعه الله إليه.". كما جاء في كتاب الله من تكريم له قوله تعالى في سورة آل عمران:" وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة."
وأن يكون الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامه يعني أن أتباعه ليسوا من الكفرة أو المشركين، وأن منهم المؤمن الصالح الذي لا يضيع الله له أجرا مثل غيرهم من المؤمنين الصالحين، كما أن المسلمين الذين يقتضي الإيمان أن يؤمنوا بالله وملائكته ورسله وكتبه يعتبرون في اتباعهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم يتبعون أيضا المسيح عليه السلام  على النحو الذي وصفه الله به في القرآن ، ويتبعون تعاليمه التي وردت على لسانه في الأناجيل ،وليس أكثر من ذلك أو أقل.

لقد شن أتباع المسيح حروبا صليبية على المسلمين منذ عدة قرون ومازالت مستمرة ،سفكوا فيها دماء المسلمين وخربوا ديارهم ، وكان منها غزو العراق بإقرار الرئيس الأمريكي بوش بنفسه ، كما يوجد من المسلمين غلاة يحرضون على أتباع المسيح ويقتلون الأبرياء منهم ممن هم أخوة لهم وفي ذمتهم ، وما أكتبه هنا هو إدانة للطرفين معا، حتي وإن كان فيه ما يخالف معتقداتهم ، فهو اختلاف في الرأي يجب ألا يفسد للود قضية,وإذا تم الإمعان فيما كتبته ودراسته بروح سمحه سيجدونه مدعاة للتقارب أو التوافق والمحبة والسلام ، وليس لاستمرار عداوة غير مبررة وشريرة ومهلكة للطرفين معا. ولايغذي تلك العداوة اختلاف العقائد وإنما يغذيها التعصب وضيق الفكر وقلة المعرفة الصحيحة لتلك العقائد والعنصرية البغيضة أيضا.

فوزي منصور

 9أبريل 2014

Friday, March 7, 2014

من هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين : لاتجتمع أمتي على باطل، ولكن من هي أمته؟..إن أمته هي التي تتخذه إماما أوحدا لها في أمور دينها ومادامت تتبعه فهي تجتمع على الحق وليس على الباطل.والذين يتخذون من أحد الصحابة أو التابعين أو أحد فقهاء العصور الخوالي      
 إماما فهم أمة من يتبعونه وليسوا من أمة الرسول محمد عليه
الصلاة والسلام وحده ، ومن يتبعونه من هؤلاء غير النبي لا يوحى إليه وقد يؤول آيات الله في كتابه تأويلا خاطئا لأنه بشر بصيب ويخطئ وليس معصوما فكره . ولذا قد يجتمع أتباعه على غير الحق المبين.

هذا في أمور الدين ، أما في أمور الدنيا ، وهي أمور متغيرة ، فلا يتبع فيها النبي وإنما يؤخذ فيها بالرأي بعد المشورة¸وقد قال الرسول في واقعة تأبير النخل : أنتم أعلم بأمور دنياكم ، وفي غزوة بدر غير مواقع المسلمين بعد أن أشار عليه أجد المسلمين بذلك ، وفي غزوة الأحزاب حقر الخندق حول المدينة بعد أن أشار عليه سلمان الفارسي بذلك ، ولم يوح له في الحالتين ، وقال له تعالي: وشاورهم في الأمر ، والمقصود بالأمر هنا هو ما يتعلق بأمور الدنيا.وكل ماجاء في كتاب الله هو من أحكام الدين وشرعته ، وعندما تعرض القرآن لتنظيم العلاقات الزوجية أو الميراث أو التجارة أو منع الخمر وأكل الميتة والنطيحة والمتردية أو حرم الربا أو غير ذلك من أوامر ونواه يعد من أحكام الدين وإن تناول ما تنتظم به حياة المسلمين والناس عامة من غيرهم.وعندما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل الى اليمن وقال معاذ إنه سيحكم بين الناس بكتاب الله وسنة رسولة ، سأله الرسول : فإن لم تجد؟، قال معاذ أعمل بالرأي . وهو ما يعني أن كتاب الله وسنة رسوله إن كان فيهما كل ما يتعلق بأمور الدين فليس فيهما كل ما يتعلق بأمور الدنيا.وأمور الدنيا لا تحتاج أن يفتي فيها فقيه دين وإنما يتبع فيها ما يشور به الناس ويرونه في صالحهم أو يحقق النفع لهم دون أن يكون فيه ما حرمه الدين عليهم. إن إطلاق اللحية وقص الشارب ولبس الجلباب لا يمكن اعتباره إعمالا للسنة النبوية أو اتباعا لها، لأنها ليست
من أمور الدين ، وكانت ثمة ظروف اقتضتها أو أعراف سائدة قررتها.

لقد قال الله لرسوله : وإنك لعلى خلق عظيم ،فمن أراد أن يقتدي برسول الله ويتبع سنته عليه أن يسأن نفسه: هل هو على خلق عظيم مثله أم لا؟، قبل أن يربي لحيته ويرسلها على صدره .ومن يحتج بأمر من أمور الدين عليه  أن يأتي بحجته من كتاب الله ومن أفعال رسول الله المتفقه مع ماورد في كتاب الله.

 لو اتبع المسلمون هذا المنهج ما توزعوا إلى فرق وجماعات وشيع وأحزاب دينية وما كان أمرهم فرطا وقتل بعضهم بعضا.والله سبحانه وتعالى يقول : إنما أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، فتحول الأمة الواحدة التي أرادها الله إلى عشرات الأمم ، لايمكن اعتبار هذه العشرات أمة محمد عليه السلام.التي طالما كان إماما واحدا فلابد أن تكون موحدة.
وليس كل من أسلم صار من أمة الرسول وإنما أمته من آمنوا وعملوا الصالحات ، وهم الذين يخاطبهم الله في كتابه، أما من دخل الإسلام وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت إن استطاع اليه سبيلا فهو مسلم فقط ويسأل بعد ذلك عن إيمانه وعن إحسانه..

 أشياء كثيرة اتفق عليها الفقهاء أو اختلفوا واعتبروها من الدين وهي ليست منه ، واتبعهم فيها خلق كثير خلال قرون متتابعة وتحتمل البطلان، ومنها الادعاء بأن في كتاب الله آيات تنسخ آيات أخرى حتي بلغ بهم الأمر أن جعلوا الناسخ والمنسوخ من علوم الدين ومثل ذلك الني نتج عن سوء قهمهم لبعض ما ورد في  كتاب الله وتغليب المنقول عن السلف على المعقول من القول ومقتضيات اللغة والسياق والفهم الصحيح للدين وأصوله ومقاصده.
وقد هداني الله إلى فهم مخالف لما هو شائع من تفسير لبعض آيات القرآن الكريم وكان لزاما علي أن أعلن ما توصلت اليه للناس ، فوجدت منهم صدودا ورفضا ولم أجد فيهم من يناقشني ويناقش حجتي ويصوب لي الخطأ إن وجد وكان كل ما بمقدورهم أن ذلك يخالف ما وجدوه في كتب الدين وما نقل عن كبار المفسرين، ومن ذلك ما قلت إن الصلاة الوسطي هي صلة الرحم ، وليست إحدى الصلوات المفروضة ،وإن الكوثر هو مبالغة في الكثرة ،والمقصود بها كثرة الأتباع ،وليس نهرا في الجنة، وأن الواو التي بدأت بها الكثير من السور ليست بالضروة ياء القسم ، وأن "والضحي والليل إذا سجى " فإن الواو هنا للتنبيه أو النداء ،والضحى رمز للنبي عليه الصلاة والسلام ....الخ
ويدخل في أمور الدنيا تدبير معاش الناس ونظم الحكم وسياسته وتنظيم المشورة والعمل بها ، مثلما في النظم الديموقراطية ،وكل ما يتعلق بالعلم والتعمير والإنتاج والتعليم والطب والتعمير والملاحة البحرية والحوية والقوات المسلحة والأمن والقضاء....وغير ذلك.

أما أن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم ، فهو ينصب على أحكام الله في كتابه فلايأتي بشر ويصدر حكما على خلاف ما حكم الله به في كتابه ولكنه يعمل الرأي فيما لم يرد به حكم لله. وعندما يكون الحاكم مسلما فإنه يفترض فيه ألا يصدر حكما مثل قرار أو مرسوم أو قانون يخالف ما قضي به الله في كتابه، وله فيما لم يرد فيه حكم في كتاب الله أن يعمل بالرأي بعد مشورة من يعنيهم الأمر أو من اختاروه ليمثلهم عنده.وكان لفهمي هويدي ومحمد عمارة أبحاث قديمه قيمة توضح هذا المعنى قرأتها في شبابي المبكر في مجلة العربي الكويتية وهذه الأبحاث تفسر الحاكمية بغير التفسير السياسي لأصحابها، سواء أبوالأعلى المودودي أو سيد قطب

ولم يكن الأستاذ حسن البنا رحمه الله  موفقا حين اختار شعار : القرآن دستورنا وفهمه أتباعه بأنه يغني عن أن يكون للدولة دستورها، وكان الأوفق أن يقول بإن القرآن مرجعنا ، فالآستاذ حسن البنا ، خريج دار العلوم ، جمع معارفه الدينية والتنظيمة من موارد شتي ، منها التصوف حيث كان والده متصوفا، ومنها الفكر السلفي لدى الجماعات السلفية وسائدا في التعليم الأزهري ومناهج دار العلوم، وتأثر بجمعية مكارم الأخلاق وبجمعية الشبان المسلمين وكلاهما مازال باقيا حتي اليوم ، وكان محبا للأدب العربي وذواقا للشعر وضليعا في اللغة العربية، ولكنه لم يدرس العلوم السياسية ولا التاريخ السياسي للدول وكلمة "دستور " كلمة مستحدثة في العربية واستخدمها العثمانيون كقانون الحكم في محاولتهم تقليد الدول الغربية لانتشال دولتهم من ضعفها وتخلفها. والقرآن ليس كتابا في السياسة وإنما في العقيدة الدينية وهو بهذه الصفة لا يغني عن أن يكون للدولة قانونها الدستوري المنظم لحكمها وحقوق المواطنين وواجباتهم قبل الدولة.

الدجالون


عرف تاريخ العالم العديد من الدجالين ، وفي أسطورة المسيخ الدجال ، التي يؤمن بها اليهود، وانتقلت الى المسلمين ، وتوجد أحاديث نبوية تذكره أشك في صحتها وأظنها من الاسرائيليات ، تقول الأسطورة أنه في آخر الزمان يظهر في بلاد الغرب رجل كذوب يدعي أنه المسيح قد عاد إلى الأرض ، والغرب هنا يقصد به غرب العالم القديم وينطبق على أسبانيا وفرنسا والمغرب الأقصى، ويأـي هذا الرجل بعجائب تشبه ما كان يأتي به المسيح في حياته من شفاء المرضي وقيل إحياء الموتي أيضا ، فيفتتن به الناس ويتبعه خلق كثير يقودهم نحو الشرق حيث يلتقي فيه بالمسيح الحقيقي وتدور بينهما معركة في موقع بالقرب من أورشليم إسمه أرمجدون ،وينتصر في المعركة المسيح الحقيقي وأتباعه على الدجال وأتباعه ويتوج ملكا على العالم

ويقولون بأن المسيخ الدجال سيولد في فلسطين من إمرأة فلسطينية إسمها مريم مثلما ولد المسيح الحقيقي من قبل من السيدة مريم العذراء ، ولكي يتحكم اليهود في القضاء والقدر،حسب نهجهم وتفكيرهم ، فإنهم يخطقون كل مولود لفلسطينة إسمها مريم وينقلونه الى دولة في الغرب ، ويعهدون به إلى أسرة يهودية تربيه دون أن تعلمه شيئا من الدين ، وتعلمه فقط بعض الحيل السحرية وتسخير الجن فيها، ويراقبونه فإذا ظهرت له خواص غير عادية تبنوه، وإن كبر ولم يظهر عليه شيء غير عادي ، تخلت عنه الأسرة اليهودية التي ربته وتركته يد=بر أمور معيشته بنفسه. وقد قابلت رجلا في المغرب ينطبق عليه ما سبق، وأخبرتني سيدة أنها في شبابها التقت بشاب في فرنسا يعمل في السكك الحديدية مثله وعرض عليها الزواج ولم تهتم به حين أخبرها بأنه لادين له ولو أنه تربي في أسرة يهودية صارحته بأنه اختطف بعد ولادته من فلسطين وتم إيهام أمه بأنه مات حين ولادته.

ما يهمنا هنا هو إمكانية ظهور دجالين يتبعهم خلق كثير بعد أن يتمكنون من خداعهم .ومنهم من له شهرة عريضة مثل راسبوتين في روسيا ومن ادعى كل منهم بأنه المهدي المنتظر وتسبب في سفك دماء مئات الآلاف من المسلمين في عالمنا العربي ومنهم من تمكن من إقامة إمبراطورية مترامية الأطراف بعد أن هدم مدائن عامرة وأغرق بلاده في بحور الدم مثل بن تومرت مؤسس دولة الموحدين الذي هدم مدينتي أغمات ودخل بجنوده مراكش فأباد سكانها بعد أن استعصت عليه زمنا وحاصر مدينة مكناس وعندما قرر سكانها التسليم له أباحها لجنودة ينهبونها، واستعان أحد خلفائه بجيش من المرتزقة الأوروبين هاجم به مدينة تمبكتو شمال مالي الحالية فقتلوا رجال الدين المسلمين وعلقوهم على أبواب المساجد وأحرقوا مكتباتها، وجعلوا الأفارقة يكرهون الدين الإسلامي بعد أ، كانوا يقبقلون عليه يعد أن شاهدوا ما يفعله المسلمون في المسلمين مثلهم من فظائع ، رغم أن القتلة لم يكونوا من المسلمين.
ومع أن بن تومرت كان سفاحا ودجالا، نجد شوارع ومؤسسات تحمل اليوم إسمه بينما قبر يوسف بن تاشفين ، الحاكم الزاهد الورع، والذي أسس قبله دولة المرابطين لا يكاد أحد يعرف القبر المدفون به والمهمل عمدا في مدينة مراكش بالمغرب.

وإذا كان أكثر الدجالين يستخدمون الدين طلبا للسلطة والسيادة والثروة فقد شاهدنا فى زماننا دجالين يتخذون من قيم ومبادئ السياسة وغيرها وسيلة لهم لاستقطاب الأتباع وتحقيق هوى النفس ويتمكنون من خداع ملايين البشر ، ويستغلون جهلهم للتمكن من إغوائهم وخداعهم وتسخيرهم في خدمة أهدافهم ، والتي لاتختلف عن أهداف دجالي الدين ، أي السلطة والنفوذ والثروة.

وقد يكون من أهم الأسئلة التي تقرض نفسها في زماننا هو سؤال : كيف نحمي الشعوب من الدجالين؟...قد تكون الإجابة سهلة بأن حمايتهم لا تتحقق بغير تمكينهم من المعارف الصحيحة والعلمية التي يسهل إثبات صحتها والبرهنة على تلك الصحة، إلا أن الصعب هو كيف يمكن أن يتحقق ذلك عمليا؟..وقد يقول قائل : إن تحقق ذلك يقتضي إصلاح وتطويو مناهج وأساليب التعليم، وهو محق في ذلك، ولكن كيف يتحقق ذلك؟ومن الذي سيعهد إليهم بإصلاح التعليم وفي ظل أي نظام حكم ؟..لقد اطلعت في مصر على منهج أحد العلوم ووجدته قد تطور كثيرا بالمقارنة بما درسته منه قبل حوالي ستين عاما، ولكنني شككت في أن يكون قد تم تطوير المدرس الذي سيدره بحيث يسهل عليه تعليمه لتلاميذه. وتداعي في هذا الشأن ما قرأته عن تجربة دولة فنلندا حين قررت تطوير مناهج التعليم فيها وأخضعت المدرسين لديها لدورة تكوين بحيث تمكنهم من تدريس العلوم الحديثة وكل الظروف تؤكد صعوبة تحقيق مثل ذلك في مصر، إن لم نقل استحالة ذلك ، إن ظلت الأمور على ماهي عليه حاليا

قبل عدة أعوام ، دعوت شعوب دول شمال أفريقيا لتحقيق ما سميته وقتها : الحركة المجتمعية للتنمية، وكنت وقتها استبعد تماما قيام ثورات أو انتفاضات تغير الأوضاع القائمة، وأرها مستحيلة في ظل تحكم الاستبداد والفساد في الدول ، واخلال موازين القوى، وأنه في حالىة قيام تلك الثورات أو الانتفاضات التي أستبعد قيامها ، فلن يتحقق التغيير المنشود.وسافرت الى السودان قرب نهاية عام 2010 وتصادف أن التقيت بثلة من أساتذة الجامعات المهتمين بالسياسة في أم درمان ،وعرضت عليهم الفكرة ، فلم يأخذوا عليها إلا أنها ستتطلب أكثر من عشرين عاما حتي تتمكن من تحقيق التغيير المنشود ، وهم يتطلعون إلى تغيير فوري، وقلت لهم وقتها مثلا إنجليزيا ترجمته:أن يأتي الشيء متأخرا خير من أن لايأتي أبدا ولأن الإنسان خلق عجولا ، فلم يتحمسوا لتحقيق الفكرة ، ولم يبذلوا بعد ذلك أي جهد من أجلها.
وقامت ثورات في تونس ومصر وليبيا، وتابعتها، وظننت أنني كنت مخظئا عندما استبعدت احتمال قيامها، وهرب من تونس إلى السعودية رئيسها بن علي وترك السلطة في مصر محمد جسني مبارك وذهب وقتها الى قصره في شرم الشيخ قرب الحدود مع اسرائيل ، وقتل في ليبيا بعد ذلك معمر القذافي ، إلا أن حكم البلاد في الدول الثلاثة تمكن منه دجالون من جميع الأنواع ، ولم يتحقق للشعوب الثلاثة ما كانت تأمله من الثورة حتى اليوم. وظل السودان الذي انقسم الى دولتين فاشلتين، على حاله، إن لم أكن في حال أسوء مما كان عليه، ولم يتغير شيء في المغرب أو الجزائر، ونفس الشيء في دول جنوب الصحراء الكبرى.

لقد قلت حين اندلعت تلك الثورات إنه لن يتحقق منها شيء ما لم تمتلك تلك الثورات نظاما أفضل من النظام القائم ونقافة مغايرة له، ولقد استطاعت الأنظمة أن تحافظ على نفسها وأن تظل الثقافة السائدة على ماهي عليه ، ولذلك لم يحدث التأخير المنشود.