Wednesday, December 16, 2015

التفكير الاستراتيجي


التفكير الاستراتيجي


      تحتاج كل دولة الى تحقيق أهداف استراتيجية لها تعمل على تحقيقه خلال فترة زمنية تقدرها غالبا ما تكون بعيدة المدى وفي المستقبل المنظور لكي تتقدم وتحتل موقعا متميزا بين الأمم.ويتم تحديد الهدف المنشود ومخططات العمل لتحقيقه مستقبلا عن طريق التفكير الاستراتيجي . أي التفكير لتحقيق أهداف على المدى الطويل أو المتوسط الأمد.
ويتناول التفكير الاستراتيجي المجالات الحيوية الهامة التي يتم تحديد هدف لك منها تعمل الدولة إلى تحقيقه لتلبية احتياجاتها الجيواقتصادية والدفاعية بما يضمن تحسين أحوال شعبها في المستقبل وحماية وجوده وأمنه. ويستفاد في تلك الأهداف من قوله تعالي: "الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف". وهو ما بجعل التنمية الأقتصادية ذات أولوية يليها مباشرة الاحتياطات الأمنية التي يفرض كل منها ثلاثة عوامل هي : المكان والزمان والإنسان ، وثلاثتها تكون ما يمكن تسميته بالمثلث الاستراتيجي.  وتأتي السياسة المرتبطة بالجغرافيا ،أو التفكير الجيوسياسي في خدمة كل من الاقتصاد والأمن.

ويقول أكرم سالم في مقال منشور له بموقع الحوار المتمدن عن التفكير:"ان التفكير الاستراتيجي مكون معرفي يرتبط ويتبادل التأثير مع الادراك والتعلم والذكاء والوعي الاستراتيجي وما ينتج عنها من خيال وحدس وتصور استراتيجي . فضلا عن الحاجة الى تصورات استراتيجية بأعتبارها معطيات تغذي العقل الاستراتيجي وتتفاعل مع ما تختزنه الذاكرة بعيدة الأمد من خبرات وقدرات لخلق الابداع والتمثيل لسيناريوهات تكون اكثر انسجاما مع حالة تنوع المواقف الاستراتيجية التي تواجه ذلك العقل. . 
وقد عد التصور الاستراتيجي واحدا من مداخل التخطيط والمعتمد على استخدام نظام السيناريوهات ذات العلاقة المباشرة بتحليل بيئة الأعمال ، وبناء المركز التنافسي وتطوير خيار الادارة كونها مترابطة مع بعضها . ويمتد التصور الاستراتيجي ليشمل عمليات المنظمة بأعتباره يصف ما ينبغي ان تكون عليه المنظمة(الدولة) في نهاية عشرين سنة قادمة مثلا ويتلازم استخدام قائمة التصور مع الاقتدار المتميز التي تبذل به الجهود لتحديد طرق تحقيق الميزة التنافسية وتلعب دورا حيويا فيه .
 
وقد عرف التصور الاستراتيجي بانه تصور استراتيجية او مجموعة استراتيجيات المستقبل ، ويحقق ذلك امثلية استراتيجية المنظمة(الدولة) فهو يهيء تصورا عن توجه وغرض كامن في الاستراتيجيات والانشطة الاستراتيجية . واعتبر خلق تصورات استراتيجية من احدى مهام الادارة الاستراتيجية بأعتبارها نظاما مصمما لمساعدة الادارة في تقدير وصنع القرارات الاستراتيجية ، اضافة الى وضع تصورات استراتيجية
. 

أولا : التفكير الجيواقتصادي والتنمية الاقتصادية:
فإذا أخذنا التنمية الاقتصادية مثلا وفكرنا فيها في إطار المثلث الاستراتيجي سنجد أن العوامل الثلاثة السابقة تحكم تفكيرنا وتحدد اتجاهاته وبالتالي أهدافه على النحو التالي:
أـ المكان:
أهم ما يفرضه المكان هو إمكاناته الاقتصادية وما يتطلبه التوسع الانتاجي في الزراعة والصناعة وخاصة استغلال الموارد الطبيعية المتاحة ومدى كفايتها وكيفية زيادتها في حالة قصورها عن تلبية احتياجات وآفاق التنمية.ومن هذه الموارد : الماء والأرض الصالحة للزراعة والثروات المعدنية والطاقة وطبيعة الأرض وتضاريسها وإمكانية إقامة البنيات الأساسية التي يتطلبها الانتاج والنقل والإسكان وغيرها من المرافق الضرورية.
وقصور المكان عن الوفاء بتلك الاحتياجات سواء في الحاضر أو المستقبل يتطلب أفضل استثمار للموقع الجغرافي ، سواء في خدمة الاقتصاد أو في خدمة وسائل الدفاع عن المكان أيضا إذا ما تعرض لاعتداءات خارجية محتملة في المستقبل.
يتطلب الأمر هنا التوسع في المكان بما يتيح تغطية النقص المحتمل في إمكاناته مستقبلا، وتحديد أبعاد هذا التوسع. وكانت الدول القوية تسعي للاستعمار المباشر أو غير المباشر لتحقيق هذا الغرض حتي انتهاء الحرب العالمية الثانية ثم استبدلت وسائل الاستعمار القديمة بوسائل حديثة تؤدي ذات الغرض وتحقق نفس الأهداف وخاصة للحصول على المواد الأولية التي يحتاجها اقتصادها ولاتتوفر لديها.
ومن الوسائل الجديدة التي تم اللجوء إليها هي سياسة ما يعرف بالاعتماد المتبادل وقد طبقتها روسيا في المناطق التي هيمنت عليها من قبل في آسيا وأوروبا. وذلك بربط تلك الدول بعلاقات اقتصادية أو ارتباطات يصعب عليها الفكاك منها. وتأخذ سياسة الاعتماد المتبادل أشكالا شتى تحكمها الظروف والفرص المتاحة .
كما يمكن أن يتحقق الاعتماد المتبادل بين الدولة ودول الجوار على نحو أفضل وأنفع وأسلم عن طريق مايمكن تسميته بالتنمية المشتركة بين مجموعة دول يجمعها نطاق جغرافي واحد ، وهو ما يعرف سياسيا حاليا بالوحدة الاقتصادية عبر حدود الدول المتجاورة بما يحقق مصالح جميع تلك الدول في آن واحد ويسهم في تقدمها معا وبناء مستقبل مشترك لها.
هنا لاينحصر التفكير الاستراتيجي اقتصاديا في مكان الدولة وإنما فيما هو أوسع مكانيا ليشمل أمكنة متجاورة لدول مختلفة تحتفظ كل منها بكيانها السياسي المستقل.
وقد تنبه ملوك مصر زمن الأسر المالكة الفرعونية إلى أن المجال الاقتصادي لمصر لايقتصر على مساحة المملكة وإنما يضم جنوبا كل مايلي حدودها الجنوبية حتى بحيرة فيكتوريا التي يأتي منها النيل وكذلك كل ما يمكن الوصول اليه بحرا من سواحل البحر الأحمر حتى الصومال أو بلاد بونت كما كانت تسمي. ودون أن يعني ذلك السيطرة السياسية أو العسكرية على تلك المناطق الخارجة عن مساحة الدولة المصرية وإنما عن طريق علآقات اقتصادية مفيدة لمختلف الأطراف وكان الاهتمام الرئيس يرتكز على التجارة البينية.
وعندما اعتمد محمد على باشا على مستشارين أجانب يبدو أنهم درسوا جيدا التاريخ المصري القديم أشاروا عليه بتحقيق هذه الاستراتيجية فسعى الى مد نفوذ مصر في أفريقيا جنوبا حتى بحيرة فيكتوريا وأيضا على سواحل البحر الأحمر الغربية لتشمل سواحل السودان وإريتريا حتى شمال الصومال.
وبعد هزيمة محمد على التي انتهت اليها مغامرته الأسيوية في معركة نوارين البحرية واضطراره إلى الانكماش داخل حدود مصر الحالية وإن تم الاحتفاظ بالسودان وسواحل اريتريا ثم خسارتهما معا فيما بعد لم تحدد الحكومات المصرية بعده أي أهداف استراتيجية لها في المجال الجغرافي.وحاول عبد الناصر أن يستبدل الوحدة مع السودان التي كان المسبب الرئيس في انفكاكها بوحدة مع سوريا لم تصمد سوى بضع سنوات وانتهت كما فشلت كل محاولات إقامة وحدة عربية سياسية أو اقتصادية حتى الآن ومن غير المتوقع أن تنجح أي محاولات أخرى مستقبلا لعوامل كثيرة قد يكون في مقدمتها وجود إسرائيل في قلب المنطقة والتي تم زرعها خصيصا للحيلولة دون وحدة شعوب المنطقة وترى الدول الاستعمارية الأخرى بأن من مصالحها استمرار تلك الدولة في المنطقة لتقوم بدورها المرسوم لها من قبل بكفاءة تامة.
 وحاليا تعتبر الظروف مناسبة لتحقيق تنمية اقتصادية مشتركة مع دول حوض النيل وشرق أفريقيا دون أن يعني ذلك وجود عقبات كثيرة ولكن هذه العقبات يمكن التغلب عليها حين يتم دراستها وأيجاد الحلول اللازمة للتخلص منها وخاصة في الجانب الثقافي والإنساني.

بـ ـ الزمان:.
بمرور الزمن تتغير أشياء كثيرة يمكن أن تشكل كل منها عقبة في مواجهة تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة . ومنها تغير العلاقات الدولية والارتباط بالتبعية والضغوط الخارجية وغيرها فضلا عن تطور تقنيات الانتاج وما يتطلبه ذلك من استيعاب التقنيات الجديدة فيه واستثمارها لصالح الانتاج ، وهناك أيضا السياسات الاقتصادية والمالية التي فرضتها اوضاع الاقتصاد الدولي وظهور العولمة والنيوليبرالية وتضخم وهيمنة الشركات المتعدية الجنسية وضغوط الدول المالكة لها والمستفيدة منها والتي تصل الى حد شن الحروب الدولية لحماية مصالحها.
مثال للتقنية الانتاجية أنه حين فكرت مصر في عهد عبدالناصر التحول الى دولة صناعية والبدء في الصناعات الثقيلة الأساسية وفي مقدمتها صناعة الصلب، توجهت مصر نحو إنشاء مصنع للحديد والصلب لاستغلال ما لديهامن خامات للحديد شرق أسوان وفي الواحات البحرية وحاولت الحصول على مصنع حديث من شركة ديماج الألمانية إلا أن الدول الغربية مارست ضغوط على الشركة الألمانية فسحبت عرضها، واضطرت مصر الى اللجوء للأتحاد السوفييتي التي وجدها فرصة للتخلص من مصانعه ذات التقنيات القديمة سواء الخاصة بالحديد والصلب الذي يعتمد على فحم الكوك وصدرتها الى مصر في حين أن التقنية الحديثة لاستخلاص الصلب كانت تعتمد على الأفران الكهروجينية التي ينخفض فيها مصاريف الإنتاج الى النصف.
وترتب على التقدم العلمي في مجال الأليكترونيات إلى إمكانية إدارة المصانع اليكترونيا وتشغيل الآلات بأجهزة الكمبيوتر مما يحد من أجور العمالة ومصاريف الإنتاج. كما تدخلت الأجهزة الأليكترونية أيضا في تشغيل ماكينات الري المحوري في الزراعة كما صارت ذات أهمية كبرى في الإدارة والاتصالات و مجالات عديدة أخرى.
وعندما نضبت الثروات الطبيعة أو أوشكت في الولايات المتحدة الأمريكية وصارت المنتجات الصناعية الأمريكية التقليدية غير قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية ، نصح الخبراء الاستراتيجيون الأمريكيون حكومتهم بالتحول من تلك الصناعات الى صناعات جديدة إليكترونية وبيولوجية يتمتع فيها الإنتاج الأمريكي بمزايا نسبية ناتجة عن تقنيات جديدة تمتلكها وخبرة إنتاجية مع نصائح أخرى في مجال التجارة خاصة في مجالات الأدوية والورق وغيرها والعمل على احتكار الصناعات والتجارة في تلك المجالات مع فرض ضغوط على الدول الصغيرة لفتح المجالات الخدمية أمام الشركات الأمريكية المتعدية للحدود وحققت تلك السياسة الأمريكية نجاحا اقتصاديا كبيرا في هذا التوجه الجديد ، لكنه فرض قيودا على الدول التي مازالت في طور النمو. وقد شاهدنا قصف الطائرات الأمريكية لمصنع الشفاء بالسودان بحجج واهية واتهامات كاذبة لأنه كان يصنع الأدوية البيطرية التي تحتاجها الدول الأفريقية مما يحد من احتكار الشركات الأمريكية للدواء على مستوى العالم.
الحديث في هذا الشأن سيطول ولذا يتم الاكتفاء بما تم ذكره أو الإشارة اليه آنقا وننتقل الى العنصر الثالث وهو الأنسان.
جـ ـ : الإنسان.
حدد فقهاء المسلمين القدامي هدف السياسة التي وصفوها بالسياسة الشرعية بأنه : حسن تدبير معاش الناس. وهو ما يعني إن أي سياسة لدولة لاتحقق هذا الهدف تخرج عن مفهوم السياسة. وإذا بحثنا سياسة كل الدول المتقدمة في العالم سنحدها تدور حول تحقيق معيشة أفضل للسكان وتحقق ذلك بنسب مختلفة حسب القوى المسيطرة اقتصاديا وبالتالي سياسيا في الدولة. وتستهدف النظم السياسية الديموقراطية ضمان تحقيق ذلك بواسطة حكومات تمثل الشعب وتدافع عن مصالحه وتحسين أحواله وتتولي المجالس النيابية أيضا المراقبة للحكومات بواسطة ممثلي الشعب المنتخبين فيها.
وقد اهتمت كل الدول المتقدمة بالتعليم وتقديم الخدمات لشعوبها بالقدر الكافي الذي يؤهل تلك الشعوب لخدمة التنمية الاقتصادية الإنتاجية التي تزيد من ثروة الدولة وتساعدها على المحافظة على أمنها بما تنتجه من أسلحة ومعدات دفاعية وتحافظ على استقلالها وترهب عدوها فلايجرأ على مهاجمتها أو النيل منها.

ثانيا : التفكير الجيو أمني أو الدفاعي:
أ ـ المكان:
إذا نظرنا الى الخريطة المصرية سنجد أن للدولة حدودا بحرية على طول البحرين : الأبيض والآحمر طويلة وحدودا برية مع فلسطين المحتلة شرقا ومع ليبيا غربا ومع السودان جنوبا ، وكل هذه الحدود في حاجة الى دفاعات جوية وبحرية وبرية متقدمة وفقا لتقدم التسليح لدى القوى المعادية.
كما تحتاج حماية الدولة أيضا الى ما يعرف بالعمق الاستراتيجي وهو ما يعطي أهمية كبرى لدول الجوار والمتمثلة في السودان جنوبا وفي ليبيا غربا. أما في الشرق وخاصة شرق شبه جزيرة سيناء فإن وجود فلسطين المحتلة ودولة إسرائيل المحتلة لها يمثل مصدر تهديد وعازل جعرافي بين مصر وبين دول المشرق العربي.
وعندما نجد أنه في حرب 1973 مع اسرائيل وحدوث ما عرف بثغرة الدفرسوار التي مكنت الجيش الاسرائيل من احتلال الضفة الغربية لقناة السويس ما بين مدينتي الإسماعيلية شمالا والسويس جنوبا لم يخف لنجدة مصر ودعم قواتها ودفاعها سوى القوات المدرعة الجزائرية وهو ما يفيد بأن العمق الاستراتيجي المصري غربا يتجاوز ليبيا الى الجزائر. ولذا فإن فتنة كرة القدم التي أثارها مذيع مصري وشاركت فيها السلطات الحاكمة في البلدين تعتبر من مهددات الأمن القومي المصري في الأفق الاستراتيجي وتعد في خدمة القوى المعادية للبلاد وليست في صالح أي من الشعبين المصري والجزائري.
وعندما يخبرنا التاريخ أيضا بأن شبه جزيرة سيناء باعتبارها شبه خالية من السكان هي البوابة الشرقية للبلاد التي تتم مهاجمتها منها من القوى المعادية لها في أغلب الأحيان ، فإن تعمير سيناء بالسكان وتسليح هؤلاء السكان للمشاركة في الدفاع عنها إلى جانب القوات المسلحة المصرية يعد بالتأكيد في صالح الأمن القومي المصري وليس ضده. كما أن معاهدة كامب ديفيد المعيبة وما قررته من أوضاع تقسم سيناء الى مناطق منزوعة السلاح وأخرى مسموح بها بأسلحة خفيفة وثالثة هي المصرح بها بوجود قوات مسلحة بها تفرض على المفكر الاستراتيجي بأن يضع نصب عينيه تعمير سيناء بسكان مسلحين لحمايتها مع استمرار ذلك حتى لو تمكنت الدولة المصرية من تعديل تلك المعاهدة أو التخلص منها.
وعلى الرغم من أنه كلما استعادت مصر شبه جزيرة سيناء بعد احتلال إسرائيل لها كان الإعلام المصري يكثر الحديث عن تعميرها ، فإن هذا التعمير لم يتم الشروع فيه قط وكل ما تم في شمالها الغربي هو استصلاح واستزراع 300000فدان في سهل الطينة جنوب شرق بورفؤاد وتم توزيع الأراضي على نحو لايسمح بزيادة السكان المصريين فيه ، بل تحولت لمزارع لتزويد أسرائيل باحتياجاتها من الخصر والفواكه والمواد الغذائية.
وما يعرف حاليا بمشروعات محور القناة سبق تقريرها خلال حكم محمد حسني مبارك وبدأ الشروع في تنفيذها بالفعل من قبل بعض المستثمرين المصريين إلا أن الحكومة المصرية عادت وأوقفت تلك المشروعات بدون مبرر. ولقد صدق من قال في إسرائيل بأن حسني مبارك كان يمثل كنزا استراتيجيا لإسرائيل فكل سياساته الداخلية كان في خدمة الأهداف الاستراتيجية الصهيونية في المنطقة بصفة مباشرة أو غير مباشرة وسواء كان على دراية بذلك أم يجهله.
لقد كان القتال الذي نشب بين مجموعات شعبية مصرية وبين قوات الاحتلال البريطاينية في قنال السويس أوائل الخمسينيات على إثر إلغاء مصطفي النحاس باشا لمعاهدة 1936من العناصر الهامة التي ساهمت في نجاح مفاوضات جلاء هذه القوات عن مصر في عهد عبدالناصر، كما كان للمقاومة الشعبية المسلحة في بورسعيد على إثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 من عوامل عدم امتداد قوات الغزو جنوبا غرب القناة وانسحابها فيما بعد ، كما كان لمقاومة أهل السويس للغزو الاسرائيلي للمدينة عام 3 197سبب عدم استيلاء تلك القوات على المدينة. إن هذا يوضح أهمية وجود مقاومة شعبية مسلحة في المناطق الحيوية بمصر والعمل على زيادتها كما وكيفا لحمايتها وخاصة في سيناء وشرق وغرب قناة السويس.
وعندما نشهد كيف استطاعت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة من الصمود أمام محاولات إسرائيل بقواتها إعادة احتلال القطاع وتكبيدها خسائر بشرية جعلتها تطلب وقف القتال وفيما بعد التفاوض مع حكومة القطاع على هدنة طويلة الأمد ، ومقارنة الوضع في الفطاع بمثله في الضفة الغربية المحتلة ، فإن التفكير الاستراتيجي في مجال الدفاع يتطلب مساعدة القطاع على مواصلة الصمود وليس المشاركة في حصاره وتجويع سكانه لكي يثورون على حكومته لأنها تساند جماعة الإخوان المسلمين في مصر أو انبثقت عن فرع للجماعة في غزة وأن يصرح بذلك أحد قيادات المخابرات المصرية وفق ما نشرته بعض وسائل الإعلام . كما يعلن مؤخرا رسميا من أن الحكومة المصرية تأمل في عودة السلطة الفلسطينية في رام الله رغم أنها سلطة وهمية أو شكلية الى قطاع غزة وكأنها تريد بذلك عودة اسرائيل للقطاع سلما بعد أن عجزت عن احتلاله بالحرب. ولذا فإن التفكير الاستراتيجي للأمن القومي يجب ألا يخضع للصراعات السياسية المحلية ولاللأهواء ولنزعات المحبة والكراهية وإنما يعتمد على أسس علمية ومن هذه الأسس الدروس المستفادة من التاريخ المعاصر والقديم.
وأيضا المحافظة على العمق الاستراتيجي لم يكن ليسمح للتآمر على وحدة واستقرار السودان بدافع الانتقام منه لمشاركة فردين من المخابرات السودانية في محاولة فاشلة لاغتيال الرئيس المصري .

ب ـ الزمان:
بعد أن شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربا إليكترونية على العراق تعلمت باقي الدول الأخرى أن الحرب بالوسائل القتالية التقليدية أو القديمة لم تعد ذات جدوى وسعت الى امتلاك التقنيات الجديدة وكانت إسرائيل الأقدر على الحصول على التقنيات الأمريكية واقتضت مصالحها أن تسربها الى الصين . ونفس الشيء قامت به دول كبرى أخرى. ولذا فإن التفكير الاستراتيجي في مجال الدفاع الوطني أو الأمن القومي لايمكنه تجاهل هذا التطور والتغيير النوعي في وسائل القتال والدفاع وعليه أن يعد الدولة والسعي الى حمايتها وفق تلك المستجدات وألا يتمسك بالوسائل القديمة التي قلت فاعليتها وصارت محدودة في مواجهة التطورات الحديثة لمعدات ووسائل الحرب وبالتالي الدفاع.

ج ـ الإنسان:
لو ظل الجيش المصري على ماكان عليه عام 1967 لما استطاع أن يستولي على خط بارليف ويقضي على فاعليته ويحقق مكاسب عسكرية في حرب 1973 وإن كان وجود قيادة سياسية عليا مترددة وغير خبيرة في الشؤون العسكرية ، وتغلب العناصر السياسية على العسكرية لحقق الجيش المصري مكاسب هامة على الأرض ولكانت مفاوضات السلام بعد ذلك أيسر على الجانب المصري وأفضل نتائح ولما كانت معاهدة كامب ديفيد المعيبة وتداعياتها المستمرة حتى اليوم.
ولقد كان أهم تغيير شهده الجيش هو اعتماده في تكوينه على المجندين من ذوى المؤهلات العليا والمتوسطة وتدريبهم جيدا استعدادا للحرب.
وبعد معاهدة كامب ديفيد سنجد أن الجيش لم يعد حريصا على تكثيف نوعية المقاتلين وصار همه أن يزيد من عدد المجندين وليس من كفاءتهم وصار المرء يسمع عن مجند جامعي يتم تدريبه على استعمال الأسلحة الفردية لعدة أسابيع ثم توزيعه على المحافظات لاستخدامه في الحراسة الى جانب قوات الأمن التابعة للداخلية.
كما أن تطور أساليب ووسائل الحرب الحديثة تحتاج إلى تطوير التعليم وتحديثه بما ييسر وجود مقاتلين يمكنهم استخدام الوسائل والمعدات والأجهزة الحديثه سواء في تشغيلها أو صيانتها فضلا عن النهوض بالحث العلمي لتطوير تلك المعدات وتصنيعها محليا بقدر الإمكان وتطوير الاقتصاد بما يؤمن للدولة موارد مالية كثيفة تغنيها تماما عن تسول القروض الأجنبية وتحمي بذلك استقلالية أمنها وسياساتها كلها .
يتطلب أيضا المحافظة على العامل البشري القادر على حماية الدولة عدم توريط القوات المسلحة في نزاعات خارجية إرضاء للدائنين أو للضغوط الخارجية وخاصة في دول المشرق أو المغرب العربي ، ففي ذلك تشتيت للقوات التي قد تحتاجها الدولة للدفاع عن أمنها القومي المحلى لو تعرضت لغدر مفاجئ من عدو لها.

ثالثا : التفكير الجيوسياسي:
أ ـ المكان:
سبق أن أوضحت أن السياسة قوامها تدبير معاش الناس وأمنهم ، وهي بالتالي في خدمة اقتصاد الدولة والدفاع عنها ، وليست وفق هذا صراع على حيازة السلطة من أجل الاستئثار بريعها لصالح أقلية فيها دون غالبية الشعب.
ومصر تتمتع من حيث المكان بموقع فريد يتوسط العالم ووجود قناة السويس كشريان للملاحة والتجارة الدولية له أهمية كبيرة يمكنها إن استثمرت الموقع من تحقيق مكاسب مادية كبيرة.وعلى سبيل المثال فإن النهضة الصناعية التي أقامتها الصين في ساحلها الشمال الشرقي يهيء موقع قناة السويس في مصر ، سواء شرق القناة في سيناء أم غرب القناة وامتداده في محافظتي الدقهلية والشرقية لعمل نفس الشئ مع تحقيق مكاسب مادية أكبر بسبب الموقع.
وجود مصرأيضا على رأس دول حوض النيل في الشمال يعطيها مزايا استراتيجية كما بينت من قبل اقتصاديا وأمنيا ، ولذا يجب أن تتم صياغة سياستها جنوبها بما يحقق منافع متبادلة مع دول لاغنى لها عنها اقتصاديا وأمنيا. ولايمكنك أن تكسب ود دولة بما يحقق منافع لك إن لم تكن سياستك تحقق مكاسب لها أيضا ، أما إذا كانت سياستك قصيرة النظر أو تتسم بالأنانية وكل همها تصدير منتجات مخالفة للمواصفات الدولية للجودة فقد تكسب مؤقتا ولكنك الخاسر الأكبر على المدى البعيد حين يستطيع المستورد الحصول على  ما يحتاجه وبجودة أفضل وبنفس السعر.
ولقد حرصت مصر خلال حكم مبارك على الدخول في منظمات إقليمية كثيرة ، وكذلك على عقد اتقاقيات اقتصادية مع العديد من الدول الأفريقية ولم تستفد منها ما كانت تطمح اليه ومنها ما لم تستفد منه نهائيا أو كان غرمها أكثر من نفعها.
بالطبع فإن أهم الدول هي دول الجوار أو ما يمكن أن تشكل معها وحدة اقتصادية متينة تحقق المصالح والمنافع المتبادلة ، والحقيقة أن مصر وكل تلك الدول تعد حاليا في نظر المنظمات الدولية من الدول الفاشلة بسبب ما تنتهجه من سياسات محلية وإقليمية ودولية خاطئة أو غير مستنيرة ومضارها أكثر من منافعها.وكثير من هذه السياسات إن لم تكن كلها تخضع لأأهواء الحكام ومصالحهم أكثر من المصالح الاستراتيجية التي يتطلبها التفكير الاستراتيجي المبني على العلم.

ب ـ الزمان:
نحن في زمن لاتحترم فيه الدولة الضعيفة التي تمسك بذيل دولة أقوى حتي لو كانت تاريخيا معادية لها، أو تتبع سياسات عشوائية غير واعية يمصالحها الحيوية أو ذات سمعة سيئة محليا ودوليا فيما يتعلق باتباعها النهج الديموقراطي أو الحفاظ على حقوق الإنسان فيها وعدم انتهاكها ، فمثل هذه الدولة لاتحترم من الدول الأخرى ويتم التلاعب بها وخلق الأزمات لديها لتيسير هذا التلاعب وحرمانها من كل فرص التقدم، كما أن مثل تلك الدول الفاشلة وفقا للفكر الحديث غير مضمون استقرارها ودوام حالها وستظل معرضة دائما لانتفاضات وثورات محلية هوجاء تطيح بها وتنشر في أرجائها الفوضي والدمار. وانتفاضات الشعوب في شرق المتوسط وبعض دول شمال أفريقيا مثل مصر وليبيا وتونس أكبر دليل وشاهد على ذلك وإن كانت أجهزة الدولة الفاشلة قد تمكنت من السيطرة على تلك الانتفاضات وإعادة إنتاج أنظمة  الحكم قبلها مرة أخرى فإن ذلك ليس دليلا على أن كل الانتفاضات مستقبلا ستفشل ويكون لها نفس المصير ، فالمنتفضون مستقبلا سيعون الدرس وقد لايسمحون بتكرار الفشل مهما كان الثمن.

ج ـ الإنسان:
إن السياسات الخاصة بالدول التي يمكن وصفها بالأمنية أو البوليسية كل همها هو المحافظة على الحكم والامتيازات والمصالح الفردية أو الفئوية للأقلية المسيطرة على الحكم . وعوض بناء المدارس يتم بناء المزيد من السجون للخصوم السياسيين أو المعارضين للسياسات القائمة أو من يشكلون في تفكير الحكام خطرا مستقبلا على حكمهم حتى لو كان ذلك ليس أكثر من أوهام تسيطر على عقولهم. والتوجه نحو قتل وتعذيب وقمع الخصوم وتقييد الحريات وممارسة الانتهاكات يخلق المزيد من المعارضين الجدد مستقبلا والذين تحركهم الرغبة في الثأر لآبائهم أو حتى أجدادهم الذين يرون أنهم حرموا منهم بالقتل أو السجن أو تعرضوا للتعذيب لأنهم كانوا على حق في تصورهم حتى لو كان هؤلاء الذين يثأرون لهم من الضالين.
كل دول العالم الديموقراطية فيها أحزاب سياسية محدودة العدد تتصارع سلميا على الحكم في الظاهر وفي العمق على كيفية تدبير معاش المواطنين على نحو أفضل ، وهي لاتحصل على الحكم بقوة السلاح ولا بنشر المدرعات وإنما برضى المواطنين على سياساتها الا قتصادية والأمنية واستبدال حكومة بحكومة إن فقدت التأييد الشعبي.
ولم يحدث في تاريخنا المعاصر دولة أمنية استطاعت أن تقيم دولة ناجحة ولكن كلها نجحت فقط في إقامة دولا فاشلة في نظر باقي دول العالم . وإذا نحينا مصر جانبا ، سنجد ما يشهد على ذلك في دولة المخابرات بالجزائر ودولة الإقطاع في المغرب ودولة الإنقاذ في السودان ودولة القذافي في ليبيا وزين العابدين بن على في تونس وبشار الأسد في سوريا وصدام حسين ومن بعده في العراق ...الخ وينطبق عليها جميعا المثل المصري القائل : لاتعايرني ولا أعايرك فالهم طائلني وطايلك.. إذ ما ينطبق عليها ينطبق في الواقع على مصر أيضا منذ انهاء النظام الملكي حتى اليوم.
لايمكننا التنكر للحقائق ولما شاهدناه وعشناه بسبب طغيان صوت المنافقين والمنتفعين أو الخوف منهم ومن عبثهم وهطلهم.
الصراع على الحكم في كل الدول الفاشلة ليس صراعا سياسيا وإنما هو خلاف في الكثير من الأحوال على الغنائم التي يوفرها الحكم والسلطة وفسادهما للمتصارعين ، أما الصراع في السياسة يكون دائما سلمي ويستهدف مصالح كل الشعب والدولة وليس مصالح من يتقلدون السلطات وحدهم.
أكبر مساوئ هذا النوع من الصراع هو تقسيم الأمة وتفتيت وحدتها بينما أهم ما تحتاجه من أجل التقدم وتحقيق ازدهارها وأمنها هو وحدتها وتماسكها. والمشكلة هنا هو عدم التزام المتصارعين الذين ينتهجون الإرهاب سبيلا مع بعضهم البعض إن حكم فريق منهم بالسياسة وبالتفكير الاستراتيجي فيها. وعندما نجد في الدين ملل ونحل وجماعات شتي يفترض أن دينها واحد وكلها ملتزم به فإن ذلك وتداعياته يمكن إرجاعها لسوء التعليم في المدارس الحكومية والمدارس الخاصة التي تخضع لنفس المناهج ، ونفس الشيء يمكن قوله على باقي المتصارعين من أجهزة الدولة الأمنية.
إن من يقتل في مصر من العسكريين والمدنيين نتيجة هذا الصراع العبثي أو الارهابي كان يمكن تفاديه والحفاظ على وحدة الأمة المصرية ، وجميع الضحايا وما يتركونه خلفهم من أرامل وثكالى وأيتام يعد خسارة فادحة للنسيج الإنساني في مصر. ونفس الشيء يمكن قوله على انتشار مظاهر الفساد والثراء الغير مشروع والصناديق الخاصة التي أقيمت لتمويله وكذلك انتشار الأوبئة وعلى رأسها مرض الكبد وتلوث البيئة ومكوناتها من تربة ومياه وهواء بما يساعد على انتشار الأمراض المهلكة وتدهور الخدمات الصحية التي تقدمها المستشفيات فضلا عن غلاء الأدوية الخاصة بتلك الأمراض القاتلة وموت الكثيرين لعدم قدرتهم على علاجها ، كل ذلك يدمر النسيج الانساني المصري ولايجعله صالحا لتحسين أوضاع الشعب المعيشية أو حماية البلد من الأخطار المحيقة بها ومن الأزمات التي تعصف بها
التفكير الاستراتيجي في السياسات الرشيدة يجب أن يتناول ضمن أولوياته ما يعرف عالميا حاليا بالتنمية الانسانية والذي تم تزييفها في مصر بظهور ما يسمى بالتدريب على التنمية البشرية وهو ليس أكثر من دجل يرتدي ثوبا علميا زائفا.
بعد انتهاء الحرب الكورية أمسك العسكريون في كوريا الجنوبية بالحكم لاللبقاء فيه أو السيطرة عليه وإنما لإعادة بناء الدولة وفق النموذج الياباني وإقامة الديموقراطية فيه والتي سلموها زمام الحكم فصارت كوريا الجنوبية اليوم في طليعة الدول الرأسمالية. وبعد انتهاء الحرب الأهلية التي قادها الملكيون بزعامة فرانكو، قام فرانكو بإعادة النظام الملكي ضمن حكم ديموقراطي يملك فيه الملك ولايحكم وازدهرت الأوضاع في أسبانيا إلى أن حاقت بها الأزمة المالية الأخيرة نتيجة عدم ضبط الحكومة لسياستها الاقتصادية ومواصلة إقامة المشروعات السياحية رغم تشبع السوق بها وهو ما حدث مثله وعلى نحو أفدح أثرا في اليونان.
ليس مهما أن يحكم البلد رجل ذو خلفية عسكرية أو مدنية أو حتى رجل يغلب الدين على ثقافته ولكن المهم أن يعرف الحاكم على نحوجيد وأيا كانت خلفيته كيف يحدد الأهداف الاستراتيجية للبلد التي يكفل تحقيقها ازدهار وأمن الدولة حكومة وشعبا.
إن هذا هو ما يمكنني قوله بمناسبة ذكرى اليوم الذي ولدت فيه عام 1937 وأيضا ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان . ولست معارضا أومناهضا لأية حكومة ويمكن اعتبار كل ما سبق وصية مودع بلغ من العمر ما جعله يضيق به ويتمني أن يقدر الله نهايته في أقرب الآجال.
فوزي منصور
 2015-12-12












No comments: