Sunday, December 27, 2015

الحب بين التجمد والغليان




أشبه الحب هنا بالماء الصافي النقي الذي يصل في الحرارة الى درجة الغليان وفي البرودة الى درجة الصفر ودونها يتجمد وتزداد درجة برودته في حالة تجمده ، وهو في الحالتين ، حالة الحرارة الشديدة حتى إن لم تصل الى الغليان ودرجة البرودة الشديدة وإن لم تصل الى حالة التجمد غير صالح للشاربين.

كما أن الماء الملوث أو الذي علقت به شوائب أفسدته  ويفقد النقاء والصفاء لايصلح أيضا للشرب ، وهكذا الحب أيضا إن تلوث أو علقت به شوائب فأفسدته يكون ضرره أكثر من نفعه.

الوسطية هنا سواء في الماء أو الحب هي وسطية  من جنس واحد أو في الجنس الواحد وليست وسطا بين نقيضين وفق الفهم الشائع لها ، أي أنها ليست وسطا بين الحب والكراهية ، وإنما تكون إما في الحب وإما في الكراهية.

الحب والكراهية يندرجان في أهواء النفس ومن الأهواء ما هو كريم معدنه مثل الحب وما هو خبيث معدنه مثل الكراهية وما يلحق بها من حقد وضغينه ورغبة في الانتقام والتشفي .ويمكن أيضا أن نعتبر الحب من صفات الأتقياء والكراهية من صفات أهل الفجور، وأن النفس الزكية هي النفس التي تلتزم بالحب وتبتعد عن الكراهية. والنفس : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها.

وإن اعتبرنا الحب معدنا نفيسا ، فإن المعادن النفيسة قد يفسدها الغش والزيف ويمكن لبائع أو صائغ لاضمير له أن يأتي بمعدن غير نفيس ويطليه بماء الذهب ويبعه لك على أنه من الذهب الخالص ولاينبئك في هذه الحالة عن حقيقته مثل خبير بالذهب.

والحب سواء شبهناه بالماء النقي الصافي الصالح للشرب أو شبهناه بالمعادن النفيسة يعد أيضا في مقدمة مكارم الأخلاق ولاعلاقة له بمساوئها. وحديثنا عن الحب هنا يتناول الحب بصفة عامة كقيمة أخلاقية ولاينحصر في الحب بين الرجل والمرأة فقط وإنما يمتد للحب بين المخلوق وخالقة وبينه وبين كافة المخلوقات وإلى حب الخير والحق والجمال. بينما الحب بين الرجل والمرأة فهو حب من نوع خاص وإن تفرع عن الحب بمعناه العام ، أو بصفته قيمة مطلقة.

الحب درجات
وعندما نقول : الحب بين التجمد والغليان ، فإن هذا يعني أن الحب درجات تزيد في تصاعد أو تقل وتتدني حتي ينتهي الحب في درجة الصفر ، أي يتلاشي.  وحين يتلاشي يجب ألا ينقلب الى ضده ، أي الى الكراهية. وإنما يتوقف الحب ويتجمد فيهمله المحب بعد أن لم يعد يعني المحبوب له شيئا ، ولايهتم بحضوره أو غيابه أو بحديثه أو صمته، وقد يلتقي به ولكنه لايعيره اهتماما ، ولايجادله في حق أو باطل ، ولايتعترف بوجوده ، ولايأسي لغيابه ، ولكنه أيضا لايكرهه أو ينفر منه أو يسيئ اليه بلفظ أو حركة. لأننا إذا ما اعتبرنا الحب من مكارم الأخلاق والكراهية من مساوئها،وجب أن تظل تلك المكارم مسيطرة على صاحبها سواء أحب أو توقف عن الحب لشخص أو شيئ ما..

وإذا قلنا أن الحب يكون لله أو للقيم ومكارم الأخلاق أو للوالدين أو الأبناء أو ذي القربي أو الأصدقاء ووجدناه يختلف بين هذا وذاك ، فالحب في جميع الحالات واحد وإنما درجته أو خصوصياته هي التي فيها أو بسببها يحدث الاختلاف أو التصنيف.

والبيئة الاجتماعية التي ينتشر فيها الحب هي وحدها التي يعم فيها السلام والأمان، وتقل فيها الصراعات التي تتسم بالعنف و الدموية. وكلما زادت درجات الحب في المجتمع وكثرت كلما استطاع المجتمع أن يرتقي ويتقدم ويسخر جهوده وطاقته لتحصيل العلم والاهتمام بالعمل البناء . وحين تسود الكراهية وتطغى على الحب كلما تدهورت أوضاع المجتمع وتخلف عن باقي المجتمعات وساءت أحوال أفراده وجماعاته.

الدين مصدر الحب :
من الصفات التي تلازم من امتلآ قلبه بنور المحبة : الرحمة والرأفة والشفقة على كل ذي روح سواء كان إنسانا أو حيوانا دون تفرقة بين كل جنس أو لون أو دين ومن هنا جاء قول البعض بأن الحب لادين له ويقصدون بأن المحب لبني الإنسان لايفرق في حبه لهم على أساس دينهم ، والقول خاطئ وإن كان المقصد سليما ، فكيف يكون الحب لادين له وكل الأديان تحث عليه وعلى الصفات اىلمرتبطة به مثل الرحمة والرأفة والشفقة  ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا دخل الجنة لأنه آثر على نفسه كلبا ظمئا وأن أمرأة دخلت النار في قطة حبستها فلاهي أطعمتها ولاتركتها تأكل من خشاش الآرض؟. بل إن المؤمن يزداد بالحب إيمانا ، والمسلم كما قال الرسول عنه : من سلم المسلمون من لسانه ويده ومثل هذا المسلم إن امتلأ قلبه بالمحبة يسلم كل الخلق من لسانه ويده ولايبدر منه عدوان عليهم إلا لرد عدوانهم عليه أو منعهم من الاعتداء عليه.
وقد ذكر حب الناس لله وحب الله لهم مرات عديدة في القرآن الكريم. ومن تلك الأيات التي ذكر فيها ذلك قوله تعالى : "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله " (البقرة 105) وقوله تعالى:" ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، ،أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين"(المائدة 54) وقوله : " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله"(آل عمران 31) وقوله : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا"(مريم 96).
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المتحابين في الله تعالى لترى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالغ الشرقي أو الغربي ، فيقال : من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله عز وجل".
ويرى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحب بين المؤمنين يكون حبا في الله ، أي طلبا لرحمته فيقول في حديث له نقله أبوداود:"من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان"...
ومما قاله صلى الله عليه وسلم عن إئتلاف النفوس بالحب قوله: " الأرواح جنود مجندة ، ما تعارف منها إئتلف، وما تناكر منها اختلف"، أي أن كل نفس تحب من ترتاح اليه بعد التعرف عليه وأما إن وجدت النفس بعد التعارف على نفس أخرى اختلفت معها ، أي سارت في طريق غير التى تسير فيها ، وسنلاحظ أنه لم يقل كرهتها أو أبغضتها .
ويقول يسوع المسيح عليه السلام للحواريين :" من خلال كل هذا أعلم أنكم تلآميذي ، إذا كان لديك حب بعضكم بعضا" (يوحنا 13:35) أي أنني أعرف أنكم استوعبتم ماعلمتكم إياه حين أراكم يحب بعضكم بعضا.
ويرتبط الحب بطاعة الله وتحل محله البغضاء والكراهية حين يتم معصية الله ونسيان ماأمر به ونهى عنه ، ويستنبط هذا من قوله تعالى :"فنسوا ما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"(سورة المائدة 14).

ويقول محمد راتب النابلسي:"الحب أصل من أصول الدين ، وسمة بارزة من سمات المؤمن، لأن هذا الكون بني على المحبوبية ، لوأراد الله أن نطيعه فقط لأجبرنا على طاعته، لكنه أراد قلوبنا ، أراد محبتنا ، أراد مبادرتنا وسعينا الى مرضاته ...
ويقول أيضا" الحب في الله أن تحب إنسانا من دون منفعة ولاشهوة ولاقرابة ولاخدمة أداها لك ، تحبه لله.
ويؤيد ذلك ما رواه مالك بن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لايحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود الى الكفر كما يكره أن يقذف في النار." وقال
صلى الله عليه وسلم :"والذي نفسي بيده لاتدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولاتؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم :إفشوا السلام بينكم"
وفي مقال سابق لي كتبت ما يلي:
الله محبة:
هذه المقولة : "الله محبة " مأثورة عن السيد المسيح عليه السلام ، وهو مثل كل الأنبياء والمرسلين لاينطق عن الهوى ، وإنما هو وحي يوحي، يعزز سلطة العقل على شهوات ونزعات الجسد. والحب إذن نعمة من نعم الله على الإنسان بما فيه الحب بين الرجل والمرأة الذي ليس فيه معصية للخالق ، وإنما هو امتداد لحبهما له، وأيضا محبة مخلوقات الله وما يتضمنه من إشفاق وكرم ووفاء ونبل وإيثار وإحسان ، وكل هذه من صفات النفس الطيبة الزكية المتعلقة بمحبة الله. ولذا قال السيد المسيح : من لم يحب لم يعرف الله لأن الله محبة.وقال أيضا في إنجيل يوحنا : ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا ،مالله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه.

ولاتمنع محبة الله محبة الزوجة لزوجها أو من ترغب في الزواج به أو محبة الزوج لزوجته أو من يرغب في الزواج بها ،لأن كل محبة يرضى الله عنها مستمدة من محبة الله. ولايقلل من هذه المحبة اشتمالها على الرغبة المتبادلة في أرواء الشهوة الجسدية. ويظل كل ذلك ضمن صفات النفس الطيبة الزكية ، وضمن الصحة النفسية والعقلية . وشدة الرغبة أو إرواء الشهوة في هذه الحالة لايندرج ضمن العشق والغرام مهما اشتد طالما يظل العقل هو السيد للشهوة وليس العبد الفاقد حريته وحكمته وفطنته بسبب تغلبها عليه وتحكمها فيه.

العشق الإلاهي:
وقد وصف المتصوفة شدة حبهم لله بالعشق الإلهي، وهذا العشق الإلهي مختلف عن الغرام ، ولايفقدون فيه العقل ، بل يرون إن عقولهم تتسامى وتتطلع الى السدة الإلهية في الأعالي ، وتستمد منها الإلهام والعلم والفهم أكثر من أي مصدر آخر. ولاأجد في نهجهم ما يلامون عليه. وأرى أنه كلما زادت محبة النفس لله كلما تزكت النفس وطابت وصلح أمرها ، وكلما استردت النفس والعقل معها حريتهما وتغلبا على سجن الجسد لهما أو تأثيره عليهما ، وكان ذلك لصالح النفخة الإلهية من روح الله حين خلق الإنسان أول مرة وكرمه على العالمين، أما غير ذلك من تغليب الجسد وشهواته على العقل فإنه يعتبر بمثابة دس للنفس وإفساد لها، ولايمكن للنفس في هذه الحالة الأخيرة أن يتم اعتبارها غير معتلة.
ويعرف الإمام الغزالي العشق الإلهي لدى المتصوفة فيقول : "فاعلم أن مَن عَرَف الله أحبَّه لا محالة، ومَن تأكدت معرفته تأكدت محبته بقدر تأكد معرفته، والمحبة إذا تأكدت سُميت عشقًا، فلا معنى للعشق إلا محبة مؤكدة مفرطة:.

ومن أقوال المتصوفة المشهورة والتي تم التغني بها قولهم:

أحبك حبين حب الهوى 

وحب لانك اهل لذاكا

فاما الذى هو حب الهوى 

فشغلى بذكرك عما سواكا

واما الذى أنت أهل له 

فكشف لى الحجب حتى أراكا

فلا الحمد فى ذا ولا ذاك لى 

ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا.

الحب بين الرجل والمرأة

وفي نفس المقال السابق كتبت:
والحب بغرض الزواج هو ميل أو مودة تنشأ بين رجل وامرأة لاتشوبه خطيئة أو انتهاك حرمة قبل إتمام الزواج. وهو حب لاحيلة للمحبين فيه ، ولاغبار عليه، أو ملامة فيه.وروي عن ابن عباس قوله: "إن رجلاً جاء الى رسول الله وقال: "يا رسول الله في حجري يتيمة قد خطبها رجل موسر ورجل معدم، فنحن نحب الموسر وهي تحب المعدم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نر للمتحابين غير النكاح" وهو بهذا لم ينكر عليهما الحب وإنما جعله مقدمة واجبة أو مسوغ للزواج.وقد قال تعالى في سورة الأعراف: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا" ولايسكن الرجل الى زوجة مالم يكن يحبها ولاإمرأة الى زوجها مالم تكن محبة له. وقال تعالى في سورة الروم : " ومن آياته أن خلق من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكما مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون". والمودة هي المحبة والرحمة تدفع إلى حسن المعاملة والتي هي من تداعيات المحبة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف".ومصرح للفتاة غير المتزوجه أن تتزين ليكون لها وقع حسن لدى الخطاب فيتزوج بها من يميل اليها قلبه . وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله" لوكان أسامة جويرية لزينتها حتى أنفقها ، أي حتى أزوجها.

التوازن في الحب:
إذا كنت قد أشرت الى الوسطية في الحب بين التجمد والغليان فإن هذه الوسطية تخضع لتوازنات ضرورية لكي تحافظ على أن يظل الحب صحيا وصافيا ونقيا وخاليا من أي شوائب تفسده وتجعله ضارا للمحبين أيا كانوا. وأهم تلك التوازنات هي التوازن بين الحب كهوى من أهواء النفس والعقل كحاكم على النفس ومرشد لها ومقوم لأهوائها ونزعاتها وحافظ لمتطلباتها.ومن تلك المتطلبات ما اصطلح علي تسميته الأصوليون في الدين بمقاصد الشريعة الكلية والتي حددوها في خمس : حفظ النفس ، حفظ العقل ، حفظ الدين ، حفظ العرض، حفظ المال. وتتفرع تلك المقاصد الكلية إلى مقاصد فرعية ترتبط بها ، وكنت قد كتبت من قبل أن حفظ الأمانة هي أم تلك المقاصد الكلية ، أو أن تلك المقاصد الكلية تتفرع عنها.باعتبار أن تلك المقاصد الكلية هي في حد ذاتها أمانات إئتمن الخالق الإنسان عليها وعلى الأمانات حفظ تلك الأمانات وعدم التفريط فيها أو العبث بها.

وأكثر ما يحرص عليه المحب هو حب حبيبه وعلاقته الروحية به ، وسواء كان حبيبه هو الله جل وعلا أو أحد مخلوقاته أو آياته في الأرض وفي الكون أو فيما أنزله من كتب على الأنبياء والمرسلين .

ومن التوازنات أيضا المحافظة على حقوق من تحبه بنفس القدر الدي تحافظ فيه على حقوقك ، وحقوق الإنسان مبينة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومن أهم تلك الحقوق : الحرية والعزة والكرامة . ولذا يتميز الحب الصحي بمحافظة كل من الحبيبين على حقوق من يحبه جميعها بصدق وأمانة مشوبان بالكرم والعطاء.

أنعم الله عليكم جميعا بنعمة الحب

فوزي منصور