Sunday, May 4, 2014

حول المكر والكيد والخداع في السياسة والحياة





قد يكون للعمل المحسوب على بعض أنواع الفجور وجهان:
المكر والكيد والخداع والكذب والنفاق والمداهنة والتحايل والدجل والتضليل والشعوذة ...كلها صفات ذميمة لمن يتخلق بها ، وهي من صنف واحد ، إذ تعد من أعمال السوء والفجور والخبث والشر.ولكنها ليست مترادفات في المعني، فليس في اللغة مترادفات ، وإنما كل لفظ يؤدي معني محدد ، يصف فيها حالة ما.

وكل هذه الصفات الذميمة  نهى عنها الله ورسوله . وتوعد الله أصحابها بالعقاب والعذاب وسوء المآب. ورغم أنها كذلك ، فسنجد أن الكثير منها أجيز استعماله للمؤمنين في حالة الحرب. وقيل "إن الحرب خدعة"، فكيف يحق للمؤمنين وهم أهل التقوي استعمال تلك الأساليب المذمومة؟ ونجد أيضا في القرآن الكريم قوله تعالى : "يمكرون ويمكر الله بهم ، والله خير الماكرين" ، ونجد أيضا : "يكيدون كيدا ، وأكيد كيدا ، فمهل الكافرين ، أمهلهم رويدا".
فما معني أن الله يمكر بالماكرين ، ويكيد للكائدين كيدا؟..إن مكر الله وكيده هنا هو بمثابة إظهار قوته وقدرته ومعاملة الماكرين والكائدين بكيد لهم ومكر بهم من جنس فعلهم  لايستطيعون له صدا ولاردا ولا منجاة لهم مما يصيبهم ويعتبر من قبيل القصاص منهم ،وهو لذلك يعد من أعمال الخير وليس شرا، . ولذا يصف الله  نفسه بأنه "خير الماكرين" ومكره هنا مثل القصاص في الجرح ومن  القتل الذي أحله ،  ويسقي الكافرين والمنافقين من نفس السم الذي سقوه لعباده ، قصاصا لهم منهم ..

والحرب في الدين والتي قد تتطلب الخداع والكيد لا تكون بين فئتين من المؤمنين وإنما تكون بين المؤمنين ومن يعادونهم من أهل الكفر . والمؤمنون باستعمال الخديعة والكيد إنما يعاملون أعداءهم بالمثل لكي تكون لهم الغلبة عليهم. والله يكون هنا مع المؤمنين ويدافع عنهم ويدعمهم ويناصرهم وينصرهم على عدوهم. أما إذا نشبت في فتنة بين طائفتين من المؤمنين وجب العمل على إصلاح ما بينهما، وعدم الانضمام لأي منهما ضد الأخرى الا إذا رفضت إحداهما الإصلاح وأصرت على البغي والعدوان.

 يمكن فهم ذلك أيضا من بعض الأمثلة التي يمكن للفعل الواحد أن يكون  في حالة له أن  من الآثام والمحرمات و السوء والفجور ، وفي حالة أخرى يعد من أعمال البر والتقوى
والإحسان ومن الأعمال الصالحات والتي يثاب علىها  العبد من ربه. من ذلك مثلا أن تحرش رجل بامرأة لا تحل له ، أو تحرش امرأة برجل  لا يحل لها، يعد عملا من أعمال الفسوق والفجور ، بينما لو أتي نفس الفعل زوج مع زوجته، أو زوجة مع زوجها، لكان ذلك لا غبار عليه ، بل محبذ ومطلوب. ونفس الشيء إذا مس رجل امرأة غريبة لا تحل له، كان ذلك زنا ومن الفحش والفجور وكبائر الآثام ، بينما إذا مس زوجته أحتسب  ذلك من التقوى ومن الصالحات التي يثاب عليها، مثلما ورد في حديث للنبي محمد صلى الله عليه وسلم . بل إذا هجر الرجل زوجته ، أو هجرت الزوجة زوجها ، كان ذلك الهجر بالنسبة للهاجر إثما يعاقب عليه. والفعل في هذه الحالة وتلك ، واحد في شكله ، ولكنه مختلف في مضمونه وسياقه وجوهره. ونفس الشيئ بالنسبة للقتل ، فقد حرم الله قتل النفس بغير حق، وإذا التقى المسلمان بسييفهما فالقاتل والمقتول في النار، ولا يمكن أن يعتبر أي منهما إذا ما قتل : شهيدا. ويختلف الأمر إذا كان القتل قصاصا من القاتل من أهل من قتل ، أو من الحاكم نيابة عنهم، فهو يعد إذعانا لما أمر به الله وبالتالي من أعمال التقوى.

وفي ذات الوقت فإن المكر والغش والنصب والاحتيال والخداع في الحكم والسياسة ليس لهم سوى وجه واحد وهو الفسوق والفجور والسوء وخيانة الأمانة والعقد الاجتماعي مع الشعب ، حيث  تحتمل السياسة الحسنة و الرشيدة تلك الخصال السيئة والمنافية للدين ومكارم الإخلاق. ولا يمكنها الاستعانة بها في عمل خير أو بر وإحسان. ونفس الشيء حين يتم استعمالهم في الحياة العامة بقصد أكل أموال الناس بالباطل ، أو إلحاق الضرر بالغير.
وقد أجاز بعض الفقهاء الكذب في حالات معينة منها إصلاح البين بين الزوجين ولكنني لا أوافقهم فيما ذهبوا إليه، فلايجوز الكذب بدعوى الإصلاح لأنه يفقد صاحبه مصداقياته وعندما يحله في أمر حسن فقد يلجأ اليه في غير ذلك إن اعتاد عليه.

هل المحتال أذكي ممن يحتال عليه؟
الشائع لدينا أنه إذا تعرض إمرؤ للنصب عليه وذهب ليشكو من نصب عليه ، يقال له : "إن القانون لا يحمي المغفلين". وهو ما يفهم منه أن ضحية النصب يعد من المغفلين، إلا أنه ليس كل غافل بالضرورة غبي ، فثمة فرق  بين الغفلة والغباء، فعكس الغفلة هو الفطنة وليس الذكاء ، وقد يكون الذكاء حاضرا لدى شخص الذي تم النصب عليه  بينما الفطنة غائبة عنه لسبب ما ، ومن أسباب غياب فطنة الذكي التي تيسر خداعه :حسن الثقة  بالناس فالرجل الطيب يظن كل الناس مثله، أو يأتيه رجل من أقاربه ومن ذوي رحمه طالبا مساعدته ، فتدفعه الشهامة لذلك ويستبعد السوء عن قريبه ، بينما قريبه هذا يزمع استغلاله ولا يهمه غير نفسه أو أن يكون تحت تأثير حالة نفسية من حالات القلق أو الاكتئاب تحجب الرؤية الصحيحة عنه مهما بلغ ذكاءه ، وليس على المريض حرج  ، فيتم الاحتيال عليه ممن قد يكون أقل منه ذكاء.

ومن الطبيعي أن النصاب يستهدف غالبا الأغبياء لأن النصب عليهم أيسر منالا ، ولكنه قد يستهدف بمكره وحيلته من هو أكثر منه علما وذكاء لكي يشعر بأنه تفوق عليه ، وغلبه ، وأثبت أنه أذكي منه .فإن نجحت عملية النصب ، فإن ذلك لا يكون نتيجة قلة ذكاء الضحية وإنما نتيجة غفلة عارضة ألمت به ، غاب عنه فيها الحذر، ولم يكن العقل فيها متفتحا وصحوا. وقد وصف المؤمن بأنه كيس فطن ، أي يتصرف بروية وحكمة وفطنة، لأن المؤمن المعتمد على الله والذي اطمئن قلبه بذكر الله ، لا تصاب نفسه بعوارضها وأمراضها، فلا تغيب فطنته الا في حالات قدرها الله عليه لكي يمتحن صبره وحلمه وصدق إيمانه ، والله ينتقم له بعد ذلك، ويعاقب من احتال أو نصب أو كذب عليه أو خدعه وأضر به.
ويقول المتنبي :
إن أنت أكرمت الكريم ملكته  ، وإذا أنت أكرمت اللئيم تمردا
والكرم لا يكون إلا من الكرماء، وقد تغيب فطنة الكريم فيكرم اللئيم وهو غير فطن للؤمة ، ولا يتبين له لؤمة إلا بعد أن يظهر رد فعله لإكرامه له.

نقص المعرفة لدى الضحايا من أهم ما يسقطهم في شباك النصابين:
وليس الغباء ومرض النفس فقط ما يمكنان  المحتال والنصاب من خداع ضحاياه ، ولكن جهل الضحايا أيضا ونقص مالديهم من معرفة وعلم  يعد سببا هاما يحول بينهم وبين الكياسة والفطنة اللتان يحصنانهم من الوقوع في أحابيل النصابين والمحتالين والدجالين .

وفي علم الاجتماع والسياسة نجد ذكر للكاريزما التي قد تكون لدي فرد ما فتؤهلة للقيادة ويسحر الناس بكلامه ودعاويه وأكاذيبه وخداعه. هذه الكاريزما لا تعمل عملها الا مع الجهلة الذين تنقصهم المعرفة والمعلومات والخبرة،  و انعدم لديهم الوعي أو تم تزييف وعيهم ، أي تم تضليله ، وتغيب الفطنة لديهم نتيجة ذلك فيكونون عرضة للخداع والتضليل. وكم من حكام حكموا شعوبا تتكون من ملايين الأنفس وهؤلاء الحكام بدون علم أو ثقافة أو فكر أو ذكاء ، ولكن شعوبهم في وافع الأمر ليسوا أحسن منهم حالا في ذلك، ومن هنا تأتي مقولة : "مثلما تكونون يولى عليكم"، فالشعب الحسن التعليم والثقافة والمالك للوعي الصحيح، يكون فطنا وكيسا ولايقبل أن يحكمه هؤلاء مهما تسلحوا بقوى مادية أو معنوية مساندة لهم.وترجح كفتهم ، ولو مؤقتا، في ميزان القوى.
إن قوام السياسة وهدفها هو : حسن تدبير معاش الناس، وعندما يختار الشعب حاكما له دون أن يتأكد من قدرته على حسن تدبير معاشه، وفشل فيما بعد الحاكم في ذلك ، فيجب على الشعب ألا يلوم غير نفسه، وتسري عليه وقتها عبارة : إن القانون لا يحمي المغفلين.

وما كنا نراه من جماهير تملأ الشوارع وهي تهتف لمستغلها والمستبد بها : بالروح والدم نفديك يازعيم، ليست غير دليل قوى على أن هذه الجماهير الغفيرة فاقدة لوعيها ، وغائب عنها الفطنة والكياسة..والكثير من الحكام ، بمن فيهم من كانت له شعبية طاغية ، وله حسنات تحسب له وسيئات تؤخذ عليه كانوا في الواقع بلاعلم أو ثقافة أو فكر ، وأضروا شعوبهم أكثر من نفعهم لها، ويدل على ذلك ليس ما تحقق من معلومات صحيحة عنهم فقط ، وإنما من سوء ما اتبعوه من سياسات وما أفرزه السيئ منها من نتائج وخيمة طويلة المدى. ولقد كنت مخدوعا في واحد يعد من أبرزهم في مطلع شبابي حتى أتيح لي بالصدفة أن أدخل مكتبة استراحة مخصصة له، فإذا كل ما تحتويه قصص بوليسية من انتاج أجاتا كريستي وغيرها، ولايوجد فيها أي كتاب في السياسة أو العلاقات الدولية أو الاقتصاد والتنمية أو التنظيم والإدارة ،أو اي من العلوم الانسانية التي يفترض أن يكون الحاكم لديه ولو بعض الاهتمام بالاطلاع عليها والاستفادة منها ، ثم جاءت بعد ذلك شهادة أحد من لازموه وشاركوه الحكم لكي تؤكد عدم اهتمامه بالثقافة وإذا استعان بمثقف فلكي يكون في خدمته فقط.
 وأيضا موقفه ممن حاول نصحه فأزعجه وأغضيه النصح وأمر بطرده..أدركت وقتها، وإن بعد حين ، أنه لو لم يكن أغلبية الشعب من الأميين وأشباه الأميين ممن لا وعي ولا علم لهم ولا رأي سليم ، ما انخدعوا فيه،  ولما هتفوا له، أو أمكنه الاستقرار في حكمه لهم ، وإن  أن هذا لم يمنع بعض حسناته ، التي هي أفضل ممن جاؤا بعده وليس لهم مثلها ، بل لم يتركوا خلفهم حسنات لهم ذات قيمة ، وإنما ابتليت الدولة بالفقر والتخلف والأزمات والمصائب ،وانتشر فيها الفساد والجرائم ، وسقطت في التبعية والمهانة. وصارت أكثر من ذلك عاجزة عن حماية أمنها واستقرارها وضمان سلامتها ووجودها في عداد الدول الناجحة أو القوية التي لها احترام ومهابة على المدى البعيد .

كيف تتحقق  للشعب حصانة من الدجالين :
لقد كتبت قبل فترة مقالا عنوانه : "الدجالون" ونشرته في مدونتي، وكنت أعني من يمارسون الدجل في الدين أو السياسة على جماهير شعبهم ويخدعونهم لكي يتمكنون من التسلط عليهم واستغلالهم في تحقيق طموحاتهم الذاتية، وليس من دوافعهم مصالح تلك الجماهير أو تحقيق الخير لهم. وقلت فيه : وإذا كان أكثر الدجالين يستخدمون الدين طلبا للسلطة والسيادة والثروة فقد شاهدنا فى زماننا دجالين يتخذون من قيم ومبادئ السياسة وغيرها وسيلة لهم لاستقطاب الأتباع وتحقيق هوى النفس ويتمكنون من خداع ملايين البشر ، ويستغلون جهلهم للتمكن من إغوائهم وخداعهم وتسخيرهم في خدمة أهدافهم ، والتي لاتختلف عن أهداف دجالي الدين ، أي السلطة والنفوذ والثروة.

والمشكلة في هذه الحالة ليست في الدجال وحده وإنما في هؤلاء الذين ينخدعون فيه ويتمكن منهم ، ويسلبهم عقولهم ، وبفتنهم بمكره وخداعه. وسيظل الشعب عرضة للسقوط في فخاخ هؤلاء الدجالين ما لم يتلق تعليما جيدا يناسب العصر وإعلاما جيدا ويتيسر له الحصول على المعلومات الصحيحة، ويعلي التعليم الجيد  قيمة العقل ويحفز على التفكير والإبداع وليس النقل والتلقين والحفظ.

 وقتها أيضا يستطيع الشعب الصالح اختيار الحاكم الصالح الرشيد له عن بينة من بين المرشحين لتولي حكمه ،ولايتمكن الحاكم ، أيا كان بعد انتخابه، من خداعه وتضليله وحرمانه  من حقوقه المشروعة .

إن الديموقراطية تتحقق حين يستطيع الشعب أن يختار من يمثله ومن يحكمه عن بينة ومعرفة ، فإذا فقد تلك الكياسة ، فسيصبح نهبا وأداة طيعة في خدمة النصابين والدجالين ولن يكون لوسائل مثل  تعددية حزبية أو انتخابات أن تحقق الغرض من  الديموقراطية. وإنما يحقق الديموقراطية الالتزام بما يحقق هدفها والغرض منها.
 وعندما يستثمر الحاكم هؤلاء الذين حسن تعليمهم كثروة بشرية بإمكانها صنع وإنماء الثروة المادية والقوة المعنوية في الدولة ، وليس كعبء على الدولة ستتقدم الدولة وتنتهي مشاكلها ومشاكل الشعب معا. وقد ذكرت في مقال : " الدجالون " أيضا:
"وقد يكون من أهم الأسئلة التي تقرض نفسها في زماننا هو سؤال : كيف نحمي الشعوب من الدجالين؟..
قد تكون الإجابة سهلة بأن حمايتهم لا تتحقق بغير تمكينهم من المعارف الصحيحة والعلمية التي يسهل إثبات صحتها والبرهنة على تلك الصحة، إلا أن الصعب هو كيف يمكن أن يتحقق ذلك عمليا؟..وقد يقول قائل : إن تحقق ذلك يقتضي إصلاح وتطويو مناهج وأساليب التعليم، وهو محق في ذلك، ولكن كيف يتحقق ذلك؟ومن الذي سيعهد إليهم بإصلاح التعليم وفي ظل أي نظام حكم ؟..لقد اطلعت في مصر على منهج أحد العلوم ووجدته قد تطور كثيرا بالمقارنة بما درسته منه قبل حوالي ستين عاما، ولكنني شككت في أن يكون قد تم تطوير المدرس الذي سيدرسه وإعادة تأهيله بحيث يسهل عليه تعليمه لتلاميذه. وتداعي في هذا الشأن ما قرأته عن تجربة دولة فنلندا حين قررت تطوير مناهج التعليم فيها وأخضعت المدرسين لديها لدورة تكوين  تمكنهم من تدريس العلوم الحديثة .وكل الظروف تؤكد صعوبة تحقيق مثل ذلك في مصر، إن لم نقل استحالة ذلك ، إن ظلت الأمور على ماهي عليه حاليا. ولم تتغير بحيث يكون مناخ العمل أكثر صلاحية مما هو عليه الآن.

والمشكلة في حكم الدجالين تأتي من صعوبة التخلص منهم أيضا إذ يحصنون مواقعهم بتحالفات بينهم وبين كبار العاملين في مؤسسات الدولة ومع كبار رجال الأعمال من المحليين والأجانب بالإضافة إلى السيطرة على وسائل الإعلام واستغلالها في تزييف الوعي والتضليل. وبحيث يعطون هؤلاء من المنافع والمزايا المادية ما يجعلهم شديدي الحرص على بقاء الدجالين في الحكم خوفا على ضياع المكاسب التي تحققت لهم منهم إذا ما حكم سواه وأراد استرداد أموال وموارد الشعب التي تم نهبها خلال حكم الدجالين واللصوص، أي أن الدولة في الواقع يسيطر عليها مجموعات من عصابات السرقة والنهب تكون معا مافيا واحدة يصعب التخلص منها.
فوزي منصور