Friday, May 2, 2014

المسيح في الإسلام: نبي مبعث أم نبي مرسل ؟


   

ذكر القرآن عددا  من الأنبياء ، وكان  أغلبيتهم أنبياء بعثهم الله إلى قوم فسدت عقيدتهم الدينية لإصلاحها ، وأورد القرآن بأن البعض من الأنبياء  كان نبيا ورسولا بعثه الله الى العالمين بديانة بها تشريعات وأحكام يلتزمون بها  ، وليس إلى أقوام محددين ، لم يكن لديهم دين أولتجديد ديانتهم.

 ولآن الله واحد ، فإنه لايتوقع منه أن تختلف ديانات الرسل , إنما يخدمون جميعا الدين الواحد الذي أوحي الله به إلى الأنبياء . ولذا قال تعالى : إن الدين عند الله الإسلام، وهذه العبارة تشمل الدين منذ جاء به آدم عليه السلام حتي بوم القيامة، وإن اختلفت أسماء الديانات التي جاء بها الأنبياء المرسلون. وقد تختلف بعض التفاصيل في تلك الديانات ولكن جوهرها واحد.

وجميع الأنبياء كان الله يوحي إليهم ،ومنهم من لم يكن رسولا وآتاه الله كتابا منزلا اليه ، وقد ذكر في القرآن أن الله آتي النبي داوود زبورا، وقد يكون سفر المزامير في العهد القديم هو ذلك الزبور ، وقد يكون سفرا آخر. وقال تعالي : ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن (رَّسُولٍ) وَلَا (نَبِيٍّ) إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّـهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّـهُ آيَاتِهِۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (الحج: 52) .وعندما أتحدث عن المسيح في الإسلام ، فإني أتحدث كمسلم يناقش أمرا ورد ذكره في القرآن الكريم، وهو بالتالي يخص الإسلام والمسلمين، ولاعلاقة للإخوة المسيحيين به ، ولايعد تدخلا في شــأن عقيدتهم الدينية.

وقد ذكر الله في سورة الأنعام عددا من الأنبياء المبعوثين والأنبياء الرسل . فقال تعالي : " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ" (الأنعام: 82-86). وأرجح أن الأنبياء الرسل منهم هم نوح وموسي ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد لوحظ أن النبي موسى ذكر في القرآن الكريم 136 مرة بينما لم يذكر النبي محمد بالأسم سوى ربعة مرات 4
 أربع مرات .

وقد قرأت لأحد الباحثين أن مهمة النبي أن ينبئ الناس- كل الناس- بما أنبئه الحق سُبحانه تعالى من أنباء، كأنباء الغيب، وأخبار الخلق، والآيات الكونية، والقصص القرآني. وهذه الأنباء ليس بها  الجانب التشريعي الذي يميز الديانة. ونجد الله تعالى يقول في القرآن الكريم مصداقا لذلك : "نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيم (الحجر: 49) وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيم: (الحجر: 51) ويقول :"هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ" (الشعراء: 221) ويقول :"ونَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَر""(القمر:22).ويقول:"وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّـهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (التحريم ) وقوله :"قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّـهِۗ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ "(آل عمران: 15).

ولا يغير من ذلك أن ما دعاني وحفزني  على كتابة المقال للمسلمين ما نسب للأنبا شنوده ،بابا الأقباط الأرثوذكس المصريين الراحل من قوله ، قبيل وفاته،بإن المسيح كان يهوديا. وهي تصادق على ما قال ولا تناقضه أو تخالف  مقولته. ولكي تتضح الصورة للمسلمين.

 و بإستعمال المنطق سنجد أنه يترتب على مقولة أن المسيح كان يهوديا  أن المسيح لم يرسل للعالمين لهدايتهم لدين لم يعد قائما ، وإنما أرسل لبني أسرائيل لإصلاح وتقويم دينهم الموجود لديهم والذي يتبعه المسيح وكافة اليهود . وبالتالي تعتبر تعاليمه بمثابة ثورة تصحيحية للدين الذي جاء به النبي المرسل موسى عليه السلام ، والذي عرف من بعده باليهودية. ويفسر ذلك ضم التوراة وأسفار العهد القديم إلى جانب الأناجيل في الكتاب المقدس . فكيف إذن يمكن تفسير وجود ديانة منتشرة في العالم بإسم المسيحية؟.هذا إذن ما أريـد توضيحه للمسلمين أيضا.

وبالنسبة للقرآن والمسلمين ،فإن موسى جاء بما يتفق مع الديانة التي كان عليها النبي إبراهيم، والنبي إبراهيم لم يكن يهوديا أو نصرانيا ، وإنما يدين بديانة الإسلام وهو الذي أعطاها هذا الإسم حين سمى أتباعه بالمسلمين. فلم يكن إبراهيم يهوديا أو نصرانيا. والثورة التصحيحية للديانة اليهودية التي كلف الله بها المسيح ، هي مماثلة لثورة مارتن لوثر على الكاثوليكية والتي ترتب عليها ظهور البروتستانتيه في أوروبا وانتقالها منها إلى أمريكا الشمالية وغيرها من بلدان العالم.

هل كان المسيح يهوديا؟

 ..بالتأكيد أن أم المسيح عليه السلام :  السيدة مريم التي تعتبر في الإسلام سيدة نساء العالمين ، ولها سورة في القرآن باسمها، بالإضافة في ذكر مطول لها في سورة آل عمران ، وكذلك النبي زكريا الذي رباها، كانا على الديانة اليهودية ، وكان مجتمع فلسطين يهوديا، وقد عمده النبي يحي بن زكريا والذي عرف لذلك ب "يوحنا المعمدان"في نهر الأردن حسب الديانة اليهودية، وبالتالي لايمكن للمسيح إلا أن يكون يهوديا.

وطالما المسيح يؤمن أيضا بالتوراة وبالأسفار التي جمعت مع التوراة فيما يعرف حاليا بالعهد القديم ، فلا يتصور أن يخرج عنها ، أو يرتد عن ديانته، ويؤسس ديانة جديدة. ونجد أن هذا يؤيده أيضا ما ورد في الأناجيل من أنه حين دخل أورشليم ، أي القدس، وخرج الناس لاستقباله ، وقالوا له: إهدنا يامعلم ، أجابهم : أنا لم أبعث إليكم وإنما بعثت لكي أهدي خراف بني إسرائيل الضالة. وهذا يعني أن الشعب اليهودي لم يكن ضالا من تلقاء نفسه وإنما المسؤول عن ضلاله هم بنو إسرائيل ، فإن هداهم المسيح للحق ، أو فند مقولاتهم الضالة، وعارض سلوكياتهم المنحرفة ، فاهتدوا ، إهتدى باقي الشعب اليهودي بالتبعية.

 والمقصود ببني إسرائيل هنا هم :"الفريسيون "، كهنة اليهود  الذين احتكروا الهيكل أو المعبد وتأويل وتفسير الديانة اليهودية لليهود ،وتحريف كلمات الكتب المقدسة وضم اليها ما ليس منها مما كتبته أيديهم وادعوا أنه من عند الله، والله لم ينزله على أحد من أنبياء بني أسرائيل. كما حولوا الهيكل من محل عبادة إلى سوق تجاري يبيعون فيه السلع . وقد ذهب اليهم المسيح وحيدا وطردهم من الهيكل وخافوا من التعرض له بسوء ، فجمعوا بضاعتهم وانصرفوا منه أذلاء مرغمين ، وامتلأت قلوبهم في نفس الوقت حقدا عليه. وكان سبب خوفهم منه علمهم بأن المسيح أعلمه الله بما خفي من أمرهم وخطاياهم ، ولذا عندما حاولوا إحراج المسيح عندما أخبر مريم المجدلية بأن الله غفر لها خطاياها، حاولوا رجمها حسبما تقضي به ديانتهم ، فقال لهم المسيح : من لم يكن منكم بخطيئة (أي مثلها) فليرم بأول حجر، فانصرف الجميع ولم يجرأ أحد أن يمسها بسوء.

ونجد القرآن يذكر المسيح عيسى بن مريم كنبي يوحي اليه وليس كرسول جاء  بديانة جديدة أرسله الله للعالمين يها ، فيقول على لسان المسيح : "إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا "، ولم يقل وجعلني رسولا. بينما جاء في ذكر النبي محمد قوله تعالي : " مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الأحزاب: 40).

وكان المؤرخ كمال صليبي يرى أن من يعرفون ببني أسرائيل ليسوا كلهم من سلالة النبي يعقوب والد النبي يوسف والذي كان يعرف أيضا باسرائيل ، أي عبد الله. وأنه حين خرج بنو اسرائيل من مصر وعادوا إلى موطنهم بعد وفاة النبي يوسف خرج مع كل واحد من الأسباط الإثني عشر ، وهم سلالته وإخوته، نفر من عبيدهم وخدامهم كانوا يعملون لديهم في رعي أغنامهم وإبلهم . وهؤلاء صاروا يعرفون هم وأسيادهم الأسباط من سلالة يعقوب ب "بني إسرائيل " أو ربما ،كما يظن كمال صليبي،كان لهؤلاء العبيد والخدم من سلالة رجل آخر غير يعقوب يدعي أيضا إسرائيل. فأطلق على الجميع لفظ: بني أسرائيل. وقد يكون هؤلاء ممن تولوا الكهانة خلال الأسر البابلي ، وتولاها أيضا من بقي منهم في أورشليم ممن  أفلتوا من الأسر والترحيل ،  خاصة وأنه يوجد لدي اليهود تلمودان مختلفان يفسران التوراة ، واحد تمت كتابته في بابل أثناء الأسر ،والآخر تمت كتابته في أورشليم. ولما كان كل الأنبياء بعد موسي من سلالة النبي  يعقوب عليه السلام ، وليس من سلالة هؤلاء الذين انتسبوا إلى العبيد أو الخدم الذين خرجوا مع أبناء يعقوب من مصر، فكان الآخرون ينقمون عليهم ويقتلونهم بغير حق ، أو يتآمرون على قتلهم. وقد دفع يوحنا المعمدان حياته ثمنا لمعارضته زواج ملك اليهود من زوجة شقيقه واعتبره محرما، فحقدت عليه الزوجة وظلت تغري زوجها بقتله ، حتي تمكنت في النهاية من أن يقدم لها رأسه هدية كما شاءت، ثم أغرى بتواسرائيل الملك بأن يقتل المسيح ويصلبه وعندما وجدوه مترددا حفزوه بالقول : أقتله ودمه علينا وعلى أولادنا، أي أنهم يتحملون ذنب قتله ويعفونه منه، ففعل.

وعندما أعلم الله المسيح بكيد اليهود له ، وموافقة الملك على قتله، جمع تلاميذه من الحواريين فيما عرف بالعشاء الأخير وكلفهم بنشر دعوته وما علمه لهم من تعاليم خلال السنوات الثلاث الأخيرة من حياته والتي كان كل ما ينطق به فيها ويتلف بالدين من كلام الله الذي أوحاه إليه ، أي من الإنجيل. وبذلك يعتبر الإنجيل مصدقا لما جاء في التوراة ومصححا لما حرفه بنو إسرائيل منها.

الديانة المسيحية المعتمدة على رسائل بولس:
بعد أن استجاب ملك اليهود لإلحاح بني أسرائيل عليه لكي يقتل المسيح ويصلبه ، إدعى رجل يهودي من بلاد الشام أن المسيح ظهر له كنور في السماء حين كان ماشيا في البرية ذات مساء وكلفه بأن يحل محله في نشر الديانة المسيحية.

 وما لا يقبله العقل أن يكلف المسيح تلآميذه الذين تعهد تعليمهم تعاليمه لثلاثة سنوات متتالية ، وهم الذين يرجع اليهم الفضل في بقاء أقواله حتي اليوم فيما كتبوه منها في الأناجيل المنسوبة إليهم ، ثم يتجاوزهم ويظهر ليلا إلى رجل يهودي من قطاع الطرق لم يسبق له أن رأي المسيح في حياته ، وإن كان يعاصره، ليكلفه بأن يحل محله بعد صلبه، هذا الرجل الذي عرف فيما بعد بالقديس بولس ، بعد أن غير أسمه من شاؤول إلى بولس، وراح يرسل الرسائل إلى أهل مناطب بالشام متضمنة تعاليم لم يقل بها أو بمثلها المسيح عليه السلام.

 ومع ذلك فإن ما دعا إليه بولس ، وتبناه إمبراطور الروم بعد أن تنصر، هو الذي  يشكل معظم ما في المسيحية الكاثوليكية المنتشرة في العالم اليوم والتي يقول الفاتيكان بأن أتباعها يصل عددهم إلى ما يربوا على المليار ونصف نسمه ، هذا بخلاف البروتوستانت والأرثوذكس، ولأن البروتوستانتيه خرجت من عباءة الكاثوليك، واقتبس الأرثوذكس الكثير من الكاثوليكية ، وتم ضم رسائل بولس إلى أهل الشام إلى الكتاب المقدس، فإن الديانات المسيحية المنتشرة اليوم يمكن القول بأنها تعود إلى ما كتبه بولس الذي كان إسمه شاؤول، أكثر مما تعود إلى تعاليم المسيح عليه السلام ، سواء ما حرمه على أتباع المسيح مما لم يرد له ذكر في الأناجيل ، أو في التنظيم الكنسي ، وفي اعتبار الكنيسة لها خصائص المسيح وسلطته والذي تجسده ما يعرف حاليا بالأسرار السبعة للكنيسة والتي منها التعميد والاعتراف والكهنوت والتناول والزيجوت ...الخ علما بأن الزواج على مدى قرون عديدة كان يتم خارج الكنيسة وكان يعترف به زواجا شرعيا غير مخالف للدين ، ثم قررت الكنائس في القرون الأخيرة ضمه الى واجباتها، واعتبار أن ما يتم خارجها لايعد زواجا دينيا وصارت الخطوبة أو الجبنيوت يتم في الكنائس وكذلك الزفاف أو الإكليل لكي تعترف الكنيسة بصحة الزواج.وإن كانت قد بذلت محاولات للتوفيق بين أقوال بولس وأقوال المسيح. فتم تأويل كلمات للمسيح لكي تتفق مع ما ذهب اليه بولس في رسائله ، ومنها تحريم الطلاق ومنعه ، واعتبار زواج المطلق أو المطلقة بعد طلاقهما بمثابة زنا. وغير ذلك ، كما دعا الى مخالفة اليهود فيما اتصفوا بالالتزام به مثل ختان الذكور وخلافه. هو بدعوته تلك أسس ديانة جديدة مخالفة للديانة اليهودية ، التي لم يأت المسيح لإلغائها وإنما لإصلاح ما أفسده بنوإسرائيل منها.

ما الذي حفز شاؤول أو المعروف حاليا ببولس الرسول ، الادعاء بأن المسيح أرسله الى العالم نيابة عنه، ولم أقدم على ذلك ووضع ديانة جديدة مخالفة للديانة اليهودية التي كان يدين بها؟. بالطبع نحن لا نعرف سبب ذلك ولكن يمكن أن نتكهن به من قبيل الظن ، الذي قد يكون صحيحا وقد لا يكون.

من قبيل الظن احتمال أن يكون بولس قد خشي على الديانة اليهودية من انتشار تعاليم المسيح فتدخل لإفساد تعاليم المسيح ولكي تظهر تعاليمه  وكأنها انحراف عن الديانة اليهودية أو ارتداد عنها فلا يتحول اليها اليهود الذين كانت ديانتهم قد انتشرت وقتها انتشارا واسع النطاق في شرق المتوسط و شمال أفريقيا و شبه الجزيرة العربية وهضبة الحبشة،. أي أنه كان يدافع عن يهوديته ويحول دون انصراف المتهودين عنها إلى تعاليم المسيح.وأخراج تلك التعاليم من حقيقة إنها إصلاح لليهودية لكي تبدو كديانة مخالفة لليهودية ولذا سنلاحظ أن رسائلة اهتمت اهتماما كبيرا بعدم تقليد اليهود في شيئ من أمورهم التي تعتبر من عقيدتهم وأعرافهم وتقاليدهم. لكي يتحقق الاختلاف عن اليهودية وهو ما لم يدع اليه المسيح في حياته، ولم يلقنه قط لتلاميذه. ولعله كان يأمل من ذلك أن ينفر اليهود من تلك التعاليم وأن يتمسكوا بديانتهم التي كانوا عليها قبل ظهور المسيح ، دون التأثر بتعاليمه تلك التي جاء بها وتسببت في قتله، ويتم أيضا تصوير قتله وصلبه بواسطة اليهود بأنه عقابا على ارتداده عن ديانتهم. إذن مكر بولس ومكر الله به وهو خير الماكرين ، أو كما يقال لدينا : العبد في تفكير والرب في تدبير، وقد   أراد الله أن يفسد ما  أراده بولس ومن اتبعه وأن تنتشر تعاليم المسيح وإن اختلطت بما كتبه بولس في العالمين  ، بينما تنكمش اليهودية وتنحسر. واليوم    نجد أنه في مقابل أكثر من مليار ونصف مسيحي في العالم ، لايصل عدد يهود العالم الى عشرين مليون يهودي، ربعهم تجمع  في فلسطين بعد الاستيلاء على أراض وممتلكات  أهلها وطردهم منها. كما أنه لو لم  تتحول مملكة الخزر إلى اليهودية ربما كانت اندثرت الديانة اليهودية  من العالم أجمع.

 وفي تاريخ المسلمين ، سنجد أن رجلا من أصل فارسي كان يعمل في خدمة الحاكم بأمر الله الفاطمي اقتدى بتجربة بولس وراح يرسل رسائل الى سكان جبل الدروز تحمل عقيدة جديدة وكان يختمها بخاتم الخليفة كأنها صادرة منه، وتكونت نتيجة ذلك العقيدة الدرزية الموجودة حتي اليوم والتي يعتبرها أصحابها ديانة خاصة بهم غير مقيدة لا بالدين الإسلامي أو غيره من الأديان، بل تعتبر خلاصة الإسلام والمسيحية واليهودية ، ونفس الشيئ عمله بهاء الدين صاحب الديانة البهائية ، وآخرون في الهند من المسلمين اتبعوا نفس السبيل. واخترعوا مذاهب خرجت في الواقع عن الدين الإسلامي وتعتبر ديانات وضعية مغايرة له، ومناقضة له أيضا في الكثير من تعاليمه وأحكامه التي تم تنحيتها عن الدين ونبذها. ولذا لا يجب أن يأخذ المسلمون في اعتبارهم كل ما ينسب الى بولس أو يعتبرونه من الديانة التي كان عليها المسيح أو له علاقة بتعاليمه. ولا يلزمهم اهتمام أتباع المسيح به ، أو تقديسهم له. ويجب أن يتفهم المسيحيون ذلك.

لمن تنسب الديانة؟

تنسب الديانة للديان ، أي لله الذي أوحي بها لرسوله ، وليس على الرسول سوى تبليغها، ونجد في القرآن الكريم قوله تعالى :  " أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ "(المائدة:67).
وقوله تعالى : "فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ " (التغابن: 12)
وقوله : "فإنما عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ"(آل عمران: 20)
وقوله :"فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ " (المائدة: 92)
وقوله :وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ (الرعد: 40)
وقوله :"َإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ" (النحل: 82).
 ولذا لا يقال عن ديانة اليهود الموسوية أو ديانة المسلمين : المحمدية ، وبالنسبة للمسيحية سنجد القرأن الكريم يسميها النصرانية ويسمي من يعتنقونها بالنصارى ، وثمة من يقول بأن النصارى نسبة لقرية أو مدينة الناصرة في فلسطين ولكن الأرجح أن المقصود بالنصاري هو : أنصار المسيح ومن ناصروه واتبعوا تعاليمه وهداه.

وأغلب ظني أنه لا يوجد تحريف في كلام المسيح الموجود في الأناجيل ، واختلافها يرجع إلى أن كل حواري ممن تنسب اليهم الأناجيل كتب ما سمعه من المسيح حين كان حاضرا معه، إذ أن بعضهم كان يتغيب عن مرافقة المسيح. وهناك ما يوحي أيضا بأن الحواري كان ينقل عن المسيح ما يتذكره أو حفظه وكان أكثر ما يتذكره هو ما يتفق مع طباعه واهتماماته الشخصية. فضلا عما يكون قد سقط من ذاكرة الرواة الذين نقل عنهم كتبة الأناجيل ، وكذلك ما يكون قد نتج عن الترجمة من لغة إلى أخرى. وإيمان المسلمين بالله وملائكته ورسله وكتبه...ألح ، يلزمهم باتباع تعاليم المسيح التي تتفق مع ما جاء بالقرآن الكريم وسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ، ولا تخالفهما في شيئ.

وقد علم اليهود ، فيما بعد ، أن المسيح المبشر به في كتبهم هو ذلك الذي تآمروا عليه وسعوا الى قتله وصلبه ، فزاد نقمتهم عليه على أساس أنهم سألوا المسيح عما أذا كان واحدا من ثلاثة ورد ذكرهم في كتبهم المقدسة فأنكر وكان منهم المسيح في ظنهم ، فاعتبروه كذب عليهم وهو في الحقيقة لم يكذب ، لأنه من الثلاثة ذكروا مسيا ومعناها الحمد وفي تصورهم أن مسيا هو المسيح بينما المقصود به هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى فيهم:" لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) [  المائدة)

وأن يكون المسيح يهوديا وبعث لإصلاح اليهودية فتأمر عليه اليهود، لا يعني أن أتباع المسيح اليوم لهم علاقة باليهود أو منهم ، فلديهم من تعاليم المسيح في الأناجيل ما يغنيهم عن الديانة اليهودية التي لم يتمكن المسيح من إصلاحها بسبب مكر اليهود يه. والحقيقة أن المسلمين ودينهم أقرب الى تعاليم المسيح من الديانة اليهودية لو يعلمون. ودين المسلمين والقرآن المنظم لدينهم يعلى من شأن المسيح وأمه ويكرمهما غاية التكريم . وهو ما يتطلب منهم ، من قبيل الإنصاف، إعادة النظر والتفكير في هذا الأمر وبناء علاقات أفضل مع المسلمين يتبادلون معهم فيها: المحبة والاحترام والتقدير.
وقد جاء في القرآن الكريم فيمن يطيعون الله ورسله وأنبياءه قوله تعالى :" وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَأَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَمَنْ يُطِعْ اللَّه وَالرَّسُول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ " ، وهو قول ينطبق على المسلمين وأتباع المسيح معا من المؤمنين.

فوزي منصور