Saturday, March 29, 2014

كم عدد سكان مصر؟


سؤال قد يسهل على الكثيرين الإجابة عليه ـ خاصة وقد نشرت الصحف قبل أسابيع بأن جهاز كذا أعلن أن عدد السكان في مصر قد بلغ يوم كذا تسعين مليونا، وأن الجهاز بشر بأن عدد السكان سيصل خلال سنوات معدودة الى مائة مليون، ومع ذلك يظل السؤال قاسما بدون إجابة موثوق في صحتها. فالجهاز المذكور يقيد عدد المواليد ثم يخصم منه عدد الوفيات والباقي يكون هو عدد السكان الرسمي.وطريقة الحساب هذه يفترض أنها صحيحة لو كان الجهاز بإمكانه تحديد عدد الوفيات الفعلي. فكل من يولد يتم قيده غالبا واستخراج شهادة ميلاد له للحاجة اليها لضمة إلى بطاقة التموين أو لقيده في المدرسة مستقبلا ، أما كل من يموت فلايتم استخراج شهادة وفاة له وإنما تصريح بالدفن من طبيب الصحة دون استخراج شهادة وفاة طالما لم يخلف تركة يحتاج الورثة إلى اقتسامها.

وما نعرفه أن عدد سكان مصر في الخمسينيات بلغ حوالي عشرين مليونا وفي نهاية السبعينيات قارب الأربعين مليونا ولكننا لا نعرف العدد الحقيقي اليوم ، وينتابني الشك في الأرقام المعلنة والتهويل فيها، والادعاء بأن مصر مقبلة على انفجار سكاني لاحل معه. وقد سبق تقدير عدد سكان مصر منتصف عام 2003 حوالي 72 مليون نسمة،ولو افترضنا صحة الرقم فلايعقل خلال الأوضاع الصحية المتفاقمة وما يترتب على التلوث البيئي من مشاكل صحية تتضمن الاصابة بالعقم وضعف الخصوبة أن يرتفع العدد في بداية 2014 إلى 90 مليونا.

وتقول جريدة الأهرام في عددها الصادر يوم 6 يناير 2014 تحت عنوان :
"مصر‏160‏ مليون نسمة في‏2050‏..الانفجار السكاني يدخل دائرة الخطر" مايلي:
"خطر داهم يتهدد مستقبل المصريين‏..‏ حيث تشير الدراسات والإحصائيات الحكومية إلي أن تعداد السكان في مصر سيتجاوز‏160‏ مليون نسمة في عام‏2050
ورغم محاولات الحكومات المتعاقبة في مصر تحجيم معدلات نمو السكان فإن معدل النمو السكاني ارتفع إلي2.6 مليون مولود سنويا في الفترة ما بين عامي2006 و2012 طبقا لمؤتمر السكان والتنمية في مصر..تحديات متوقعة وفرص متاحة الذي أقيم في نوفمبر الماضي, ومن بين التحذيرات التي أطلقها المؤتمر في بيانه الختامي إن مصر في ظل معدلات النمو السكاني الحالية ستحتاج إلي90 الف فصل دراسي بكثافة43 طفلا بالفصل الواحد.  .
ويحذر الخبراء من أن استمرار معدلات النمو السكاني علي الوتيرة نفسها ستؤدي إلي تعميق المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في مصر, وتعثر عملية التنمية وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة والفقر ما يترتب عليه زيادة معدلات الجريمة في المجتمع وأطفال الشوارع وتراجع جودة الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين."وينتهي المقال إلى القول :
"إن السبب الرئيسي لتردي معيشة المواطن وعجز الدولة عن توفير الاحتياجات الاساسية للمواطنين هو عدم كفاية موارد الدولة لمتطلبات السكان في مصر."
ولا يوجد توزيع متوازن للسكان في مصر ، فمصر تبلغ مساحتها الكلية 990 ألف كيلومترمربع يمثل المأهول منها 5%.

وتضم منطقة  القاهرة الكبرى والجيزة والمدن الجديدة التي تطوقهما  حوالي 23% من اجمالي عدد السكان، أي ما يعادل ربع السكان، بينما نجد في المحافظات الصحراوية مثل البحر الأحمر وسيناء والوادي الجديد نسبة 1% من سكان جمهورية مصر. ولايتمتع سكان المناطق النائية بنفس الخدمات التي يتمتع بها سكان شمال الوادي.
وقد أقيمت المدن الجديدة مثل الرحاب و6 أكتوبر وغيرها حول القاهرة الكبري بدعوى تخفيف الزحام فيها ، بينما كان يجب أعادة توزيع سكان القاهرة الكبري على باقي أنحاء القطر ، وهو ما يتطلب أيضا عدم التمسك باستمرار الحكم المركزي والتحول إلى الحكم الفيدرالي لضمان تنمية جميع مناطق البلاد وحماية أمنها القومي في ذات الوقت. وهو الأمر الذي مازال يلقى معارضة شديدة ممن بيدهم الأمر ولايعي أهميته عموم الشعب.وفي حين كانت القاهرة تضم 25% من سكان المناطق الحضرية عام 1996 صارت تضم 70% منهم عام 2008 حسبما ورد في موقع fanack.com.

وفي تقارير الأمم المتحدة السنوية عن التنمية الإنسانية سنجد أن مصر يموت ربع سكانها قبل بلوغهم  40 عاما, وتنشر أحيانا أرقاما مفزعة عن المصابين بداء الكبد والسرطان والسكر وضغط الدم ، وعدد من الأمراض المهلكة التي تعجل بوفاة المريض ، قضلا عن معلومات عن تلوث البيئة ومياه النيل والتربة والتغذية، وعندما عدت إلى مصر قبل عام ونصف وبعد غيبة طويلة استمرت عدة عقود ، كنت على اتصال مستمر بابن عم لي وكنت أعرف مرة كل أسبوع على الأقل بأنه في قريتنا فأسأله عن السبب فيخبرني بأنه كان يشارك في جنازة فلان أو فلآنة، فأسأل عن سبب موته فيخبرني أنه كان مصابا بداء الكبـد، أي أن مرضا واحد يقضي على حياة إنسان أو أكثر كل أسبوع في قرية واحدة لايزيـد عدد سكانها عن ثلاثة آلاف نسمة ، وهناك من يموتون بالتأكيد نتيجة الإصابة بأمراض أخرى.

وكان معروفا أن عددا من الدول الفاشلة التي يحكمها حكام فاسدون تزيد من عدد السكان وتقلل من حجم الناتج المحلي حتي ينقص معدل الدخل الفردي وتستطيع الدولة الحصول على قروض ومعونات دولية يستغلها أو يبددها حكامها. وكان ما لفت نظري هو تزايـد سكان كل من أثيوبيا ومصر بشكل غير منطقي وكأن الدولتان ، خلاف باقي الدول الأفريقية تتسابقان في هذا المضمار ، وكلما رفعت إحداهما عدد سكانها سارعت الأخرى بإعلان زيادة عدد سكانها هي الأخرى لكي يتساويان في عدد السكان. بينما كل المعلومات المتاحة عنهما تشكك في صحة ما يعلنانه.وكان حسني مبارك يتعلل بتلك الزيادات المزعومة لتفسير عجز حكوماته عن تحسين أوضاع الشعب أو إقامة مشروعات تنمية تستوعب اليد العاملة، وفي نفس الوقت كان يعلن عن ما يسمية بالمشروعات القومية الكبري في الزراعة مثل سهل الطينة شمال غرب سيناء أو مفيض توشكي أو شرق جبل العوينات، أو في الساحل الشمالي وملايين الأقدنة التي ستضيفها تلك المشروعات التي تكلفت مليارات الدولارات والتي ستسهم في توزيع السكان على مناطق شبه خالية منهم ، وتعزز الأمن القومي خاصة في سيناء ، ثم نفاجأ بتوزيع الأراضي على شركات مشبوهة وعلى شخصيات أجنبية ومحلية ،وحرمان الفلآخ المصري من أرضه التي يسدد أقساط وفوائد الديون التي أنفقت فيها. ولا نعرف حتى الآن من أصحاب الشركة التي تستغل منجم السكري وتلك التي تستغل منجم المنجنيز في مثلث حلايب شلاتين، وماذا يستفيده الشعب المصري من استغلال تلك الشركات لتلك الثروة المعدنية؟ ، ونعرف كيف أسند التنقيق على الغاز لشركة يملك معظم أسهمها حسين سالم صديق مبارك ، ثم يقوم الأخير ببيع أسهمه فيها لشركة أسرائيلية، وتبيع تلك الشركة الغاز لاسرائيل بأقل من الأسعار العالمية، ويستمر ذلك، وأشياء كثيرة منها ما كشف عن بعضه صدفة مثل التنازل عن مرفأ مرسى علم لشركة على رأسها مستثمر كويتي لإنشاء مشروعات سياحية خاصة فيها ومطار خاص للسائحين من الخليج ، وبما يستغل لأغراض أخرى ،ومنها بالتأكيد مازال يلفه الكتمان، وكل ذلك يتم تحت مسمى تشجيع الاستثمار الأجنبي. لعنة الله عليه إن كان على هذا النحو المريب.

نعود إلى سؤالنا : كم عدد سكان مصر؟ ، إذ أنه  بدون إجابة صحيحة ومفصلة على هذا السؤال يتعذر وضع خطة للنهوض بالبلد في المستقبل، وهو ما يتطلب إجراء تعداد رسمي ، وتعيين لجان له تزور كل منزل في مصر وتقيد سكانه وبياناتهم خاصة المتعلقة منها بدخل الأسرة وأعمار أفرادها وغير ذلك وتصحيح كافة البيانات الرسمية وفق نتائج هذا التعداد.ووضع سياسة محلية وخارجية هدفها الوحيد إدارة شؤون المجتمعات المصرية على نحو أفضل وعادل ، يسهم في رقي المجتمع وتحسين الأوضاع المعيشية لكافة أقراده.وبحيث يتم  خلق فرص عمل ومجالات استثمار لتشغيل طاقة المجتمع بكامله وبالاعتماد الكامل على استثمار الثروة البشرية المصرية وليس على رؤوس الأموال الأجنبية ، كما يتم التحرر من السياسة الحالية الخاضعة لمفهوم النيوليبرالية والذي لا تستفيد منه سوى الرأسمالية العالمية ، والرأسمالية المحلية التي تقتات على فتاتها وتقع على هامشها ،والتي لا تعنيها مصالح الشعوب .
ويحتاج استثمار الثروة البشرية المصرية إلى توفر معلومات صحيحة وميدانية عنها وليس معلومات دفترية مشكوك في صحتها ، ويقول صندوق الأمم المتحدة للسكان: "تؤثر الديناميات السكانية، بما في ذلك توزيع معدلات النمو، والبنية العمرية، والخصوبة والوفيات، والهجرة، وغيرهم، على كافة جوانب التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية.  ومن هنا، يتعين على البلدان أن تتوافر لديها القدرة على جمع المعلومات عن السكان، لمتابعة وتحليل الاتجاهات من أجل إعداد وإدارة سياسات سليمة وتوليد الإرادة السياسية لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية للسكان"
وحيث لايمكن إعداد مخططات تنمية دون توفر تلك المعلومات ، والافادة منها.

وبدون هذا ستظل مصر ضيعة منكونبة بحاكميها ومنهوبة منهم وغير معروف من يملكها، ويستغلها وينتفع منها دون غالبية الشعب. وقد جاء في البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة أن "قلة من البشر يتمتعون بالنصيب الأكبر من الثروة والمعرفة والإنتاج، وكثرة من البشر يعانون من سوء التغذية، أو يموت بعضهم جوعاً، ومرضاً وجهلاً".وهذا الوصف ينطبق على الوضع الحالي القائم في مصر حاليا. والذي يعتبر السبب الرئيس لانتفاضة 20يناير 2011 والتي تم الالتفاف عليها وإجهاضها ، ومن المحتمل أن يكون سببا أيضا في انتفاضات مماثلة في المستقبل تعيي الذين يحاولون التغلب عليها وأبقاء الوضع على ماهو عليه دون تغيير ولصالح فئة قليلة في قمة الدولة هي المستفيدة وحدها من استمراره.

وعوض التخويف من الزيادة السكانية يجب العمل على زيادة الانتاج الزراعي والصناعي ، فلسنا أكثر عددا من الصين التي يزيد عدد سكانها عن مليار ونصف حاليا يشغلون مساحة قدرها تسعىة ملايين و500 ألف كيلومتر مربع وبصدد أن تتحول إلى أول قوة اقتصادية في العالم خلال العقد القادم ، لأنها رغم كل ما يقال عن نظامها الشيوعي تستثمر عدد سكانها كثروة بشرية منتجة للثروة المالية, الموجه لتحسين الأوضاع الاجتماعية باستمرار. والاستثمارات الأجنبية التي تتدفق على الصين هي في معظمها أموال ذوي الأصول الصينية المغتربين في ماليزيا وأندونيسيا وباق دول جنوب آسيا.ونفس الشيئ يمكن أن يقعله المغتربون المصريون الذين يتردد أن عددهم حوالي الخمسة ملايين نسمة ، إن وجدوا نظاما يمكنهم الثقة فيه ويأمنون على أموالهم ومصالحهم فيه.
ويمكن قول ذلك أيضا عن الهند التي يصل عدد سكانها حاليا الى حوالي المليار نسمة وتسير في السنوات الأخيرة بخطى ثابتة في طريق التنمية والقضاء تدريجيا على الفقر وتحسين مستوى معيشة السكان. و النمو السكاني ليس بالضرورة ظاهرة سلبية بل قد يكون إيجابيا حيث يسهم في زيادة الطلب على الانتاج والتي من شأنها أن تزيد من الانتاجية ويسهم أيضاً في تنظيم فعالية الانتاج بفضل تحسين تقسيم العمل ويؤدي النمو السكاني إلى تخفيض الأعباء العامة للمجتمع بتوزيعها على عدد أكبر من السكان. حين يتم وضع خطة تنموية علمية لاستيعابه والإفادة منه.
وحسب تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان عن مصر فإنه:" لاتزال التنمية تشهد تفاوتاً كبيراً بين المناطق الحضرية والريفية، وبين صعيد مصر والدلتا، وبين الرجال والنساء، و كذلك داخل المحافظات والمدن.  ويتركز ما يقرب من 40 في المائة من جميع الاستثمارات في محافظة القاهرة، ولا يزال الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية منخفضا نسبيا.  وفي عام 005 ، تم إنفاق 5,1٪ من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم,  و 1,8٪ على القطاع الصحي، غير أن الفقر لا يزال يشكل تحديا كبيرا، حيث يعيش حوالي 43٪ من السكان على أقل من 2 دولار يوميا، كما أن حوالي 30٪ من القوة العاملة تعمل بعقودٍ إما موسمية، أو غير منتظمة، أو مؤقتة". 
وهي وضعية لايمكن لوطني مصري أن يقبل استمرارها إلى ما لا نهاية.ويفترض أن يسعى جميع المصريين ،صفا واحدا، لتغييرها من أجل مستقبل أفضل لبلادهم.وأن يقدم من يرشح نفسه للرئاسة برنامجا مفصلا وتنفيذيا لتحقيق ذلك ، وليس وعود وشعارات وعبارات إنشائية أو عاطفية لاستمالة الناخبين وليس لبناء مستقبل يليق بهم ، وبحقوقهم.
ويقول التقرير أيضا: "ويعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر على دعم سبل التعاون مع الحكومة المصرية لضمان حصول صانعي القرارات على المعلومات السكانية المستندة إلى الأدلة، والمعرفة المتعمقة لديناميات السكان، للاسترشاد بها في عملية صنع القرار، كما يدعمها أيضاً للتأكد من أن السياسات الوطنية تحقق أهداف وغايات كل من المؤتمر الدولي للسكان والأهداف الإنمائية للألفية.  ومن جهةٍ أخرى، يساند الصندوق الحكومة في بناء القدرات المؤسسية في توفير المعلومات والبيانات الدقيقة من أجل تعزيز الحوار.
فهل يمكن لمصر أن تستفيد من ذلك وتوجه العون الفني المقدم من الصندوق بما يخدم سياسة اقتصادية جديدة تعزز التنمية الشاملة :الاقتصادية والإنسانية للمجتمع المصري؟


فوزي منصور

Tuesday, March 11, 2014

أزمة الإسكان في مصرومشروع إسكان الشباب



بدأت تطهر بوادر أزمة الإسكان في مصر في منتصف ستينيات القرن الماضي .ففي ذلك الوقت بدأت تختفي من على واجهات المنازل لافتة " شقق للإيجار" ، وكان ملاك العمارات الجديدة يطلبون ممن يطلبون سكنا دفع إيجار سنة أو أكثر مقدما ، وبعد ذلك كانوا يعرضون الشقق بدون تشطيب على أن يقوم المستأجر بتشطيبها على حسابه على أن يخصم ما يدفعه في التشطيب من الإيجار الذي يحدده المالك مقدما ولا يخضع للجنة تحديد الإيجارات. وحين تحول الاقتصاد المصري من اقتصاد انتاجي ألى اقتصاد ريعي ، صارت كل العمارات الجديدة معروض شققها للتمليك وليس للإيجار وكان يقبل على شراء الشقق المصريون الذين يعملون في الخارج وكونوا مدخرات تسمح لهم بذلك وكذلك الأثرياء الجدد في عهدي السادات ومبارك. وفي منتصف السبعينيات كانت فتيات يعملن مع في مؤسسة الكهرياء الحكومية فسخت خطوبتهن بعد أن استمرت عدة سنوات لأن العريس لم يتمكن من تدبير شقة لكي تزف له فيها عروسه.

تسببت أزمة السكن في حرمان شبان وشابات من الزواج ، وترتب على ذلك تداعيات اجتماعية سلبية ناتجة عن تلك الأزمة. ومازالت تلك التداعيات قائمة حتى اليوم. وبينما لم يعد الشاب من الطبقة المتوسطة يجد شقة للسكن والزواج، نشرت بعض الصحف المصرية بيانات عن الأملاك العقارية لبعض المنتفعين من نظام مبارك ، غير معروف الجهة التي سربتها لهم، توضح عددا كبيرا من الشقق والفيلات مملوكة لهم في أنحاء مختلفة من الدولة, بينما استمرت الدولة تتاجر سياسيا في القضية منذ عهد حسني مبارك.

فعندما رشح نقسه حسني مبارك للولاية الخامسة أعلن عن بناء نصف مليون شقة للشباب من محدودي الدخل ، وعندما كان يعد نفسه للولاية السادسة قبيل قيام انتفاضة أو نورة 25 يناير 2011 تم الإعلان عن عزم الحكومة بناء مليون شقة لمحدودي الدخل من الشباب، وكانت مجرد وعود لم يتم الوفاء بها. وعندما قامت انتفاضة أو ثورة 25 يناير تلك ظن الممسكون بأمر الدولة وسياستها أن سببها يرجع لأزمة الاسكان ، بينما كان سببها انعدام فرص الشغل أمام الخريجين الشبات وارتفاع تكلفة المعيشة والقمع وانتهاكات حقوق الانسان المستمرة، وانتشار الفساد في كافة أركان الدولة، بالإضافة إلى أزمة السكن.

ولذا حين عين أحمد شفيق صديق حسني مبارك رئيسا للحكومة عاد الحديث مجددا عن المليون شقة، وكانت بعد ذلك المليون شقة ضمن البرامج المعلنة لمن جاءوا بعده مثل حكومات : كمال الجنزوري وعصام شرف وهشام قنديل وحازم الببلاوي، وظلت وعودا لايتم الوفاء بها .وتم الشروع في حوالى 25% مما كان مقرر تنفيذه في عام واحد ضمن الخمس سنوات المقرر تنفيذ السكن الاجتماعي فيها,

وأخيرا أعلن وزير الدفاع في 9 مارس 2014عن إنشاء مشروع إسكان يحتوي على مليون شقة للشباب بالتعاون مع شركة أرامتك الإماراتيه ، خلال السنوات الخمس القادمة بمعدل مائتي ألف شقة سنويا،تصل تكلفتها لحوالى 40 مليار دولار أو200 مليار جنيه مصري حسبما ورد في بيان شركة أرامتك الإمارتية، ستساهم بقسط كبير منها البنوك المصرية.

ولأن الأمر ليس من اختصاص وزير الدفاع أو القوات المسلحة وإنما يفترض أن يتم الإعلان عن المشروع من قبل رئيس الحكومة، فقد اعتبر الأمر بمثابة دعاية انتخابية سابقة لأوانها لعزمه على ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية. وتمهيدا لظهر حكومة إبراهيم محلب الذي كان يعمل من قبل وزيرا لللإسكان في وزارة الببلاوي، وكان قبل انتفاضة 25 يناير عضوا في لجنة سياسات الحزب الحاكم أيام حسني مبارك والتي كان على رأسها إبنه جمال مبارك ،قام الإعلام المصري بعملية تلميع له ولنشاطه ومتابعته تنفيذ مشروعات قديمة للأسكان الاجتماعي توقف العمل بها لعدم سداد مستحقات المقاولين المتراكمة على الحكومة بسبب الأزمة المالية التي لم تنجح المعونات الخليجية الكبيرة التي تدفقت على مصر بعد يوليو 2013 والتي كانت في حدود 15 مليار دولار في تخليص الدولة منها .بينما كانت الحكومات المصرية السابقة تلهث خلف البنك الدولي لإقراضها ثلاثة مليارات خلال السنوات السابقة دون الحصول على القرض.وحسب ما مقلته وسائل الإعلام عن صحيفة وول استريت فأن المشروع جاء نتيجة أن الدول الخليجية تدعم النظام الحاكم حاليا في مصر ماليا. وخلال تولي السيد\اباراهيم محلب وزارة الإسكان نشرت صحيفة المصري اليوم في 11نوفمبر 2013 تصريحا له يقول فيه: " إن تمويل المراحل الأولي لمشروع الإسكان الحديد، التي سيتم طرحها في المحافظات بعدد 94 ألف وحدة سكنية ، بإشراف مديريات الإسكان، متوفر، وستكون هناك مساندة فنية للمديريات، ودعم متواصل من جميع أجهزة الوزارة، وشدد على عدم وجود فساد في الوزارة حاليا، لذا تنتظر الوزارة والمواطنون قبلها الإنجازات بسرعة..."

وقد حدث نفس الشيئ من قبل في الجزائر عندما ارتفعت أسعار البترول وتمكنت الجزائر من عائداته سداد ديونها وتحقيق فائض في حدود مائة مليار دولار، فقامت الحكومة بالإعلان عن عزمها إقامة مشروعات إسكان تكلف أكثر من خمسة مليارات ، ولم تفكر الحكومة في استغلال عائدات البترول والغاز في إقامة مشروعات تنمية زراعية وصناعية تستوعب العاطلين من الشباب ، وتحقق موارد مالية لهم تحقق لهم مستوى معيشة أقضل.

لايمكن التقليل من أهمية بناء مساكن للشباب وإيجاد حلول لأزمة السكن وأيضا التناقض الحاد بين إيجارات المساكن القديمة والمحمية من القانون، وإيجارات المساكن الجديدة الخاضىة لقانون جديد ، إذ نجد أن أيجار الشقة القديمة في حدود 15 جنيه مثلا، بينما لو استطاع المالك استردادها من المستأجر أو ورثته أمكنه تأجيرها بخمسة عشر ألف جنيه أو أكثر حسب موقعها في المدينة التي توجد بها.

 وفي نفس الوقت لايمكن حل أزمة الإسكان بدون أن يكون الحل ضمن خطة للتنمية الشاملة : اقتصادية وإنسانية، وحكم ديمقراطي للدولة يعمل لصالج جميع جماهير الشعب وليس لصالح أقلية نافذة ومسيطرة على مقاليد الأمور وتسخر سياسات الدولة وقوانينها ونظام حكمها لصالحها ولتراكم منافعها وامتيازاتها ومصالحها المادية والمعنوية والرمزية .وفي حالة إذا كانت الحكومة تريد أن تتجنب إدارة مشروعات التنمية فيمكنها فور انتهاء المشروع أن تحوله إلى شركة مساهمة وتدعو العاملين بها وعموم الشعب  والمستثمرين الأجانب إن لزم الأمرللاكتتاب في رأسمالها بحيث يشكل المساهمون جمعية عمومية لها تختار مجلس أدارتها وهو ماانتهجته دول أوروبا الشرقية حين قررت التحول إلى النظام الرأسمالي وتحولت ملكية المشروعات فيها من الحكومة إلى شعوبها.وعندما يتسع نطاق التنمية وتتحسن ظروف المعيشة يمكن أن تتوفر مدخرات لدى أفراد الشعب لتمويل المزيد من مشروعات التنمية دون الاعتماد على المعونات الخارجية وما يتبعها من تبعية سياسية واقتصادية للممولين الأجانب.

لقد واصلت معدلات الفقر ارتفاعها في مصر بعد انتفاضة 25 يناير حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري فبلغت أكثر من 26% من عدد السكان ،بينما كانت في حدود 21% قبل 25 يناير 2010، وبدون مشروعات تنمية تتعهدها الحكومة فإن نسبة الفقر مرشحة للزيادة ، مع التحفظ على عدد السكان الذي يعلنه الجهاز والذي أظن أنه يزيد عن العدد الفعلي لهم، حيث يعتمد على أضافة المواليد وخصم الوفيات ، بينما يتم إثبات كل المواليد في السجلات ، في حين  قد لا يتم تسجيل كافة الوفيات ، خاصة بالنسبة للأطفال والبالغين الذين لايتركون تركة تورث ، ولذا يقال دائما أن سجلات الناخبين تتضمن أسماء عديدة لمتوفين لم يتم أزالتهم منها، وقد يكون السبب أن مصلحة الأحوال المدنية لم تخطر بوفاتهم.

وقد أثيرت شكوك حول إمكانية تنفيذ المليون وحدة سكنية خلال خمس سنوات من ناحية وكذلك أن ثمن بيع الوحدة السكنية لن يكون في مقدور الأسر محدودة الدخل تدبيره ولن يقدر عليه سوى الفئة العليا من الطبقة المتوسطة وحدها.ولا تعجز شركات المقاولات المصرية الحالة عن تنفيذ المشروع في المواعيد المقررة له إذا تم تدبير المال اللآزم له وتم توفير مواد البناء بأسعار معقولة وخاصة الأسمنت وحديد التسليح بعد أن ارتفعت أسعارهما في الآونة الأخيرة.ومالم يتم إثارته هو أن جزء كبير  من المشروع سيتم تنفيذه في القاهرة الكبرى التي يسكنها حاليا قرابة ثلث سكان مصر مما يزيد العبء على الخدمات بها . فقد ذكر ممثل الشركة الإمارتية أن" هذه المجمعات السكنية ستقام في 13 موقعا في عدد من محافظات مصر ، وأن المساحة الإجمالية لأرض المشروع تزيد على 160 مليون متر مربع منها أكثرمن 149 مليون متر مربع في القاهرة موزعة بين مدن العبور والعاشر من رمضان والإخلاص".وذكرت الشركة أن "المساحات المتبقية سيتم توزيعها على محافظات الإسكندرية والمنوفية والفيوم وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر".

ويتم تكدس السكان بالقاهرة الكبرى بسبب النظام المركزي للحكم المتبع والتمسك به من قبل مؤسسات الدولة التي ترفض نظام الدولة الفيدرالية ، ويرفضها عموم الشعب أيضا نتيجة الجهل بتطور النظم السياسية في العالم ، بينما النظام الفيدرالي هو الذي يمكن من خلاله تعميم التنمية في جميع أنحاء القطر ، وإعادة توزيع السكان، وضمان الحكامة الجيدة وحسن استغلال الموارد الطبيعية والموارد البشرية,والوهم السائد أو الذريعة التي يتم التمسك بها هي أن النظام الفيدرالي يهدد وحدة الدولة ويعمل على تجزئتها ويتم الاستشهاد في هذا الشأن على ما حدث في السودان وهو قياس خاطئ يتجاهل أن تقسيم السودان جاء إثر حرب أهلية طويلة وتدخلات أجنبية استهدفت التقسيم وكان لكل من مصر حسني مبارك ومن قبله يوسف والي وليبيا معمر القذافي دورا في تحقيق هذه النتيجة ، فضلا عن مقتل جون قرنق والذي كان قد بدأ يتحول عن الانفصال الى الحقاظ على الوحدة مقابل إقامة السودان الجديد كما كان يسميه ، وهو ما كانت تعارضه أوغندا وإسرائيل، ويرجح أنه كان سبب مقتله. والقياس الخاطئ هو آفة الفكر السلفي في الدين كما صار من آفات الفكر السياسي في الدول المتخلفة أو غير الديموقراطية  أيضا. ويمكن القول أيضا أن الدول الخليجية التي تدعم الحكم حاليا في مصر لاتريـد لمصر حكما فيدراليا يحقق نجاحا فيها حتي لا تشكل نموذجا في المنطقة يحتذى أو تطالب به شعوبها ، وتبدي امتعاضها حاليا من توجه اليمن لهذا النوع من الحكم بعد ثورة شعبها على نظام حكم علي صالح والتخلص منه.

كما بذلت دول الخليج ما استطاعت من جهد لتحقيق فشل الثورات العربية أو ما عرف بثورات الربيع العربي والتي أطاحت بنظم الحكم في مصر وتونس وليبيا واليمن ومازالت تصارع النظام السوري ومنع هذه الثورات من تحقيق ما ناد به ثوارها حتى لاتنتقل عدواها الى منطقة الخليج .

 واعتقدت تلك الدول في صحة تقارير المخابرات العربية، حتى لو كانت قائمة على أوهام تخالف الواقع، ومن ذلك الاعتقاد بأن الثورة المصرية في 25 يناير 2014 ما كانت لتقوم لولا مشاركة التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين باعتباره التنظيم الوحيد المتحد والقوي والذي يمتلك مصادر تمويل هائلة، وأن نفس الشيء حدث في الدول العربية الأخرى التي شهدت ثورات مماثلة.
 بينما يعرف العالم بأن الثورة المصرية كانت عفوية ولاعلاقة للإخوان بقيامها ، بل امتنعت جماعة الإخوان عن المشاركة فيها عند بدايتها خوفا من أن تقشل وتنتقم السلطا منها.ولم تنزل جموع الإخوان ،  ومعهم من ساندوهم من السلفيين ، إلا بعد ثلاثة أيام من قيامها ، وبعد مفاوضات بينهم وبين مدير المخابرات المصرية عمر سليمان وعقدهم صفقة سياسية معه ، وفق خطة وضعها عمر سليمان ونفذه المجلس العسكري خلال فترة حكمه تم فيها استغلال غباء الإخوان وتطلعهم المحموم للاستيلاء على السلطة ويقينهم الخاطئ أنه في حالة تسلمهم السلطة فإن أي قوة محلية لن تستطيع إزاحتهم عنها ما داموا على علاقة طيبة مع الولايات المتحدة وإسرائيل . بينما كانت غاية الصفقة هو القضاء على تنظيمهم بعد أن يفقد الشعب الثقة فيهم ويكره وجودهم وتمت الخطة بنجاح . وتم التصريح للإخوان بحزب رئيسي وأحزاب احتياطية له وكذلك بعدة أحزاب للسلفيين ، وتم تنظيم انتخابات معيبة لتمكينهم من الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان ، وقضت المحكمة الدستورية بحله بعد ذلك، كما تم فوز مرشج الإخوان في انتخابات الرئاسة ، وتولى الرئاسة بالفعل لمدة عام لم ينجز فيها شيئا سوى أصدار قرارات زادت من السخط على حكمه، إلا أن تمت الإطاحة به فيما بعد وتتم محاكمته الآن على تهم شتى وجهت اليه وإلى العديد من قيادات جماعته وعلى رأسهم المرشد العام للجماعة.

 وقامت الثورة التونسية قبلها ورئيس حزب النهضة منفي بالخارج ومعظم قيادات الحزب في السجون، وقام بالثورة في ليبيا أبناء إقليم برقة بسبب كراهيتهم لحكم القذافي وتمييز قبائل اقليم طرابلس عليهم ولم يكن لتنظيم الإخوان المسلمين في ليبيا أي وجود مؤثر فيها، واستطاعت التنظيمات السياسية التي ترفع شعارات دينية أن تركب الثورات وتستغلها وفشلت في إدارة شؤون تلك الدول فشلا ذريعا . وبعد أن ثبت فشلها تمت نكبة الإخوان في مصر ، كما تخلى حزب النهضة عن الحكومة  وسلمها لحكومة لا يشارك فيها باتفاق مع القوى المعارضة له ، ويعتبر قد قضى على مستقبله السياسي في تونس.

فوزي منصور
11 مارس 2014






Sunday, March 9, 2014

من أب المسيح في : الأناجيل والقرآن؟




تربي المسح عيسي بن مريم عليه السلام  في بيت يوسف النجار مع إخوته من يوسف النجار وزوجته مريم حتى ظنه الناس إبن يوسف النجار ومن أولاده , وذكرت الأناجيل أسماء إخوته هؤلاء: يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ.
وعندما بلغ الثلاثين من عمره أخبرته أمه ،على مايبدو، أنه ليس إبن يوسف النجار. وكان في هذا السن قد بدأ سنوات البشارة الثلاث قبل نهاية حياته، فخرج على الناس ،  وأعلن لهم أنه ليس إبن يوسف النجار فسألوه ، كما ورد في الإنجيل، ومن أبوك إذن ؟، فأجاب: أبي الذي في السماوات.ولم يقل المسيح أن أباه هو الله , ولكن تم تأويل عبارة :" أبي الذي في السموات" بأن أباه هو الله الذي في السماوات.وأيد هذا الفهم عبارات أخرى وردت في الأناجيل.

وفبل ميلاد المسيح بسبعمائة عام وردت نبوءة أشعياء في الكتاب المقدس تقول : ولكن يعطيكم السيد نفسه ، آية هذا ، العذراء تحبل وتلد إبنا وتدعو إسمه عمانوئيل.

والسائد لدي المسلمين اليوم ،خاصتهم وعامتهم معا،هو أن المسيح ليس له أب ، وأن الله خلقة بغير أب ، كما خلق الله آدم من قبل بغير أب أو أم . وذكرت قصة ولادة المسيح في سورة مريم بالقرآن الكريم ، ولا أرى خلافا فيما ورد بها عما ورد في الأناجيل حول ولادته، وإنما توضيح لما ورد في تلك الأناجيل .

وتقول السورة:
"فاتخذت من دونهم حجابا ، فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا* قالت: إني أعوذ بالرحمن منك أن كنت تقيا* قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا* قالت أنا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا؟*قال كذلك قال ربك ، هو علي هين ، ولنجعله آية للناس ورحمة منا ، وكان أمرا مقضيا* فحملته فانتبذت به مكانا قصيا* ,

ثم تذكر الآيات بعد ذلك حملها فتقول:
فجاءها المخاض إلى جذع النخلة ،قالت ، ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا*فناداها من تحتها ألا تحزني ، قد جعل ربك تحتك سريا *وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا*فكلي واشربي وقرى عينا ، فإما ترين من البشر أحدا فقولي أني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا*فأتت به قومها تحمله ، قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا*يا أخت هارون ما كان أبوك إمرأ سوئ وما كانت أمك بغيا* قأشارتاليه ، قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا* قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا*وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا*"
فهل هذا الملاك الذي هبط الى محراب مريم من السماء ، وتمثل لمريم بشرا سويا ،وعاد بعد أن التقى بها مرة أخرى إلى السماء هو : "أب المسيح "؟. والذي كان يعنيه بقوله: أبي الذي في السماوات .
وقد تجنب يوسف النجار المساس بها حتى ولدت المسيح في بيت لحم التي أخذها يوسف النجار اليها ، فقد قال متى في إنجيله:ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر ودعا إسمه يسوع"   إذا عدنا للأناجيل سنجد ما يعزز هذا الاحتمال ، ولأنه لم يخبر مريم عن إسمه ، وبالتالي لم تخبر هي ابنها عن إسمه ، فإن كل ما يعرفه الإبن عنه وأعله أنه الذي في السماوات. وسنرى الأناجيل تذكر بأن هذا الملاك واصل رعايته للمسيح طول حياته، وكان يخاطبه مخاطبة الأب لإبنه.
ففد جاء في إنجيل مرقس مثلا ما يلي: وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن ، وللوقت ، وهو صـاعد  من الماء، رأي السماوات قد انشقت ، والروح مثل حمامة نازلا عليه، وكان صوت من السماوات : أنت إبني الحبيب الذي به سررت ، وللوقت ، أخرجه الروح إلى البرية.
وجاء أيضا في إنجيل مرقس:" وكانت سحابة تظللهم ، فجاء صوت من السحابة قائلا: هذا هو إبني الحبيب، له اسمعوا ، فنظروا حولهم بغتة ، ولم يروا أحدا غير يسوع وحده معهم.
أما في إنجيل متي فقد تحدث عن الولادة على النحو التالي :
اما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا:  لما كانت مريم امه مخطوبة ليوسف قبل ان يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس.
فيوسف رجلها اذ كان بارا و لم يشأ  أن يشهرها ، أراد تخليتها سرا، و لكن فيمـــا هو متفكر في هذه الامور، اذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا : يا يوسف ابن داود لا تخف أن تاخذ مريم امراتك ،لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ، فستلد ابنا و تدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. هوذا العذراء تحبل و تلد ابنا و يدعون اسمه عمانوئيل ، الذي تفسيره : الله معنا. فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب وأخذ إمرأته ، ولم يعرفها أي لم يمسها، حتى ولدت إبنها البكر، ودعا إسمه : يسوع..
ويستمر مجيئ الملاك ليوسف النجار في منامه لكي يوجهه الى ما يعمله لحماية حياة يسوع فيذكر إنجيل متي أيضا :
و بعدما انصرفوا،  اذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا : قم و خذ الصبي و امه و اهرب الى مصر،  و كن هناك حتى اقول لك ، لأن هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه، فقام وأخذ الصبي وأمه ليلا إلى مصر.  فلما مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلا : خذ الصبي وأمه وإذهب إلى أرض أسرائيل لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي . فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء إلى أرض إسرائيل.
ويستمر ظهور الملاك في الظروف الحرحة التي يمر بها يسوع ، بل يمكن القول بأنه في سنوات البشارة الثلاث التي كان المسيح يتكلم فيها بالانجيل ، كان ينطق في الواقع بما يمليه عليه الملاك من الوحي ، وأيضا كان هذا الملاك هو الذي يزوده بالطاقة الروحية التي كانت تمكنه من علاج المرضي وإحياء الموتي أو إنقاذ من هم في سكرة الموت.
وقد عبرت الأناجيل عن هذا الملاك بالروح القدس، وهو في جميع الحالات ، وأيا كان هو ، روح مقدسة بلاريب. وأدخله أنصار المسيح من القبط بالاسكندرية ضمن أقانيم  الثالوث المقدس الذي قالوا بأنه يتكون من الآب والإبن والروج القدس ، وأخال أن الآب هنا المقصود به من يؤوب اليه الخلق والإبن هو إبن الملاك أو الروج القدس ويكتمل الثالوث في هذه الحالة بالأب الذي هو الملاك أو الروج القدس ، وللمحافظة على فكرة وحدانية الله تم تذييل هذا الثالوث بعبارة : إله واحد ، آمين.
وكان هذا هو مذهب آريوس القبطي ، الذي أمن به الكثيرون لحوالي سبعة قرون ، وبمرور الزمن ، وبعد طرد القيصر لآريوس من مجمع قينية،  وتغليب فكر بولس وأتباعه عليه ، صار الآب يعني الأب، وأنه الله ، واعتبر الإله يتكون من الأقانيم الثلاثة تلك محتمعة.
وتمثل الملائكة بالبشر ، أو ظهورهم على هيئة بشر،  نجده في القرآن حين ذكر  الملائكة الذين أرسلوا للقضاء على قوم لوط ، ومروا على النبي إبراهيم وهم في هيئة بشر ، ثم ذهبوا الى لوط ، وهم في نفس الهيئة ، كما ورد في القرآن الكريم . قال تعالى:"ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ، قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية ، إن أهلها كانوا ظالمين ، قال : إن فيها لوطا ، قالوا نحن أعلم يمن فيها ، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين.

وقال الله تعالى:" ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ، وقال: هذا يوم عصيب""وقال السدي: خرجت الملائكة من عند ابراهيم نحو قرية لوط ، فأتوها نصف النهار ، فلما بلغوا سدوم ، لقوا إبنة لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له إبنتان، اسم الكبري : ريتا، والصغرى زغرتــــا.فقالوا لها : ياجارية ، هل من منزل ؟ فقالت لهم : مكانكم ، لاتدخلوا حتي آتيكم ، فرقت عليهم من قومها، أي خافت عليهم منهم،فأتت أباها ، فقالت: ياأبتاه ، أرادك فتيان على باب المدينة ، مارأيت وجوه هي أحسن منهم قط، لايأخذهم قومك ، فيفضحوهم." 
فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فقالت: إن في بيت لوط رجالا مارأيت مثل وجوههم قط.
قال الله تعالى " ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوفوا عذابي ونذر ، ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر".
وقال الله تعالى أيضا يذكر نهاية أمرهم :"  فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد"
ونجده أيضا بالنسبة لجبريل عليه السلام حين فاجأ النبي محمد وهو في غار حراء وضمه اليه وقال له : إقرأ ، فأجابه : ما أنا بقارئ، أي لا أعرف القراءة، فأعاد ضمه اليه بقوة وقال له : إقرأ باسم رلك الذي علم بالقلم ، علم الإنسان مالم يعلم ....فتعلم النبي من يومها القراْءة ولكن لم يكن باستطاعته الكتابة حتى آخر حياته .  ونجد ذلك أيضا في قصة جبريل حين جاء للنبي وهو بين أصحابه وسأله عن الاسلام والإيمان والإحسان ، وعندما انصرف ، قال النبي لأصحابه: هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم.
كما يستطيع الجن أيضا أن يظهر في صورة بشر ، كما ورد في السيرة النبوية من أن إبليس ظهر لزعماء قريش في دار الندوة على هيئة بدوي أشيب وأشار عليهم أن يختاروا من كل قبيلة شابا فتيا ويكلفون الشباب بالتربص للنبي وقتله ليلة خروجه للهجرة إلى يثرب بحيث يتفرق دمه بين القبائل، وثمة أحاديث أخرى عن ظهور الشيطان على هيئة رجل، وقال الكثيرون من أن الجن ظهر لهم على هيئة بشر أو حيوانات .
أما أن يكون الملاك الذي تمثل لمريم بشرا سويا ، أي في أحسن صورة لبشر،هو أب المسيح فيمكن فهم ذلك إذا اعتبرنا أن ما يقره الله يتم وفق سننه وقوانينه بحيث تكون النتائج لها مسببات وفق تلك السنن.ومن سنن الله في خلقه أن تلد الأنثي نتيجة إتصال ذكر من جنسها بها يؤدي إلى حملها . ولأن الله قدر ألا يكون المسيح من أبناء رجلها يوسف النجار ، فقد أرسل لها ملاكا من لدنه ، وقد تمثل لها بشرا سويا ، أي غاية في الحسن والحمال ، لكي يتم حملها منه، ويكون حملا خاصا مباركا. والمعجزة هنا ليس في أن يولد المسيح دون أن يكون له أبا ، وإنما أن يكون أبوه ملكا من ملائكة الرحمن الذين خلقهم من نوره ، وليس من طين أو صلصال مثل البشر ، وأن يؤدي دوره مثل البشر ، والملائكة لا تأكل أو تشرب أو تتزاوج مثل البشر,
ويكون المولود منه ومن مريم ذكرا، كما أراد الله وقضت مشيئته.
وقد جاء سوء فهم المسلمين للأمر من تأويلهم قول الملاك لمريم العذراء: "كذلك قال ربك هو علي هين ، ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا".
ففهموا :" هو علي هين "، بأن المقصود هو على الله هين ، بينما قد يكون المفصود أنه على الملاك الذي أرسله إليها هين عليه.وقد يكون المقصود به أنه على الله وعلى الملاك هين.وهذا الذي قضى به الله لابد من نفاذه وهو ما يفهم من قوله لها : وكان أمرا مقضيا ، أي لا رجعة فيه ، ولابد من نفاذه منهما معا طاعة منهما للخالق، فاستسلمت مريم لأمر الله، وهذا لا يقلل من شأنها ، أو من قيمة حملها.
وقد قال تعالى عننها وعن حملها: " والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ". ويعبر هنا الله عن الملاك بلفظ روحنا مثل ماورد في الأناجيل ، والنفخ يمكن اعتباره تعبيرا مجازيا عن الحمل وبث حياة جديدة في رحمها .

وقال تعالى أيضا عن المسيح وكيفية حمل أمه :" إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فآمنوا بالله ورسوله، " ويتفق القرآن هنا في وصف حمل المسيح بالكلمة مع ما ورد في انجيل يوحنا عنه.

ويمكن فهم الكلمة هنا بأنها مشيئة الله وحكمه والروح منه أي ملك من ملائكته غير معروف اسمه ، ولو أن المسلمين يقولون بأن الروح القدس هو الملاك جبريل عليه السلام ولكن لايملكون من القرآن الكريم ما يؤيد ذلك. بينما ورد ذلك في أنجيل لوقا حيث قال :وفي الشهر السادس ، ولعل المقصود هنا الشهر السادس من حمل زوجة زكريا بابنها يوحنا المعمدان ، أرسل حبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل إسمها الناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود إسمه يوسف. وإسم العذراء مريم...فقال الملاك: لا تخاي يامريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله، وهاأنت ستحبلين وتلدين إبنا ، وتسمسنه يسوع، فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست  أعرف رحلا؟، فأجاب الملاك ، وقال لها: الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظلك، فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله، لآنه ليس شيئ غير ممكن لدى الله.

ولاندري من أين للوقا ما قال حين حدد أن الملاك هو جبريل ،لأن المسيح إكتفي بقوله : أبي الذي في السماء، ولو كان يعلم أنه جبريل لقال : أبي جبريل الملاك الذي في السماء. وجاء في القرآن أن الله أيده بروح القدس، ولكن ليس مؤكدا أن ذلك يعني جبريل.والله وحده يعلم ما المقصود بالروح القدس.  أما قوله: يدعى ابن الله فقد تكون نبوءة عن المستقبل فأتباع المسيح منذ قرون يدعونه : ابن الله. أي تحققت النبوءة,وينفي القرآن أن يكون لله ولدا فيقول : قل هو الله أحد ، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ـ ولم يكن له كفؤا أحد.
وقد وصفه الله في سورة آل عمران بأنه :وجيها في الدنيا والآخرة ، وفي سورة مريم بأنه مباركا أينما كان ، وميزه القرآن أيضا بأشياء كثيرة لعلو مكانته عند الله ، ومن ذلك قدرته على الخلق ، فقال على لسانه في سورة آل عمران:إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ،وقال في سورة النحل : أمن يخلق كمن لا يخلق،
وكذلك بمعرفة سرائر الناس، مثل قوله في أل عمران: "واُنبئكم بما تأكلون وما تدخرونه في بيوتكم، إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين." .
فضلا عن الإتيان بالمعجزات والخوارق: مثل أبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتي بإذن الله" .
وشهادته على قومه، كما جاء في سورة المائدة:"وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم، فلما توفيتني ، كنتَ انتَ الرقيب.".
وتأييده بالروح القدس: "...وآتينا عيسى بن مريم البيّنات وأيّدنه بروح القدس..." ،.وعندما مكر به قومه رفعه اليه وقال تعالى في سورة آل عمران ، إني متوفيك ورافعك إلي ...: "إني متوفيك ورافعك إليّ؛وقال في سورة النساء "بل رفّعه الله إليه.". كما جاء في كتاب الله من تكريم له قوله تعالى في سورة آل عمران:" وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة."
وأن يكون الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامه يعني أن أتباعه ليسوا من الكفرة أو المشركين، وأن منهم المؤمن الصالح الذي لا يضيع الله له أجرا مثل غيرهم من المؤمنين الصالحين، كما أن المسلمين الذين يقتضي الإيمان أن يؤمنوا بالله وملائكته ورسله وكتبه يعتبرون في اتباعهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم يتبعون أيضا المسيح عليه السلام  على النحو الذي وصفه الله به في القرآن ، ويتبعون تعاليمه التي وردت على لسانه في الأناجيل ،وليس أكثر من ذلك أو أقل.

لقد شن أتباع المسيح حروبا صليبية على المسلمين منذ عدة قرون ومازالت مستمرة ،سفكوا فيها دماء المسلمين وخربوا ديارهم ، وكان منها غزو العراق بإقرار الرئيس الأمريكي بوش بنفسه ، كما يوجد من المسلمين غلاة يحرضون على أتباع المسيح ويقتلون الأبرياء منهم ممن هم أخوة لهم وفي ذمتهم ، وما أكتبه هنا هو إدانة للطرفين معا، حتي وإن كان فيه ما يخالف معتقداتهم ، فهو اختلاف في الرأي يجب ألا يفسد للود قضية,وإذا تم الإمعان فيما كتبته ودراسته بروح سمحه سيجدونه مدعاة للتقارب أو التوافق والمحبة والسلام ، وليس لاستمرار عداوة غير مبررة وشريرة ومهلكة للطرفين معا. ولايغذي تلك العداوة اختلاف العقائد وإنما يغذيها التعصب وضيق الفكر وقلة المعرفة الصحيحة لتلك العقائد والعنصرية البغيضة أيضا.

فوزي منصور

 9أبريل 2014

Friday, March 7, 2014

من هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين : لاتجتمع أمتي على باطل، ولكن من هي أمته؟..إن أمته هي التي تتخذه إماما أوحدا لها في أمور دينها ومادامت تتبعه فهي تجتمع على الحق وليس على الباطل.والذين يتخذون من أحد الصحابة أو التابعين أو أحد فقهاء العصور الخوالي      
 إماما فهم أمة من يتبعونه وليسوا من أمة الرسول محمد عليه
الصلاة والسلام وحده ، ومن يتبعونه من هؤلاء غير النبي لا يوحى إليه وقد يؤول آيات الله في كتابه تأويلا خاطئا لأنه بشر بصيب ويخطئ وليس معصوما فكره . ولذا قد يجتمع أتباعه على غير الحق المبين.

هذا في أمور الدين ، أما في أمور الدنيا ، وهي أمور متغيرة ، فلا يتبع فيها النبي وإنما يؤخذ فيها بالرأي بعد المشورة¸وقد قال الرسول في واقعة تأبير النخل : أنتم أعلم بأمور دنياكم ، وفي غزوة بدر غير مواقع المسلمين بعد أن أشار عليه أجد المسلمين بذلك ، وفي غزوة الأحزاب حقر الخندق حول المدينة بعد أن أشار عليه سلمان الفارسي بذلك ، ولم يوح له في الحالتين ، وقال له تعالي: وشاورهم في الأمر ، والمقصود بالأمر هنا هو ما يتعلق بأمور الدنيا.وكل ماجاء في كتاب الله هو من أحكام الدين وشرعته ، وعندما تعرض القرآن لتنظيم العلاقات الزوجية أو الميراث أو التجارة أو منع الخمر وأكل الميتة والنطيحة والمتردية أو حرم الربا أو غير ذلك من أوامر ونواه يعد من أحكام الدين وإن تناول ما تنتظم به حياة المسلمين والناس عامة من غيرهم.وعندما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل الى اليمن وقال معاذ إنه سيحكم بين الناس بكتاب الله وسنة رسولة ، سأله الرسول : فإن لم تجد؟، قال معاذ أعمل بالرأي . وهو ما يعني أن كتاب الله وسنة رسوله إن كان فيهما كل ما يتعلق بأمور الدين فليس فيهما كل ما يتعلق بأمور الدنيا.وأمور الدنيا لا تحتاج أن يفتي فيها فقيه دين وإنما يتبع فيها ما يشور به الناس ويرونه في صالحهم أو يحقق النفع لهم دون أن يكون فيه ما حرمه الدين عليهم. إن إطلاق اللحية وقص الشارب ولبس الجلباب لا يمكن اعتباره إعمالا للسنة النبوية أو اتباعا لها، لأنها ليست
من أمور الدين ، وكانت ثمة ظروف اقتضتها أو أعراف سائدة قررتها.

لقد قال الله لرسوله : وإنك لعلى خلق عظيم ،فمن أراد أن يقتدي برسول الله ويتبع سنته عليه أن يسأن نفسه: هل هو على خلق عظيم مثله أم لا؟، قبل أن يربي لحيته ويرسلها على صدره .ومن يحتج بأمر من أمور الدين عليه  أن يأتي بحجته من كتاب الله ومن أفعال رسول الله المتفقه مع ماورد في كتاب الله.

 لو اتبع المسلمون هذا المنهج ما توزعوا إلى فرق وجماعات وشيع وأحزاب دينية وما كان أمرهم فرطا وقتل بعضهم بعضا.والله سبحانه وتعالى يقول : إنما أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، فتحول الأمة الواحدة التي أرادها الله إلى عشرات الأمم ، لايمكن اعتبار هذه العشرات أمة محمد عليه السلام.التي طالما كان إماما واحدا فلابد أن تكون موحدة.
وليس كل من أسلم صار من أمة الرسول وإنما أمته من آمنوا وعملوا الصالحات ، وهم الذين يخاطبهم الله في كتابه، أما من دخل الإسلام وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت إن استطاع اليه سبيلا فهو مسلم فقط ويسأل بعد ذلك عن إيمانه وعن إحسانه..

 أشياء كثيرة اتفق عليها الفقهاء أو اختلفوا واعتبروها من الدين وهي ليست منه ، واتبعهم فيها خلق كثير خلال قرون متتابعة وتحتمل البطلان، ومنها الادعاء بأن في كتاب الله آيات تنسخ آيات أخرى حتي بلغ بهم الأمر أن جعلوا الناسخ والمنسوخ من علوم الدين ومثل ذلك الني نتج عن سوء قهمهم لبعض ما ورد في  كتاب الله وتغليب المنقول عن السلف على المعقول من القول ومقتضيات اللغة والسياق والفهم الصحيح للدين وأصوله ومقاصده.
وقد هداني الله إلى فهم مخالف لما هو شائع من تفسير لبعض آيات القرآن الكريم وكان لزاما علي أن أعلن ما توصلت اليه للناس ، فوجدت منهم صدودا ورفضا ولم أجد فيهم من يناقشني ويناقش حجتي ويصوب لي الخطأ إن وجد وكان كل ما بمقدورهم أن ذلك يخالف ما وجدوه في كتب الدين وما نقل عن كبار المفسرين، ومن ذلك ما قلت إن الصلاة الوسطي هي صلة الرحم ، وليست إحدى الصلوات المفروضة ،وإن الكوثر هو مبالغة في الكثرة ،والمقصود بها كثرة الأتباع ،وليس نهرا في الجنة، وأن الواو التي بدأت بها الكثير من السور ليست بالضروة ياء القسم ، وأن "والضحي والليل إذا سجى " فإن الواو هنا للتنبيه أو النداء ،والضحى رمز للنبي عليه الصلاة والسلام ....الخ
ويدخل في أمور الدنيا تدبير معاش الناس ونظم الحكم وسياسته وتنظيم المشورة والعمل بها ، مثلما في النظم الديموقراطية ،وكل ما يتعلق بالعلم والتعمير والإنتاج والتعليم والطب والتعمير والملاحة البحرية والحوية والقوات المسلحة والأمن والقضاء....وغير ذلك.

أما أن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم ، فهو ينصب على أحكام الله في كتابه فلايأتي بشر ويصدر حكما على خلاف ما حكم الله به في كتابه ولكنه يعمل الرأي فيما لم يرد به حكم لله. وعندما يكون الحاكم مسلما فإنه يفترض فيه ألا يصدر حكما مثل قرار أو مرسوم أو قانون يخالف ما قضي به الله في كتابه، وله فيما لم يرد فيه حكم في كتاب الله أن يعمل بالرأي بعد مشورة من يعنيهم الأمر أو من اختاروه ليمثلهم عنده.وكان لفهمي هويدي ومحمد عمارة أبحاث قديمه قيمة توضح هذا المعنى قرأتها في شبابي المبكر في مجلة العربي الكويتية وهذه الأبحاث تفسر الحاكمية بغير التفسير السياسي لأصحابها، سواء أبوالأعلى المودودي أو سيد قطب

ولم يكن الأستاذ حسن البنا رحمه الله  موفقا حين اختار شعار : القرآن دستورنا وفهمه أتباعه بأنه يغني عن أن يكون للدولة دستورها، وكان الأوفق أن يقول بإن القرآن مرجعنا ، فالآستاذ حسن البنا ، خريج دار العلوم ، جمع معارفه الدينية والتنظيمة من موارد شتي ، منها التصوف حيث كان والده متصوفا، ومنها الفكر السلفي لدى الجماعات السلفية وسائدا في التعليم الأزهري ومناهج دار العلوم، وتأثر بجمعية مكارم الأخلاق وبجمعية الشبان المسلمين وكلاهما مازال باقيا حتي اليوم ، وكان محبا للأدب العربي وذواقا للشعر وضليعا في اللغة العربية، ولكنه لم يدرس العلوم السياسية ولا التاريخ السياسي للدول وكلمة "دستور " كلمة مستحدثة في العربية واستخدمها العثمانيون كقانون الحكم في محاولتهم تقليد الدول الغربية لانتشال دولتهم من ضعفها وتخلفها. والقرآن ليس كتابا في السياسة وإنما في العقيدة الدينية وهو بهذه الصفة لا يغني عن أن يكون للدولة قانونها الدستوري المنظم لحكمها وحقوق المواطنين وواجباتهم قبل الدولة.

الدجالون


عرف تاريخ العالم العديد من الدجالين ، وفي أسطورة المسيخ الدجال ، التي يؤمن بها اليهود، وانتقلت الى المسلمين ، وتوجد أحاديث نبوية تذكره أشك في صحتها وأظنها من الاسرائيليات ، تقول الأسطورة أنه في آخر الزمان يظهر في بلاد الغرب رجل كذوب يدعي أنه المسيح قد عاد إلى الأرض ، والغرب هنا يقصد به غرب العالم القديم وينطبق على أسبانيا وفرنسا والمغرب الأقصى، ويأـي هذا الرجل بعجائب تشبه ما كان يأتي به المسيح في حياته من شفاء المرضي وقيل إحياء الموتي أيضا ، فيفتتن به الناس ويتبعه خلق كثير يقودهم نحو الشرق حيث يلتقي فيه بالمسيح الحقيقي وتدور بينهما معركة في موقع بالقرب من أورشليم إسمه أرمجدون ،وينتصر في المعركة المسيح الحقيقي وأتباعه على الدجال وأتباعه ويتوج ملكا على العالم

ويقولون بأن المسيخ الدجال سيولد في فلسطين من إمرأة فلسطينية إسمها مريم مثلما ولد المسيح الحقيقي من قبل من السيدة مريم العذراء ، ولكي يتحكم اليهود في القضاء والقدر،حسب نهجهم وتفكيرهم ، فإنهم يخطقون كل مولود لفلسطينة إسمها مريم وينقلونه الى دولة في الغرب ، ويعهدون به إلى أسرة يهودية تربيه دون أن تعلمه شيئا من الدين ، وتعلمه فقط بعض الحيل السحرية وتسخير الجن فيها، ويراقبونه فإذا ظهرت له خواص غير عادية تبنوه، وإن كبر ولم يظهر عليه شيء غير عادي ، تخلت عنه الأسرة اليهودية التي ربته وتركته يد=بر أمور معيشته بنفسه. وقد قابلت رجلا في المغرب ينطبق عليه ما سبق، وأخبرتني سيدة أنها في شبابها التقت بشاب في فرنسا يعمل في السكك الحديدية مثله وعرض عليها الزواج ولم تهتم به حين أخبرها بأنه لادين له ولو أنه تربي في أسرة يهودية صارحته بأنه اختطف بعد ولادته من فلسطين وتم إيهام أمه بأنه مات حين ولادته.

ما يهمنا هنا هو إمكانية ظهور دجالين يتبعهم خلق كثير بعد أن يتمكنون من خداعهم .ومنهم من له شهرة عريضة مثل راسبوتين في روسيا ومن ادعى كل منهم بأنه المهدي المنتظر وتسبب في سفك دماء مئات الآلاف من المسلمين في عالمنا العربي ومنهم من تمكن من إقامة إمبراطورية مترامية الأطراف بعد أن هدم مدائن عامرة وأغرق بلاده في بحور الدم مثل بن تومرت مؤسس دولة الموحدين الذي هدم مدينتي أغمات ودخل بجنوده مراكش فأباد سكانها بعد أن استعصت عليه زمنا وحاصر مدينة مكناس وعندما قرر سكانها التسليم له أباحها لجنودة ينهبونها، واستعان أحد خلفائه بجيش من المرتزقة الأوروبين هاجم به مدينة تمبكتو شمال مالي الحالية فقتلوا رجال الدين المسلمين وعلقوهم على أبواب المساجد وأحرقوا مكتباتها، وجعلوا الأفارقة يكرهون الدين الإسلامي بعد أ، كانوا يقبقلون عليه يعد أن شاهدوا ما يفعله المسلمون في المسلمين مثلهم من فظائع ، رغم أن القتلة لم يكونوا من المسلمين.
ومع أن بن تومرت كان سفاحا ودجالا، نجد شوارع ومؤسسات تحمل اليوم إسمه بينما قبر يوسف بن تاشفين ، الحاكم الزاهد الورع، والذي أسس قبله دولة المرابطين لا يكاد أحد يعرف القبر المدفون به والمهمل عمدا في مدينة مراكش بالمغرب.

وإذا كان أكثر الدجالين يستخدمون الدين طلبا للسلطة والسيادة والثروة فقد شاهدنا فى زماننا دجالين يتخذون من قيم ومبادئ السياسة وغيرها وسيلة لهم لاستقطاب الأتباع وتحقيق هوى النفس ويتمكنون من خداع ملايين البشر ، ويستغلون جهلهم للتمكن من إغوائهم وخداعهم وتسخيرهم في خدمة أهدافهم ، والتي لاتختلف عن أهداف دجالي الدين ، أي السلطة والنفوذ والثروة.

وقد يكون من أهم الأسئلة التي تقرض نفسها في زماننا هو سؤال : كيف نحمي الشعوب من الدجالين؟...قد تكون الإجابة سهلة بأن حمايتهم لا تتحقق بغير تمكينهم من المعارف الصحيحة والعلمية التي يسهل إثبات صحتها والبرهنة على تلك الصحة، إلا أن الصعب هو كيف يمكن أن يتحقق ذلك عمليا؟..وقد يقول قائل : إن تحقق ذلك يقتضي إصلاح وتطويو مناهج وأساليب التعليم، وهو محق في ذلك، ولكن كيف يتحقق ذلك؟ومن الذي سيعهد إليهم بإصلاح التعليم وفي ظل أي نظام حكم ؟..لقد اطلعت في مصر على منهج أحد العلوم ووجدته قد تطور كثيرا بالمقارنة بما درسته منه قبل حوالي ستين عاما، ولكنني شككت في أن يكون قد تم تطوير المدرس الذي سيدره بحيث يسهل عليه تعليمه لتلاميذه. وتداعي في هذا الشأن ما قرأته عن تجربة دولة فنلندا حين قررت تطوير مناهج التعليم فيها وأخضعت المدرسين لديها لدورة تكوين بحيث تمكنهم من تدريس العلوم الحديثة وكل الظروف تؤكد صعوبة تحقيق مثل ذلك في مصر، إن لم نقل استحالة ذلك ، إن ظلت الأمور على ماهي عليه حاليا

قبل عدة أعوام ، دعوت شعوب دول شمال أفريقيا لتحقيق ما سميته وقتها : الحركة المجتمعية للتنمية، وكنت وقتها استبعد تماما قيام ثورات أو انتفاضات تغير الأوضاع القائمة، وأرها مستحيلة في ظل تحكم الاستبداد والفساد في الدول ، واخلال موازين القوى، وأنه في حالىة قيام تلك الثورات أو الانتفاضات التي أستبعد قيامها ، فلن يتحقق التغيير المنشود.وسافرت الى السودان قرب نهاية عام 2010 وتصادف أن التقيت بثلة من أساتذة الجامعات المهتمين بالسياسة في أم درمان ،وعرضت عليهم الفكرة ، فلم يأخذوا عليها إلا أنها ستتطلب أكثر من عشرين عاما حتي تتمكن من تحقيق التغيير المنشود ، وهم يتطلعون إلى تغيير فوري، وقلت لهم وقتها مثلا إنجليزيا ترجمته:أن يأتي الشيء متأخرا خير من أن لايأتي أبدا ولأن الإنسان خلق عجولا ، فلم يتحمسوا لتحقيق الفكرة ، ولم يبذلوا بعد ذلك أي جهد من أجلها.
وقامت ثورات في تونس ومصر وليبيا، وتابعتها، وظننت أنني كنت مخظئا عندما استبعدت احتمال قيامها، وهرب من تونس إلى السعودية رئيسها بن علي وترك السلطة في مصر محمد جسني مبارك وذهب وقتها الى قصره في شرم الشيخ قرب الحدود مع اسرائيل ، وقتل في ليبيا بعد ذلك معمر القذافي ، إلا أن حكم البلاد في الدول الثلاثة تمكن منه دجالون من جميع الأنواع ، ولم يتحقق للشعوب الثلاثة ما كانت تأمله من الثورة حتى اليوم. وظل السودان الذي انقسم الى دولتين فاشلتين، على حاله، إن لم أكن في حال أسوء مما كان عليه، ولم يتغير شيء في المغرب أو الجزائر، ونفس الشيء في دول جنوب الصحراء الكبرى.

لقد قلت حين اندلعت تلك الثورات إنه لن يتحقق منها شيء ما لم تمتلك تلك الثورات نظاما أفضل من النظام القائم ونقافة مغايرة له، ولقد استطاعت الأنظمة أن تحافظ على نفسها وأن تظل الثقافة السائدة على ماهي عليه ، ولذلك لم يحدث التأخير المنشود.

Monday, October 8, 2012

قهر الفقر وغياب التنمية الشاملة وشيوع الفساد في مصر

 
لم تكن المعاناة الاقتصادية في صدارة دوافع طليعة الثوار من الشباب الذين خرجوا في مظاهرات يوم 25 يناير، إلا أنها كانت على رأس المظالم التي دفعت أغلب طوائف الشعب المصري لمباركة الثورة ومناصرتها حتى سقط النظام يوم 11 فبراير 2011. وقد أظهرت سلسة من استطلاعات الرأي التي أجريت بعد نجاح الثورة الأهمية التي يوليها الأغلبية الكاسحة من المصريين لتحسين الحالة الاقتصادية في البلاد، حيث جاء هدف تحقيق طفرة اقتصادية على رأس أولويات 82% من المصريين في أحد هذه الاستطلاعات، فيما أظهر استقصاء آخر أن نفس الأغلبية – أي 82% – سيؤيدون الحزب السياسي الذي يعد بتحقيق معدلات أعلى من التشغيل من خلال الإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الخارجية وتعزيز التجارة الخارجية.
ومن ثم فإنه لا ريب من أن التحدي الأهم الذي سيواجه أي حكومة تأتي إلى سدة الحكم في المرحلة المقبلة في مصر سيتمثل في إيجاد فرص عمل ودعم الصادرات واجتذاب استثمارات أجنبية تمكن الاقتصاد المصري من تحقيق معدلات نمو مرتفعة تضمن تحسن مستوى المعيشة للمصريين، وهي كلها أمور لم يحقق النظام السابق النجاح المنشود فيها. ولن نسرد هنا التاريخ الاقتصادي لمصر على مدار العقود الثلاثة الأخيرة، ذلك أن هذا ليس الغرض من هذا الفصل، وإنما سنسعى لرسم الملامح العامة للمعاناة الاقتصادية للمصريين وكيف ساهمت في تأجيج مشاعر الغضب والحنق تجاه النظام.
وفي رأيينا، فإن ظواهر كتفشي الفقر وتدني الأجور وانتشار البطالة تعد عوارض لعوار أعمق أصاب هيكل الاقتصاد المصري. فهناك دول كثيرة ومجتمعات عديدة – كالهند والبرازيل مثلاًيعاني أهلها من الفقر وتدني الأجور، إلا أنها لا تشهد ثورات ولا يسود الإحباط في أوساط شبابها كما ساده في مصر، التي وضح فيها أن الأمل كان قد قتل في نفوس المصريين وأنهم لم يعد لديهم ثقة في المستقبل بسبب ما نراه انه سوء تطبيق النظام لسياسات التحرر الاقتصادي والتحول من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر. فمع اعترافنا بصعوبة الوضع الاقتصادي لمصر عند تولي الرئيس السابق حسني مبارك مقاليد الحكم في أكتوبر 1981 لأسباب متعددة منها الحروب التي خاضتها مصر، والديون التي تراكمت عليها، وسياسات الحقبة الناصرية الاشتراكية التي قضت على القطاع الخاص، والآثار السلبية التي تركتها تجربة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، إلا أن النتيجة تظل انه بعد ثلاثين عاماً من الإصلاحات الاقتصادية وبعدما أعفت الدول الغربية مصر من نسبة كبيرة من ديونها الخارجية بعد حرب الخليج الثانية في عام 1991، فشلت الدولة في تحقيق نقلة نوعية في مستويات معيشة المصريين، وهو ما نجحت فيه دول أخرى واجهت ظروف مشابهة لمصر، مثل كوريا الجنوبية واندونيسيا وماليزيا وفيتنام، وفي هذا الصدد لا يجوز التذرع بالزيادة السكنية المطردة، أو بندرة الموارد، فجميعها ظروف عانت منها المجتمعات النامية التي حققت طفرات اقتصادية كبرى.
ومن مفارقات القدر أن تحسن الأداء الاقتصادي كان من أهم ما يسوّقه النظام السابق لشرعنة بقائه واستمراره في الحكم. وما من شك أن العديد من الخطوات الإيجابية تحققت في السنوات الأخيرة في عدة مجالات، كمعالجة بعض التشوهات الاقتصادية الكلية، وتحقيق معدلات نمو معقولة، وتحسين البيئة الاستثمارية، وتوفير خدمات تكنولوجيا المعلومات لمجتمع الأعمال، وبناء مشاريع للبنية التحتية. إلا أن الإشكالية الرئيسية التي واجهت الاقتصاد المصري، ولاسيما خلال العقد الأول من القرن الحالي، هو عدم ترجمة هذه الخطوات الإيجابية والتحسن الذي طرأ على بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي إلى تحسن ملموس في مستوى معيشة المواطن المصري العادي. ويرى العديد من خبراء الاقتصاد والتنمية أن السبب الرئيسي لفشل السياسات الاقتصادية للحكومة المصرية منذ مطلع التسعينات هو أنها لم تحقق التنمية بمفهومها الواسع والذي يمتد لما هو أبعد من مؤشرات الاقتصاد الكلي ليشمل التنمية البشرية الشاملة، وهو ما عبر عنه بعض المعلقين بالقول أن "المؤشرات الاقتصادية لا تسمن ولا تغني من جوع." وقد تجلت إخفاقات النظام السابق في احتلال مصر – بعد ثلاثين عاماً من برامج الإصلاح الاقتصاديالمرتبة 101 من أصل 169 دولة قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بحصر حالة التنمية البشرية فيها عام 2010، وفي المركز 14 بين الدول العربية. ويعد تردي النظام التعليمي في مصر أهم الشواهد على تراجع التنمية البشرية، حيث مازال حوالي 40% من المصريين يعاونون من الأمية، فيما حققت دول عربية غير نفطية أخرى نجاحات كبيرة في مجال محو الأمية، فقد وصلت نسبة المتعلمين في كل من الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة إلى 99%، وإلى 94% في تونس، وإلى 92،5% في سوريا، و90% في الجزائر.
وقد أدت عدة عوامل مجتمعة – وفي مقدمتها ضعف النظام التعليمي – إلى انتشار البطالة في أوساط الشباب، فقد أظهرت الإحصاءات أن 92% ممن يعانون من البطالة هم من المتعلمين ممن هم دون سن الثلاثين وأن 50% من هؤلاء العاطلين عن العمل في المرحلة العمرية من 20-25 سنة، وذلك لأن التعليم المصري كان يخرج أجيالاً من الشباب غير المؤهلين للمنافسة بكفاءة في سوق العمل وغير القادرين على توفير الأيادي العاملة المدربة القادرة على دفع عجلة الإنتاج. ويتجسد ذلك في الإحصاءات التي توضح أن أعداد العاطلين من المتعلمين والحاصلين على الشهادات العليا أعلى بكثير مما هي عليها بالنسبة لحاملي الشهادات دون المتوسطة وغير المتعلمين، والذين يعانون بدورهم من ضعف شديد في دخولهم.
وقد أدى ذلك كله إلى انتشار الفقر وتحوله إلى ظاهرة وقفت الدولة مكتوفة الأيدي أمامها، فقد كشفت الإحصاءات الدولية عن أن حوالي 44% من المصريين يعيشون على أقل من دولارين في اليوم وأن 20% محرومون من الخدمات الأساسية اللازمة للاستمتاع بمستوى ملائم للمعيشة.
ومن ثم، فإن النتيجة التي نخلص إليها هي أن الاقتصاد المصري كان يعاني من حلقة مفرغة من الجهل والفقر، حيث يساهم تردي التعليم وضعف مستوى الخريجين في ارتفاع معدلات البطالة وضعف النمو الاقتصادي مما يقلل من معدلات الادخار ويحد من مستويات الاستثمار المحلي ويجعل المستثمر الأجنبي يتردد في الدخول إلى السوق المصري لأنه لا يجد الأيادي العاملة المدربة، وهو ما يعود ويؤجج مشكلة البطالة ويفضي إلى زيادة وانتشار الفقر في المجتمع.
كما ترتب على سوء تطبيق سياسات التحرر الاقتصادي وإهمال التنمية البشرية الشاملة حدوث خلل جسيم في هيكل الدخل في المجتمع المصري، فاتسعت الفجوة بين الطبقات وازداد الأغنياء غناءً والفقراء فقراً، وشعرت الطبقة الوسطى – والتي يفترض أنها عماد المجتمع – بضغط شديد نتيجة الارتفاع المضطرد في الأسعار وزيادة تكاليف الحياة دون أن يقترن ذلك بزيادة مماثلة في الدخل. وعبرت الوثائق والدراسات الدولية عن هذه الظاهرة بجلاء، حيث تظهر الإحصاءات أن الشريحة الأغنى من المجتمع المصري – والتي تمثل 30% من الشعب – استحوذت على 73% من الدخل القومي، فيما لم تحظ شريحة الـ 30% الأكثر فقراً سوى على 12% من الدخل. أما الطبقة الوسطى التي تمثل الـ 40% الواقعة بين هاتين الشريحتين، فكان نصيبها من الدخل القومي حوالي 15% فقط، وهو أبلغ دليل على اختلال التوازن والعدل في توزيع الثروة في البلاد وإخفاق الدولة في تحقيق الحد الأدنى من العدالة لاجتماعية.
ومن هنا، فإنه يصبح منطقياً أن يؤدي فشل النظام في تحقيق التنمية الشاملة في المجتمع المصري وما أنتجه ذلك من ضعف في الأداء الاقتصادي إلى إفقاد النظام أحد أهم ركائز شرعيته. فقد كان العقد الاجتماعي الضمني المبرم بين الشعب المصري وحكّامه يقضي بأن يوفر النظام حياة كريمة للمصرين في مقابل بقائه في السلطة، وهو العقد الذي أخل به النظام بفشله في ضمان حد أدنى من الرفاهية والرخاء للمصريين. كما أن إخفاق الدولة في تحقيق تقدم اقتصادي كبير في مصر أثبت عدم صحة النظرية التي كان يتبناها النظام والقائلة بأنه يتعين التمهل في القيام بإصلاحات سياسية جذرية إلى حين تحقيق نجاحات في المجال الاقتصادي. وبالتالي، تضافرت هذه الظروف مع غيرها من المعطيات السياسية والاجتماعية لتأجج شعور المصريين بضياع الأمل ولتفقدهم الثقة في قدرة النظام على توفير مستقبل أفضل لهم ولأسرهم ولتشعل غضب المصريين، الذي لم ينطفئ بعد. ولا شك أن شيوع الفساد قد ساهم بدوره في تعزيز الفقر وإجهاض كل محاولات إسقاط ثمار التنمية على القطاع الأوسع من الشعب.
لم يكن يخفى على المصريين، قبل ثورة 25 يناير، أن بلدهم تعاني من الفساد بمختلف أنواعه وعلى اختلاف مستوياته ومجالاته، إلى الحد الذي دفع ما نسبته 13% ممن شملهم استقصاء للرأي أجري في عام 2009 للمطالبة بضرورة وضع مكافحة الفساد على قمة أولويات الحكومة. إلا أن التحقيقات التي أجريت في الأيام والأسابيع التي تلت تنحي الرئيس السابق عن سدة الحكم وسقوط رموز نظامه كشفت عن اتهامات بالفساد تفوق حجماً ونوعاً توقعات المهتمين بملف الفساد في مصر. لقد انتشر الفساد في الكثير من القطاعات الحكومية وأخذ أشكالاً وأنماط متعددة. لم يقتصر الفساد على صغار الموظفين الإداريين من المعدومين الذين يحاولون زيادة دخلهم المتواضع، بل امتد إلى كبار موظفي الدولة وقيادات بعض من أجهزتها الإدارية الذي وجهت لهم الاتهامات باستغلال مناصبهم إما للتربح أو لمساعدة المقربين منهم بشكل غير مشروع. وكما فعلنا في المباحث السابقة، فلن نتناول تفاصيل صور وأنماط الفساد الذي عانت منه مصر، فهذا أمر متشعب الأبعاد ومتعدد الجوانب منها القانوني والاقتصادي والاجتماعي، كما أن تحقيقات الأجهزة القضائية والرقابية في العديد من القضايا والدعاوى مازالت جارية حتى كتابة هذه السطور، وإنما سنحاول فقط أن نتلمس ملامح شيوع الفساد وتوغله في المجتمع المصري، ومدى تأثير ذلك على خروج الشعب المصري غاضباً وثائراً.
لقد تعددت أوجه وأشكال الفساد في مصر، وعايش كل مواطن مظاهره في تعاملاته اليومية مع العديد من الأجهزة والدواوين الحكومية، كما تناولته وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والعديد من الأعمال الفنية على مدار الأعوام فكشفت عن الكثير من فضائحه وسلطت الضوء على ممارساته المعيبة التي ارتكبها بعض من المسئولين الحكوميين أثناء تأدية وظائفهم، كما تناولته العديد من التقارير والبحوث الأكاديمية. وامتد الفساد من الأعمال الإدارية البسيطة لأجهزة في الدولة إلى قرارات هامة مرتبطة باستغلال وتوظيف المال العام، ومن ظاهرة المحسوبية و"الواسطة" في التوظيف إلى الفساد السياسي والتزاوج بين المال والسلطة.
وقد حددت تقارير مؤسسة الشفافية الدولية، وهي من أبرز المنظمات العاملة في مجال مكافحة الفساد، أهم الأنشطة الحكومية التي شهدت مخالفات إدارية، والتي جاء في مقدمتها المشتريات الحكومية، وإساءة استغلال وتبديد المال العام وممتلكات الدولة، واتخاذ قرارات إدارية لتحقيق منفعة لأشخاص أو جهات بعينها، ودفع رشاوى للحصول على استثناءات من اللوائح أو لإنهاء إجراءات إدارية، وللتعيين في الوظائف الحكومية. ولم تسلم السياسية هي الأخرى من الفساد، فشاع ما يعرف بـ "شراء الأصوات " خلال الانتخابات، وانتشرت معلومات حول قيام الدولة بـ "تفصيل القوانين" لخدمة مصالح أفراد بعينهم، كما تردد أن مسئولين حكوميين سهلوا لأشخاص مقربين من السلطة الاستيلاء على المال العام والاستحواذ على مؤسسات وأراضي مملوكة للدولة بأثمان بخسة. ولهذا كله تكرر قبوع مصر في مراكز متأخرة في تصنيفات المؤسسة لمعدلات الفساد العالمية، فاحتلت مصر المرتبة 70 من أصل 163 دولة تم دراسة حجم الفساد فيها في عام 2006، ثم تأخر ترتيب مصر في العامين التاليين اللذين شهدا دراسة حالة 180 دولة، حيث جاءت مصر في المركز 105 في عام 2007، ثم تراجعت إلى رقم 115 في عام 2008. وجدير بالذكر أن هذه التقارير الدولية – والتي تتمتع بقدر كبير من المصداقية – لم تكتف برصد انتشار الفساد في مصر، بل سجلت تناميه واستفحاله في الأعوام الأخيرة.
وبلا شك فإن الفساد الإداري ظاهرة لا تنفرد بها مصر، وإنما هو واقع تعايشه وتعاني منه جميع دول العالم، بما فيها الدول المتقدمة والديمقراطية. لكن أكثر ما ميز الفساد في المجتمع المصري، وجعله أكثر خطورة وتأثيراً على حياة المواطن، هو استشرائه رغم وجود إطار قانوني متكامل يجرم الفساد وأجهزة رقابية مكلفة بإنفاذ هذه القوانين وملاحقة المفسدين. وبمعنى آخر، فقد كان لدى مصر – وبشهادة المنظمات الدولية – إطار قانوني معقول ومجموعة جيدة من الآليات والأجهزة الرقابية المخصصة لمكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين، إلا أن هذه الآليات عانت من التهميش والتقويض والتكبيل. وليس أدل على ذلك من عدد وحجم الأجهزة الرقابية المتعددة القائمة في مصر والتي شملت تخصصاتها مكافحة كافة أوجه وأنماط الفساد. فهناك هيئة الرقابة الإدارية، والنيابة الإدارية، ومباحث الأموال العامة، والجهاز المركزي للمحاسبات، وجهاز الكسب غير المشروع، ووحدة مكافحة غسل الأموال، بالإضافة إلى أجهزة تنظيمية ورقابية كالبنك المركزي الذي ينظم ويراقب أداء القطاع المالي المصرفي، والهيئة العامة للرقابة المالية التي تتولى التنظيم والرقابة لقطاعات التأمين وسوق رأس المال والتمويل العقاري وغيرها من النشاطات المالية غير المصرفية، وجهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار وجهاز حماية المستهلك، وأخيراً النيابة العامة صاحبة الاختصاص الأصيل بتحريك الدعوى الجنائية، والوحيد بمباشرتها.
ومن هنا تأتي المفارقة ويثور التساؤل عن مصدر هذا الفساد الذي استشرى بمختلف أشكاله وأنواعه والذي امتد من القطاع العام وأجهزته إلى القطاع الخاص وكياناته؟ وكيف سُمح للفساد أن يتحول إلى منظومة كلفت مصر – وفق دراسات دولية – ما يقرب من ستة مليار دولار سنوياً بين عامي 2000 و2008؟ وتتطلب الإجابة الشافية والوافية على هذا السؤال أكثر بكثير مما هو مخصص هنا لمسألة الفساد.
وفي جميع الأحوال، فإنه من المؤكد أن غياب إستراتيجية وطنية واضحة لمنع وقوع الفساد من خلال إصلاح مواطن الخلل القانوني والإداري والاقتصادي التي تسمح للمفسدين بأن يمارسوا نشاطهم يمثل واحداً من أهم الأسباب التي أدت إلى استفحال الفساد في مصر، حيث لا يمكن لجهود الملاحقة الجنائية للمفسدين وحدها أن تقف في وجه منظومة الفساد.
لقد ساهم تدخل السلطة التنفيذية في عمل الأجهزة الرقابية ومنعها من تأدية مهامها وغض البصر عن التقارير التي كانت ترفعها بشأن بعض وقائع الفساد في المساعدة على انتشارها، فلم تكن هذه الجهات الرقابية تتمتع بالقدر الواجب من الحرية والاستقلال القانوني والمالي والإداري، كما لم يكن عملها في بعض الحالات على القدر الواجب من الكفاءة المهنية، حيث قيدت اللوائح والنظم الإدارية التقليدية من قدرتها على استقطاب الكفاءات، وكانت تصدر في بعض الأحيان توجيهات سياسية بتوقف أعمال الرقابة عند مستوى معين من الوظائف أو بتجاهل تقارير هذه الأجهزة. وقد اقترنت هذه الممارسات مع ما سبق تناولنه حول الزواج المشئوم بين المال والسلطة الذي أدى إلى اعتلال السياسة في مصر، وساهم في تفاقم حالات تضارب المصالح، مما هيأ المناخ لكثيرين ممن كانوا في السلطة لتحقيق مكاسب طائلة أو على الأقل خلق البيئة المناسبة في الاعتقاد في ذلك. ويجب ألا ننسى في هذا الصدد أن الإحساس بوجود فساد لا يقل خطورة عن وجود الفساد بشكل حقيقي.
وكان للفساد بكافة أشكاله، والذي أصاب الحياة الاقتصادية بقدر ما شاع في العمل السياسي، نصيب كبير في تأجيج مشاعر الغضب لدى المصريين وفي ترسخ قناعتهم باستحالة إصلاح النظام، فدفعهم للثورة على النظام والمطالبة بإسقاطه يوم 25 يناير 2011، ومن ثم الدعوة لتطهير البلاد من المفسدين، وهي الدعوة التي لباها المصريون في المظاهرة المليونية المعروفة بجمعة التطهير يوم 11 إبريل 2011، والتي صدر في أعقابها قرارات حبس الرئيس السابق وأبنائه على ذمة التحقيق في بلاغات تتضمن التربح وسوء استغلال السلطة والفساد، وهي البلاغات التي قضي فيها فيما بعد بانقضاء الدعوى الجنائية في شق منها وبالبراءة في شق أخر.
 -----------------------------------------
*عن كتاب الجمهورية الثانية في مصر من تأليف :الأستاذ الدكتور محمود شريف بسيوني
أستاذ القانون والرئيس الفخري لمعهد القانون الدولي لحقوق الإنسان
بكلية الحقوق جامعة دي بول في شيكاجو بالولايات المتحدة
ورئيس المعهد العالي للدراسات العليا في العلوم الجنائية بسيراكوزا بإيطاليا
والرئيس الفخري للجمعية الدولية للقانون الجنائي في باريس
والأستاذ محمد هلال
باحث ومحاضر بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة