أثبت النظام السياسي القائم في مصر فشله وقد آن الأوان لاستبداله بنظام سياسي جديد يستجيب لا حتياجات الشعب المصري في التنمية والتقدم والحرية والكرامة وخاصة بعد ثورة الشعب المصري في 25 يناير والشروع في أعادة النظر في الدستور..وقد قال الكثيرون غيري بأن المطلوب ليس تغيير بعد مواد الدستور وإنما إنشاء دستور جديد. وعندما يطلب المجلس العسكري الحاكم ممن عينهم لتعديل الدستور أن تتم التعديلات في عشرة أيام فإن هذا يعني أنه يريد أن يظل الدستور الحالي على ماهو عليه وأن يتم فقط تعديل المواد التي سبق للرئيس المخلوع إن قام بتغييرها لصالح استمراه في الحكم مدى الحياة وكانت موضع انتقاد المعارضين له. تعديل الدستور فقط يعني استمرار النظام السياسي على حاله بينما كان هدف قومة الشعب وثورته هو أسقاط النظام وليس الحاكم فقط.
كثير ممن كانوا يدافعون عن النظام القائم وما به من مركزية مفرطة وتركيز كافة الصلاحيات في يد رئيس الدولة كانوا يدافعون عنه بحجة تافهة وهي أن النظام السياسي طوال التاريخ المصري كان مركزيا وكأن هذا قدر على مصر لايمكن الانفكاك منه حتى لو كان ضار بمصالح الشعب وبالديموقراطية كنظام يجسد ارادة الشعب..وقد سبق لي أن أوضحت بأن العالم يتجه الآن للتحول من الديموقراطية البرلمانية الى الديموقراطية التشاورية أو التشاركية التي تسمح للشعب باستمرار في المشاركة الفعالة في صنع القرارات الحيوية التي تمس مصالحه وتنظيم المواطنين والمؤسسات في شبكات أفقية لا تخضع لتتنظيم مركزي هرمي.وبررت ذلك بأن العصر الحالي التي برزت فيه الثورة الأليكترونية والمعلوماتية بالتغير السريع للتقنية العلمية ومسايرة ايقاع العصر السريع والمختلف عن السابق يحتاج أيضا لنظام يكفل القدرة على سرعة اتخاذ القرارات السريعة التي تمس المواطنين في الحاضر وتؤثر أيضا على مصالح الأجيال القادمة. وهو ما لاتحققة بكفاءة حاليا النظم الديموقراطية الحالية في العالم والتي أفرزها عصر الثورة الصناعية بينما يتطلب زمن الثورة المعلوماتية ديموقراطية جديدة متوائمة معه.أي أن هذا التحول الى الديموقراطية التشاركية فرضته ثورة المعلوميات .
ولهذا كله فإن من حق الشعب المصري بعد ثورته التي أشاد بها كل حكومات وشعوب العالم أن يحصل بعدها على أفضل نظام حكم ممكن. ويقتضي ذلك التخلص من الحكم المركزي واستبداله بحكم لا مركزي يأخذ شكل الحكم الفيدرالي الموجود حاليا في العديد من دول العالم وكانت الهند سباقة اليه منذ استقلالها عام 1945 واعتمدته ألمانيا أيضا بعد الحرب العالمية الثانية ، كما يوجد حاليا في سويسرا وأسبانيا والعديد من دول العالم . ومن أهم مزايا هذا الحكم أن يكون لكل منطقة جغرافية يمكن تسميتها بمقاطعة أو ولاية أو جهة إقتصادية برلمان وحكومة منبثقة منه تتولي رعاية كل مصالح السكان وتحسين أوضاعهم دون تدخل من الحكومة الاتحادية التي تحل محل الحكم المركزي لكنها لا تملك كل صلاحياته السابقة والتي تتولاها تلك الجهات الاقتصادية.
في هذا الشأن يمكن النظر في تقسيم الدولة المصرية الى المناطق الاقتصادية التالية:
1_ منطقة سيناء وقناة السويس وتشمل شبه جزيرة سيناء ومدن القناة الثلاث وبحيث يتم العمل على تعمير سيناء وزيادة الكثافة السكانية بها بزيادة السكان فيها بحيث لا يقل عددهم عن عشرة ملايين نسمة كحد أدني في أقرب وقت ممكن .ويقتضي ذلك إعادة توزيع الأراضي المستصلحة في سهل الطينة شمال غرب سيناء على صغار الفلاحين واستزراع سهل العريش وأودية سيناء وكذلك تحويل شرق قناة السويس الى منطقة حرة للتجارة العالمية وللصناعة المخصصة للتصدير ،وهو المشروع الذي أوقفه النظام البائد بدعوى أن الأراضي شرق القناة رخوة ولا تصلح للبناء..ويتطلب الأمر أيضا أعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد بالدخول في مفاوضات بغرض تعديلها بما يتفق مع سيادة كل الدول على أراضيها.
2- منطقة شرق الدلتا : وتشمل محافظات الشرقية والدقهلية ودمياط وتتخذ من المنصورة أو الزقازيق عاصمة لها ومن دمياط مينائها
البحري.
3- منطقة الدلتا : وتشمل محافظات القليوبية والمنوفية والغربية وكفر الشيخ وتتخذ من طنطا عاصمة لها ومن مدينة رشيد ميناء لها
4- منطقة غرب الدلتا: وتشمل محافظات البحيرة ومرسى مطروح والواحات البحرية وتتخذ من الأسكندرية عاصمة لها ومن الاسكندريةومطروح موانئا لها وغربا الى الحدود مع ليبيا.
5- منطقة القاهرة الكبري وتشمل القاهرة والجيزة وبني سويف والفيوم وتتخذ من الغردقة ميناء لها
6- منطقة الصعيد الأوسط : وتشمل محافظات المنيا وأسيوط وسوهاح والواحات.وتتخذ من أسيوط عاصمة لها ومن ميناء سفاجا ميناء لها.
7- منطقة الصعيد الأعلى والنوبة : وتشمل محافظات قنا وأسوان وتمتد جنوبا حتى الحدود مع السودان وتتخذ من أسوان عاصمة لها ومن ميناء مرسى علم ميناء لها على البحر الأحمر.
ويتم استعادة ملكية كل الأراضي في مشروع مفيض توشكا وتوزيعها على صغار الفلاحين المصريين لزراعتها كما يتم مد قناة توشكا شمالا عبر الواحات الداخلة والخارجة وحتى منخفض القطارة وتوزيع كافة الأراضي على جانبي القناة على صغار الفلاحين المصريين. إن هذا لايتطلبه تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية فقط وإنما يتطلبه زيادة الانتاجية وتحقيق الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية للدولة وضمان أمنها بإعادة توزيع السكان على كامل أرض الوطن.
وتقوم كل منطقة بعمل شبكة طرق برية وسكك حديدية ونهرية إن أمكن تربط كل المناطق السكنية بها من مدن وقرى بالعاصمة والميناء البحري وتضع من السياسات التي تكفل لها تحقيق الاحتياجات الأساسية لسكانها من مأكل ومشرب وإسكان وتعليم وصحة وتحسين أحوالهم المعيشية.
وبالنسبة لقطاع غزة وعلاقته بأمن واستقرار سيناء وبمتطلبات التفاوض مع اسرائيل على تعديل اتفاقية كامب ديفيد فإنه يقترح أعادة الادارة المصرية للقطاع كما كان عليه الحال قبل عام 1967 وفتح الحدود بين القطاع وشبه جزيرة سيناء وحرية الحركة بين سيناء والفطاع للسكان دون أية عوائق ، على أن يتم أجراء استفتاء تحت إشراف الأممم المتحدة بعد ثلاث سنوات للسكان يخيرون فيه بين الانضمام الى مصر نهائيا أو الاستقلال عنها وبناء دولتهم الخاصة بهم .
ويجري انتخاب رئيس ونائب له لكل مقاطعة ممن رشحوا أنفسهم للمنصب ،وانتخابات لبرلمان المقاطعة ويقوم الرئيس المنتخب للمقاطعة بتكليف أحد أعضاء البرلمان بتشكيل حكومة تحوز ثقة البرلمان تشمل الاقتصاد والمالية والاسكان والتعليم والصحة والمواصلات والاتصالات والأمن والشئون المدنية والخدمات الاجتماعية والتجارة والزراعة والصناعة والنقل البحري والجوي ...الخ.ويلي ذلك انتخاب رئيس اتحادي من بين رؤساء المقاطعات السبع . كما يرشح برلمان كل مقاطعة عدد من أعضائه يحدده نسبة عدد السكان بالنسبة لسكان كامل الدولة لتمثيل المقاطعة في البرلمان الاتحادي والذي يقوم رئيس الدولة الاتحادي بتكليف أحد أعضائه بتشكيل حكومة تحوز ثقة البرلمان.وتقتصر مهام الحكومة الاتحادية على العلاقات الخارجية التمثيل الدبلوماسي لدى الدول الأجنبية وشئون الدفاع والصناعات العسكرية والبحث العلمي والبنك المركزي وما يسنده الدستور اليها.
ما سبق هو مجرد اقتراحات للتشاور حولها والاستنارة بها عند إنشاء دستور جديد للبلاد.أرجو أن تكون موضع اهتمام كل من يهمهم أمر مستقبل مصر وشعبها .
فوزي منصور
المدونة الشخصية لفوزي منصور، تجدون هنا أبحاث وملفات تعني بالشئون الدينية والاجتماعية والسياسية
Monday, February 28, 2011
Thursday, January 6, 2011
لم نحتاج إلى حركة مجتمعية للتنمية؟
بعد أكثر من خمسة عقود على حصول الدول الأفريقية على استقلالها باتت تلك الدول وأجهزة الحكم فيها عاجزة عن تنمية مجتمعاتها ومواصلة تقديم الخدمات الأساسية لها من تعليم وصحة وفرص عمل ، وانتشر في جنبات تلك المجتمعات الفقر والبطالة والعنف والفساد والجريمة ، وتفشت فيها الأمراض المهلكات، وتدهورت أوضاعها على كافة الأصعدة.
لست هنا بصدد بحث الأسباب ، ولكنني أكتفي بتوصيف واقع معاش بحثا عن حل يغيره ومخرج صدق منه يرفع عنا وطأة سلبياته.ولا أريد أيضا الخوض في غمار التنظير، ولدي الدول الأفريقية ما يزيد عن حاجتها من الأبحاث النظرية ومن المنظرين البارعين ، والإنتاج النظري الضخم منشور أو طرح في العديد من المؤتمرات والندوات من أعلامه أو في برامج الأحزاب الزائفة بعد أن صار أفضل إنتاج لدينا هو الثرثرة .ولذا لا يحتاج الأمر إلى المزيد منها. وقد مرت عقود تلو أخرى وبلادنا غارقة فيها وآن الوقت لكي نتوقف عن إهدار الزمن في إعادة إنتاج مقولات قد تكون صحيحة وبليغة ، ولكنها غير منتجة. ولم يكن لها أدني تأثير في تغيير الواقع الذي تبشر به.وإنما تزداد الأوضاع تأزما، والتحديات حدة . وإذا ظللنا نكتفي بالتنظير\م فقد يأتي يوم نعجز فيه عن الفعل، ونستسلم للموت بمعناه الوجودي وليس الفسيولوجي، ونحن في واقعنا الحالي أشبه الموتى فعلا، ولكن لازال بالإمكان ممارسة الفعل المغير ، لو توفر لدينا الوعي والإرادة.
أحاول إذن بالدعوة إلى حركة مجتمعية للتنمية أن أنتقل من الفكر النظري إلى الفكر العملي. فمع تفاقم الأخطار ، وتردي الأوضاع المتواصل، أرى أن الاكتفاء بالجدل الثقافي والسياسي ، دون المبادرة لمباشرة عمل يجسد إرادتنا ونزوعنا نحو التغيير ، وإقامة مجتمعات جديدة وحديثة مزدهرة وحية وعادلة ومتكافلة ومتحدة وتمتلك ما استطاعت من مفاتيح ومصادر وموارد القوة المادية والمعنوية والرمزية ومتطلبات المناعة والتحرر والتقدم، لا يعني الامتناع عن العمل أو القصور فيه سوى الانتحار عن عمد أو غفلة .
إن أكبر تناقض يسقط فيه الكثيرون يتمثل في أقرارهم بأن الدولة باتت عاجزة عن الفعل ، ثم ينتظرون في ذات الوقت إن يتم التغيير المنشود عن طريق مؤسساتها ، بينما فاقد الشيء لا يعطيه. ومن العبث أيضا أن نتصور أننا عندما نرفع شعارات الحداثة والديموقراطية وإدماج المرأة في التنمية (دون أن يكون ثمة تنمية) سنتمكن بذلك من حل مشاكل مجتمعاتنا المتفاقمة.
إن ما تسعى اليه الحركة المجتمعية هو حشد كل القوى الحية في المجتمع من أجل العمل الجماعي لتحقيق تنمية شاملة اقتصادية وانسانية في معزل عن الدولة ومؤسساتها وبيروقراطيتها وفسادها وعنفها وقمعها، وأن نريحها منا ونرتاح منها ، ونتفرغ لما هو أجدى من خدمتها أو مشاكستها، فلا ندخل في صدام معها ولا نقيم سلطة بديلة لها أو الإضرار بمصالح القوى النافذة فيها ، أو إثارة مخاوفها ، حتى يحقق المجتمع كل ما يتوق اليه دون أن تعترضه عقبات أو يحد من اندفاعه عوائق تعرقل مسيرته تحو تحقيق التقدم والثروة والحرية والكرامة والوحدة والعدالة الاجتماعية.
ولا يحتاج المنهج العملي الذي تدعو إليه الحركة المجتمعية إلى شعارات أو أيديولوجيات أو صراعات سياسية أو ثقافية أو ثقافية ، وإنما يحتاج أن يعرف كل فرد في المجتمع دوره وينخرط في أدائه مع باقي أفراد المجتمع في تواد وتراحم وتضامن وتكافل . ولا يعني هدا أننا لسنا حاجة إلى الفكر أو الاختلاف فيه بمعني تعدد الرؤى، بل سنكون في أمس الحاجة الى ذلك، وإلى الابداع الفكرى المستمر والنهوض بالثقافة المجتمعية التي تعود بالنفع المباشر وغير المباشر على المجتمع وتساهم في رقيه وتقدمة وانعتاقة من ربقة الفقر والتخلف، ولكن تعاطينا للفكر والثقافة يتم ونحن نعمل لكي نحسن من مستوى العمل وليس قبل البدء في العمل ، مع تجنب ترك العمل والانشغال عنه بسجالات فكرية عقيمة ، أو بتقسيم جلد النمر قبل صيده. وعندما نهجر السياسة فإننا نهجرها فقط عندما ينحصر دورها في الصراع على السلطة ولكننا نمارسها كعلم ينحصر دورة في حسن أدارة معاش الناس وفقا لما وصفها به علماء المسلمين في زمن إزدهار حضارتهم التي أفلت. وبهذا الفكر العملي المنشود نتمكن من إقامة مجتمع موحد يكون مثل البنيان يشد بعضه بعضا أو مثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى مودة خالصا وتراحما إنسانيا قويا ، ودون أن يكون لذلك علاقة بنظام الحكم ولا بالتعددية الحزبية أو الثقافية أو الطائفية أو الفكرية أو بمؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات وعير ذلك ، فكل هذه المؤسسات حكومية وغير حكومية يفترض أنها تتكون من أفراد مواطنات ومواطنين يعملون داخل شبكات الحركة المجتمعية ومؤسساتها كجزء لا يتجزأ منها وخارج الحركة فليفعلوا ما يشاؤون، يؤدون وظائفهم الحكومية أو أنشطتهم المدنية غير الحكومية ، يؤيدون الحكومة ويشكلونها أو يعارضونها ، يشاركون في الانتخابات العامة أو يقاطعونها، يتصارعون سياسيا أو يتحالفون ويتهادنون، ولكن كل ما يمارسونه من تلك الأنشطة يظل خارج نطاق الحركة ومؤسساتها ولا يؤثر على عملهم فيها أو يضر بمصالحها التي هي مصالح جميع المواطنين أويعوق تحقيقها لأهدافها في خدمة المجتمع والنهوض به.
فلسفة الأسرة وثقافة الحركة المجتمعية:
لأن الحركة مجتمعية ، والأسرة هي أصغر خلية في المجتمع ، والأفراد خارج الأسرة لا يمثلون اجتماعا أو مجتمعا مترابطا،فإن الحركة المجتمعية للتنمية تعتمد ما يمكن تسميته بفلسفة الأسرة بالمفهوم الواسع للأسرة والذي يشمل الأسرة الممتدة ، والتي تتشكل على أساسها القبائل في العديد من المجتمعات الأفريقية. وهي بالتالي لا تقر ب "الفردانية" والفلسفة الغربية القائمة عليها والتي هي نتاج التحولات التي شهدتها المجتمعات الغربية خلال عصر الثورة الصناعية.
ولأن الحركة المجتمعية أفريقية ، وتسعي إلى إقامة تنمية اقتصادية وإنسانية واسعة النطاق الجغرافي في شمال أفريقيا ، فمن الطبيعي أن تستلهم فلسفة الأسرة لديها قيم التراث الأفريقي قبل المسيحية والإسلام وبعدهما.
ولأن الحركة المجتمعية تجمع شتات مجتمعات تدين بالمسيحية أو الإسلام فمن الطبيعي أن تلتزم بالقيم والتعاليم المسيحية والإسلامية وتحترمها ولا تتنكر لها. من ناحية لأن المجتمع لن يرقى ويتحقق له السلام والأمن الاجتماعي ما لم يحترم تلك القيم ويتخلق بها ومن ناحية أخرى لن يتيسر الحشد المطلوب في مجتمع يغلب عليه التدين والتمسك بعقائده الدينية. ولأن الحركة المجتمعية تسعي نحو التقدم والتحديث فهي تلتزم أيضا بالقيم الحضارية الإنسانية التي تتفق مع أفضل ما في تراثها الحضاري والديني والتي تتفق مع قيمة الحداثة وفي مقدمتها قيمتي : التعقيل والإبداع. والتي تعد الحداثة الغربية أحدى تطبيقاتها ،وليست في نفس الوقت النموذج الوحيد والمثالي لها رغم ما حققته من نجاحات في المجالات العلمية والتقنية ، وتعطي لذلك الحركة المجتمعية مثلها كل الاهتمام للعلوم الإنسانية والتطبيقية وللبحث العلمي وتطوير التقنيات وتبيئتها دون إهدار للقيم الروحية أو الإضرار بالبيئة الطبيعية، أو استنزاف لمواردها لمواردها المتجددة بما يحول دون تجددها ، أو الإسراف في استهلاك أو تبديد الموارد الطبيعية الناضبة بما يحول دون تمتع الأجيال القادمة من خيراتها.
هذه إذن الثقافة الحاكمة للحركة المجتمعية المتوافقة مع ماهيتها ، والتي تعينها على أن يكون لها هوية مجتمعية متطورة وراقية وتقدمية بقدر ما تتقدم به على درب التحديث لبنياتها واقتصادياتها والتقدم العلمي والإنساني والازدهار المجتمعي.
وهذه الثقافة ، بمحتواها المادي والروحي ، هي ثقافة عملية أثبتت تاريخيا صلاحيتها، وهي حاليا معاقة أو غائبة عن حياة المجتمعات الأفريقية القائمة، ومن الطبيعي أن تسعى حركة تنشد التقدم والتحديث أن تعيد إليها الحياة والحضور الدائم والفاعلية في المجتمع .
ما سبق ذكره هنا هو موجز لدواعي الحاجة إلى الحركة المجتمعية وطبيعتها ، ومقدمة لتفصيل ما هيتها وبيان للفكر العملي الدال عليها، والذي قد يخالطه بعض التنظير إن اقتضى الحال كشروح ضرورية له.
فوزي منصور
لست هنا بصدد بحث الأسباب ، ولكنني أكتفي بتوصيف واقع معاش بحثا عن حل يغيره ومخرج صدق منه يرفع عنا وطأة سلبياته.ولا أريد أيضا الخوض في غمار التنظير، ولدي الدول الأفريقية ما يزيد عن حاجتها من الأبحاث النظرية ومن المنظرين البارعين ، والإنتاج النظري الضخم منشور أو طرح في العديد من المؤتمرات والندوات من أعلامه أو في برامج الأحزاب الزائفة بعد أن صار أفضل إنتاج لدينا هو الثرثرة .ولذا لا يحتاج الأمر إلى المزيد منها. وقد مرت عقود تلو أخرى وبلادنا غارقة فيها وآن الوقت لكي نتوقف عن إهدار الزمن في إعادة إنتاج مقولات قد تكون صحيحة وبليغة ، ولكنها غير منتجة. ولم يكن لها أدني تأثير في تغيير الواقع الذي تبشر به.وإنما تزداد الأوضاع تأزما، والتحديات حدة . وإذا ظللنا نكتفي بالتنظير\م فقد يأتي يوم نعجز فيه عن الفعل، ونستسلم للموت بمعناه الوجودي وليس الفسيولوجي، ونحن في واقعنا الحالي أشبه الموتى فعلا، ولكن لازال بالإمكان ممارسة الفعل المغير ، لو توفر لدينا الوعي والإرادة.
أحاول إذن بالدعوة إلى حركة مجتمعية للتنمية أن أنتقل من الفكر النظري إلى الفكر العملي. فمع تفاقم الأخطار ، وتردي الأوضاع المتواصل، أرى أن الاكتفاء بالجدل الثقافي والسياسي ، دون المبادرة لمباشرة عمل يجسد إرادتنا ونزوعنا نحو التغيير ، وإقامة مجتمعات جديدة وحديثة مزدهرة وحية وعادلة ومتكافلة ومتحدة وتمتلك ما استطاعت من مفاتيح ومصادر وموارد القوة المادية والمعنوية والرمزية ومتطلبات المناعة والتحرر والتقدم، لا يعني الامتناع عن العمل أو القصور فيه سوى الانتحار عن عمد أو غفلة .
إن أكبر تناقض يسقط فيه الكثيرون يتمثل في أقرارهم بأن الدولة باتت عاجزة عن الفعل ، ثم ينتظرون في ذات الوقت إن يتم التغيير المنشود عن طريق مؤسساتها ، بينما فاقد الشيء لا يعطيه. ومن العبث أيضا أن نتصور أننا عندما نرفع شعارات الحداثة والديموقراطية وإدماج المرأة في التنمية (دون أن يكون ثمة تنمية) سنتمكن بذلك من حل مشاكل مجتمعاتنا المتفاقمة.
إن ما تسعى اليه الحركة المجتمعية هو حشد كل القوى الحية في المجتمع من أجل العمل الجماعي لتحقيق تنمية شاملة اقتصادية وانسانية في معزل عن الدولة ومؤسساتها وبيروقراطيتها وفسادها وعنفها وقمعها، وأن نريحها منا ونرتاح منها ، ونتفرغ لما هو أجدى من خدمتها أو مشاكستها، فلا ندخل في صدام معها ولا نقيم سلطة بديلة لها أو الإضرار بمصالح القوى النافذة فيها ، أو إثارة مخاوفها ، حتى يحقق المجتمع كل ما يتوق اليه دون أن تعترضه عقبات أو يحد من اندفاعه عوائق تعرقل مسيرته تحو تحقيق التقدم والثروة والحرية والكرامة والوحدة والعدالة الاجتماعية.
ولا يحتاج المنهج العملي الذي تدعو إليه الحركة المجتمعية إلى شعارات أو أيديولوجيات أو صراعات سياسية أو ثقافية أو ثقافية ، وإنما يحتاج أن يعرف كل فرد في المجتمع دوره وينخرط في أدائه مع باقي أفراد المجتمع في تواد وتراحم وتضامن وتكافل . ولا يعني هدا أننا لسنا حاجة إلى الفكر أو الاختلاف فيه بمعني تعدد الرؤى، بل سنكون في أمس الحاجة الى ذلك، وإلى الابداع الفكرى المستمر والنهوض بالثقافة المجتمعية التي تعود بالنفع المباشر وغير المباشر على المجتمع وتساهم في رقيه وتقدمة وانعتاقة من ربقة الفقر والتخلف، ولكن تعاطينا للفكر والثقافة يتم ونحن نعمل لكي نحسن من مستوى العمل وليس قبل البدء في العمل ، مع تجنب ترك العمل والانشغال عنه بسجالات فكرية عقيمة ، أو بتقسيم جلد النمر قبل صيده. وعندما نهجر السياسة فإننا نهجرها فقط عندما ينحصر دورها في الصراع على السلطة ولكننا نمارسها كعلم ينحصر دورة في حسن أدارة معاش الناس وفقا لما وصفها به علماء المسلمين في زمن إزدهار حضارتهم التي أفلت. وبهذا الفكر العملي المنشود نتمكن من إقامة مجتمع موحد يكون مثل البنيان يشد بعضه بعضا أو مثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى مودة خالصا وتراحما إنسانيا قويا ، ودون أن يكون لذلك علاقة بنظام الحكم ولا بالتعددية الحزبية أو الثقافية أو الطائفية أو الفكرية أو بمؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات وعير ذلك ، فكل هذه المؤسسات حكومية وغير حكومية يفترض أنها تتكون من أفراد مواطنات ومواطنين يعملون داخل شبكات الحركة المجتمعية ومؤسساتها كجزء لا يتجزأ منها وخارج الحركة فليفعلوا ما يشاؤون، يؤدون وظائفهم الحكومية أو أنشطتهم المدنية غير الحكومية ، يؤيدون الحكومة ويشكلونها أو يعارضونها ، يشاركون في الانتخابات العامة أو يقاطعونها، يتصارعون سياسيا أو يتحالفون ويتهادنون، ولكن كل ما يمارسونه من تلك الأنشطة يظل خارج نطاق الحركة ومؤسساتها ولا يؤثر على عملهم فيها أو يضر بمصالحها التي هي مصالح جميع المواطنين أويعوق تحقيقها لأهدافها في خدمة المجتمع والنهوض به.
فلسفة الأسرة وثقافة الحركة المجتمعية:
لأن الحركة مجتمعية ، والأسرة هي أصغر خلية في المجتمع ، والأفراد خارج الأسرة لا يمثلون اجتماعا أو مجتمعا مترابطا،فإن الحركة المجتمعية للتنمية تعتمد ما يمكن تسميته بفلسفة الأسرة بالمفهوم الواسع للأسرة والذي يشمل الأسرة الممتدة ، والتي تتشكل على أساسها القبائل في العديد من المجتمعات الأفريقية. وهي بالتالي لا تقر ب "الفردانية" والفلسفة الغربية القائمة عليها والتي هي نتاج التحولات التي شهدتها المجتمعات الغربية خلال عصر الثورة الصناعية.
ولأن الحركة المجتمعية أفريقية ، وتسعي إلى إقامة تنمية اقتصادية وإنسانية واسعة النطاق الجغرافي في شمال أفريقيا ، فمن الطبيعي أن تستلهم فلسفة الأسرة لديها قيم التراث الأفريقي قبل المسيحية والإسلام وبعدهما.
ولأن الحركة المجتمعية تجمع شتات مجتمعات تدين بالمسيحية أو الإسلام فمن الطبيعي أن تلتزم بالقيم والتعاليم المسيحية والإسلامية وتحترمها ولا تتنكر لها. من ناحية لأن المجتمع لن يرقى ويتحقق له السلام والأمن الاجتماعي ما لم يحترم تلك القيم ويتخلق بها ومن ناحية أخرى لن يتيسر الحشد المطلوب في مجتمع يغلب عليه التدين والتمسك بعقائده الدينية. ولأن الحركة المجتمعية تسعي نحو التقدم والتحديث فهي تلتزم أيضا بالقيم الحضارية الإنسانية التي تتفق مع أفضل ما في تراثها الحضاري والديني والتي تتفق مع قيمة الحداثة وفي مقدمتها قيمتي : التعقيل والإبداع. والتي تعد الحداثة الغربية أحدى تطبيقاتها ،وليست في نفس الوقت النموذج الوحيد والمثالي لها رغم ما حققته من نجاحات في المجالات العلمية والتقنية ، وتعطي لذلك الحركة المجتمعية مثلها كل الاهتمام للعلوم الإنسانية والتطبيقية وللبحث العلمي وتطوير التقنيات وتبيئتها دون إهدار للقيم الروحية أو الإضرار بالبيئة الطبيعية، أو استنزاف لمواردها لمواردها المتجددة بما يحول دون تجددها ، أو الإسراف في استهلاك أو تبديد الموارد الطبيعية الناضبة بما يحول دون تمتع الأجيال القادمة من خيراتها.
هذه إذن الثقافة الحاكمة للحركة المجتمعية المتوافقة مع ماهيتها ، والتي تعينها على أن يكون لها هوية مجتمعية متطورة وراقية وتقدمية بقدر ما تتقدم به على درب التحديث لبنياتها واقتصادياتها والتقدم العلمي والإنساني والازدهار المجتمعي.
وهذه الثقافة ، بمحتواها المادي والروحي ، هي ثقافة عملية أثبتت تاريخيا صلاحيتها، وهي حاليا معاقة أو غائبة عن حياة المجتمعات الأفريقية القائمة، ومن الطبيعي أن تسعى حركة تنشد التقدم والتحديث أن تعيد إليها الحياة والحضور الدائم والفاعلية في المجتمع .
ما سبق ذكره هنا هو موجز لدواعي الحاجة إلى الحركة المجتمعية وطبيعتها ، ومقدمة لتفصيل ما هيتها وبيان للفكر العملي الدال عليها، والذي قد يخالطه بعض التنظير إن اقتضى الحال كشروح ضرورية له.
فوزي منصور
السودان على سطح تنور يفور
من حصاد زيارتي للسودان :
وصل أمس يوم 3يناير الرئيس السوداني عمر البشير إلى جوبا عاصمة جنوب السودان في زيارة مفاجئة يرافقه فيها وفد كبير للتباحث مع حكومة الجنوب بعد أن صار باقيا على موعد إجراء الاستفتاء الخاص بانفصال جنوب السودان أسبوعا واحدا.حيث ينتظر إجراء الاستفتاء في موعدهااالمحدد يوم 9 يناير الجاري. وقد فسرت الزيارة بأنها جاءت للتأكد من أن الاستعدادات لإجراء استفتاء نزيه وشفاف في جنوب السودان قد اكتملت وأيضا لإيجاد حلول عاجلة للمسائل الخلافية العالقة بين الجانبين ،
وحسب معلوماتي الخاصة فقد وصل إلى الجنوب في منتصف ديسمبر الماضي وفد من حزب المؤتمر الحاكم في زيارة غير معلنة تنتهي في 8 يناير الجاري وذلك للتباحث مع حزب الحركة الشعبية حول موضوعات منها تأجيل الاستفتاء وهو ما بلغ أمره الحكومة الأمريكية فأجرى الرئيس أوباما عدة اتصالات مع رئيس مفوضية الاستفتاء ومع على عثمان طه نائب رئيس الجمهورية يؤكد عليهما ضرورة إجراء الاستفتاء في موعده ولم يكتف بذلك بل أوفد في حينها كل من رئيسي مصر وليبيا إلى الخرطوم لنفس الغاية. وحيث قدمت طعون في إجراءات التسجيل موثقة إلى المحكمة الدستورية تؤكد وقوع خروقات في عملية التسجيل منها تسجيل مواطنين أوغانديين من الوافدين حديثا على جنوب السودان في سجلات الاستفتاء،فضلا عن وجود طعن سابق في دستورية الاتفاقية المعقودة بين الجانبين والمنظم الاستفتاء بموجبها، وقبلتهما المحكمة شكلا وأرسلت استفسارات في شأن الطعن في إجراءات التسجيل لمفوضية الاستفتاء، فقد حرص الرئيس الأمريكي على أن يطلب من رئيس المفوضية أن يجري الاستفتاء في موعده وألا تعطله أو تعيقه أية إجراءات قانونية. وقد أعلنت المفوضية بأنه تم تسجيل أربع ملايين ونصف ناخب من جنوب السودان ومن المناطق والدول الأخرى التي يتواجد فيها جنوبيين وتتشكك منظمات دولية في صحة الأرقام التي وردت في كشوف التسجيل بمختلف مناطق الجنوب والتي تزيد أو تقل عن العدد المفترض للمستوفين لشروط المشاركة في الاستفتاء.ورعم أنه تم تمديد المدة المخصصة للقيد فقد ظلت بعض مكاتب المفوضية تواصل التسجيل خارج المدة القانونية التي يفترض أن يتم فيها إغلاق التسجيل. وسبق لشان ريك مادوت نائب رئيس مفوضية استفتاء جنوب السودان أن قال في مؤتمر صحفي عقده بمقر المفوضية في جوبا إن أيام التصويت للناخبين الذين يحق لهم التصويت خلالها هي سبعة أيام وإن النتائج الأولية ستعلن بجوبا بعد ثلاثة أسابيع من الفرز، على أن تقوم المفوضية في الخرطوم بإعلان النتائج النهائية للاستفتاء.وبلغ عدد الذين يحق لهم التصويت حسب المفوضية 3.930.916 ناخبا، نحو 3.753.815 منهم سجلوا في ولايات جنوب السودان العشر و100.860 في ولاية الخرطوم و60.314 في دول المهجر.
واحتلت النساء صدارة قائمة التسجيل بنسبة 52% مقابل 48% للرجال، واحتلت ولاية الوحدة المتاخمة لولاية جنوب كردفان الشمالية أعلى نسبة تسجيل، حيث بلغ عدد المسجلين 500.975، واحتلت ولاية غرب بحر الغزال المجاورة لولايات دارفور أدنى نسبة حيث بلغ عدد المسجلين 164.497، في كل من ولايتي أعالي النيل وغرب الاستوائية500ـ ألف ولم تكن بطقات التصويت فيهما قد وصلت حين عقد شان ريك مادوت مؤتمره الصحافي.
وكانت السياسة الأمريكية حتى عهدي بيل كلينتون وجورج بوش تتجه نحو المحافظة على وحدة السودان مع العمل على إسقاط النظام الحاكم في الخرطوم إلا أنها تحولت بعد ذلك إلى تبني العمل على فصل الجنوب وتقسيم السودان تحت ضغوط اللوبيات الإسرائيلية. فقد قدم المبعوث الأمريكي جون دانفورث تقريرا لإدارة بوش في 26 أبريل 2002 خلص فيه إلى ضرورة إجراء تسوية في الحرب الدائرة بين جنوب وشمال السودان والتي تتطلب مصالح الولايات المتحدة وقفها سريعا واستبعد في نفس الوقت احتمال انفصال جنوب السودان باعتبار أن فصل الجنوب لن يؤدي الى السلام المنشود والدائم ، وبين دانفورث في تقريره ضرورة وجود آليات لضمان الحقوق السياسية والدينية والمدنية في إطار دولة موحدة. ومع بدايات عهد أوباما خرج على الملأ مبعوثه اسكوت جرايشن معلنا بأنه الولايات المتحدة تتوقع انفصال الجنوب وأنها مستعدة لذلك. وكان من أسباب تحول الولايات المتحدة من الحرص على وحدة السودان إلى السعي الحثيث نحو انفصاله هو التغييرات المحلية والمتمثلة في عدم التمكن من إسقاط حكومة الخرطوم من ناحية وتورط أوغندا في العمل على انفصال السودان ورغبتها في ضم جنوب السودان إليها بعد انفصاله في وحدة كونفيدرالية تضم أوغندا وكينيا وجنوب السودان أو وحدة فيدرالية بين أوغندا وجنوب السودان تحقق مطامع يوري موسيفيني حاكم أوغندا الاقتصادية وتدعمه سياسيا خاصة وأنه ينتمي في أوغندا إلى أقلية التوتسي وليس إلى أحدي القبائل الأوغندية الكبرى مثل اليوغندا والبانيورو والأشولي وقد عاني خلال السنوات الأخيرة من تذمر اليوغندا وملكها جنوب البلاد ومعارضتهم له، ومن هجمات جيش الرب الذي يقوده جوزيف كوني الذي ينتمي إلى قبيلة الأشولي شرق أوغندا.. ويلاحظ هنا بأن حكومة جنوب السودان قامت خلال السنوات الست الماضية باستبدال المناهج الدراسية في مدارس الجنوب إلى المناهج الدراسية في كينيا وأوغندا وترسل طلبة الجامعات إلى جامعات كمبالا ونيروبي.
عندما كنت في السودان الشهر الماضي كان كل شيء يبدو هادئا و طبيعيا في العاصمة إلا أن مظاهر التوتر والقلق كانت تبدو جلية في الندوات والاجتماعات التي تعقد هنا وهناك وتشارك فيها النخبة المثقفة السودانية ، وأيضا في مقالات الصحف اليومية العديدة، وفي تصريحات المسؤولين في الشمال والجنوب وفي أحاديث كل من التقيت بهم.
وكان أكثر ما يبعث القلق لديها هو الموضوع الأمني يليه الوضع الاقتصادي بعد الاستفتاء وانفصال جنوب السودان بمقتضاه. وكذلك توقع أعمال عنف قد تتحول إلى حرب شاملة وصرح ميليس زيناوي رئيس أثيوبيا الشهر الماضي بأن نشوب حرب جديدة في السودان بعد انفصاله سيكون بمثابة يوم القيامة في المنطقة وهو ما يفهم منه أن الحرب لن تقتصر على السودان وإنما ستشمل أيضا دول الجوار السوداني خاصة أثيوبيا وأوغندا وأر يتريا وكينيا وتشاد. وفي صحيفة نيويورك تايمز أكد كل من ديف ايغرز وجون برندرغاست بأن "الحرب في السودان هي قاب قوسين أو أدني". أما بالنسبة للوضع الاقتصادي فقد تخوف كثيرون من آثار حرمان الشمال من عائدات نفط الجنوب والذي اعتبره البعض بأنه كان العلاج لعلل الاقتصاد السوداني خلال السنوات الأخيرة. كما اضطر بنك السودان من تخفيض قيمة الجنية السوداني الجديد مقابل الدولار بنسبة تقارب العشرين بالمائة مما انعكس فورا على أسعار السلع في الأسواق وزاد من ارتفاع معدل التضخم والذي يخشي ان يكون جامحا وتعجز الحكومة عن التحكم فيه خلال الشهور القادمة من السنة الحالية. وفي ندوة عقدها الحزب الشيوعي السوداني في منتصف ديسمبر الماضي بجوبا قال سليمان حامد سكرتير الحزب في الجنوب بأن" الأسعار ارتفعت خلال الفترة من 2008 الى 2010 إلى أكثر من 480 في المائة الأمر الذي جعل المرتب يغطي 9 بالمائة من الاحتياجات الشهرية لأسرة من خمسة أفراد ، كما أن المرتب الأساسي للخريج الجامعي الذي يبلغ 370جنية أي ما يغطي 20 بالمائة من الحد الأدنى لتكاليف معيشته، وكذلك المعلم من الدرجة الرابعة مرتبه يبلغ 668 أي ما يغطي 36 بالمائة من احتياجاته الضرورية." علما بأن الجنية السوداني الجديد يساوي ثلاثة دراهم وإيجار الشقة الصغيرة في الخرطوم ل يقل عن خمسمائة جنية شهريا والشقة المفروشة فرشا متواضعا يبدأ إيجارها من ألف جنية شهريا.
المخاطر الأمنية المتوقعة في السودان بعد الانفصال:
فيما يتعلق بالوضع الأمني كانت هناك أسباب عديدة تستدعي القلق ومن أبرزها ما يلي:
1-القوات العسكرية التابعة لأحزاب المعارضة في اريتريا: حيث توجد معسكرات تدريب لأحزاب المعارضة السودانية في اقليم أجوردات باريتريا المتاخم للحدود مع السودان تضم حوالي أربعة آلاف مقاتل من شمال وجنوب السودان يتم تدريبهم يوميا بواسطة ضباط فرنسيين وربما كانوا إسرائيليين يتحدثون الفرنسية. وحشدت اريتريا مؤخرا قوات لها على حدودها مع السودان بالقرب من مدينة كسلا وشهدت الحدود اختراقات وهجمات من قبل الجيش الاريتري.
2-قوات الجيش الشعبي في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان: شاركت الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان في الانتخابات العامة التي أجريت في منتصف العام الماضي بمرشحين شماليين تابعين لها وكان منهم مالك عقار في ولاية النيل الأزرق وكذا مرشحين في دوائر بجنوب كردفان بجبال النوبة. وقد استمر تواجد قوات من جيش الحركة الشعبية في تلك المناطق رغم ما نصت عليه اتفاقية نيفاشا بإعادة انتشار الجيش الجنوبي وعودته إلى الجنوب كما امتنعت الحركة الشعبية عن ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب قبل الاستفتاء في مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان ومنطقة أبي البترولية بينما أكمل الجيش الحكومي في الشمال انسحابه من الجنوب بموجب تلك الاتفاقية. وتنص الاتفاقية أيضا بأنه في حالة الانفصال يتم إعادة أفراد جيش الجنوب من الشماليين الي الشمال وجزء كبير من هذا الجيش ينتمي إلى ولاية النيل الأزرق وجبال النوبة جنوب كردفان . وتجدر الإشارة هنا إلى تصريح غريب لمالك عقار والي ولاية النيل الأزرق قال فيه بأن ولاية النيل الأزرق من الأولي لها أن تكون جزءا من أثيوبيا المجاورة وليس من دولة السودان.
3-العصابات المسلحة في دارفور: قامت العصابات المسلحة الدارفورية التابعة لحركة العدل والمساواة وحركة تحرير دارفور بهجمات مشتركة في شمال دارقور تصدت لها قوات الشرطة وفي جنوب الفاشر عاصمة دارفور تصدت لها القوات المسلحة السودانية في النصف الثاني من ديسمبر الماضي وحسب البيانات الحكومية قد منيت قوات المتمردين بخسائر فادحة في الأرواح.كما قامت القوات الحكومية بقصف معسكرات شمال بحر الغزال تابعة لحركة تحرير دارفور التي يقودها مني اركو ميناوى الذي رفض تنفيذ ما اتفق عليه مع الحكومة السودانية في أبوجا من ترتيبات أمنية وتجريد قواته من السلاح ولجأ إلي جنوب السودان مما دعا حكومة الخرطوم بتقديم شكوى ضده الى مفوضية الاتحاد الأفريقي لخرقه اتفاق أبوجا الذي تمنع الماده 24 منه من تحريك قواته خارج إقليم دارفور والتواجد في جنوب السودان.
وكانت ثلاثة قيادات للعصابات المسلحة الدارفورية قد اجتمع في فندق بجوبا في نهاية شهر نوفمبر الماضي وضمت مني اركو ميناوي وعبد الواحد نور الذي قدم من فرنسا ثم عاد اليها بعد ذلك بالإضافة الي كل من أحمد عبد الشافع وأبوالقاسم إمام وحضر العشاء معهم قيادات عسكرية .ومن جيش الحركة الشعبية الجنوبية. طالب البشير حكومة جنوب السودان خلال زيارته الحالية لجوبا بعدم مساعدة قوات فصائل المتمردين الذين فروا من المعارك إلى الجنوب وهدد البشير بالتعامل مع المسؤولين عن إيواء المتمردين كما يتم التعامل مع الخارجين على القانون..وقد أعلن سلفاكير برناديت خلال زيارة البشير للسودان بأنه قرر طرد المعارضة الشمالية المسلحة من الجنوب وهو ﻻقيمة كبيرة له حيث كانت حكومة الجنوب قد منعتها من التحرك فبل قبل 9 يناير حتى يتم اﻻستفتاء في موعده، وطردهم سيتم عقب اﻻستفتاء وهو ما كان مقررا من قبل.
4- أعلن تجمع أحزاب المعارضة بأن أولوياته الحالية هي العمل على إسقاط الحكومة في الشمال عن طريق تنظيم انتفاضة شعبية ضدها وأكد ذلك أيضا محمد إبراهيم نقد أمين عام الحزب الشيوعي السوداني في ندوة بأم درمان حضرتها، ويمكن القول بأن المعارضة تعول على شباب من الخريجين العاطلين كانوا يعملون من قبل مع الحركة الشعبية قطاع الشمال والتي يتزعمها ياسر عرمان خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية السابقة ثم تنكرت لهم الحركة الشعبية بعد الانتخابات وانسحاب ياسر عرمان من منافسة البشير على الرئاسة وانضموا الي تجمع أحزاب المعارضة والذي توجد قيادته خارج السودان والتي تنفق عليهم بما يحقق لهم مستوى الكفاف مقابل تنفيذهم لما تكلفهم به في الداخل.ويكونون هؤلاء مجموعات صغيرة لكل منها رئيس ونائب رئيس وأمين صندوق ولكل مجموعة أسم تطلقه على نفسها مثل : الحرية والغد والمستقبل والشروق وغير ذلك من الألفاظ المتفائلة. وقد أشارت صحيفة الانتباهة السودانية التي يصدرها خال الرئيس البشير إلى أن لدي الأجهزة الأمنية معلومات عن مخطط لإثارة الفوضي في الشمال عقب الإعلان عن نتيجة الاستفتاء وأنه يتضمن القيام باغتيالات لبعض المسؤولين السودانيين. ومع أن مصداقية صحيفة الانتباهة هذه تعتبر محدودة الا أنه لو صدقت فيما أوردته فإن السيناريو الممكن هو أن ينشغل الجيش السوداني بهجمات عسكرية في الشرق عبر الحدود الاريترية ومن الجنوب في مناطق شمال بحر الغزال وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق بينما يتم إثارة الانتفاضة التي تأمل فيها أحزاب المعارضة في الخرطوم بغرض الاستيلاء على الحكم وإسقاط حكومة حزب المؤتمر الوطني الحاكم. والغريب في الأمر هو أنه رغم وجود هذه التهديدات الأمنية المحتملة فقد لاحظت أن معظم المناطق السكنية في الخرطوم وبحري وأم درمان وضواحيهما يلفها الظلام الدامس بالليل لعدم إضاءة أعمدة الإنارة إن وجدت. أي أن ظروف إثارة الفوضي والتخريب خلال الليل تعد مثالية لمن يقوم بذلك في ظل هذه الظلمة التي تلف تلك المدن الثلاثة. ومما يدل على وجود عدد كبير من العاطلين الجامعيين في السودان من تخصصات علمية غير مطلوبة داخل السودان أو خارجة أنه عندما أعلنت الحكومة عن شغل حوالي 5000وظيفة تقدم إليها خمسون ألفا.
.هل كان استفتاء جنوب السودان ضروريا؟
إن استعراض تاريخ السودان الحديث وحلقات التمرد المسلح في الجنوب على حكومة الخرطوم يتضح أن سوء الممارسات السياسية للحكومات المتعاقبة ومعالجتها لأوضاع الجنوب هي التي أوصلت البلاد الى هذا المنعطف الخطير الذي لايهدد فقط بانفصال الجنوب وإنما بتفتت السودان أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة الى كيانات صغيرة متناثرة لا تملك أي منها مقومات الدولة المستقلة من الموارد الطبيعية أو البشرية ولا تستطيع صيانة استقلالها. إن مبدأ تقرير المصير صاغته الأمم المتحدة أساسا لكي تنال الدول الخاضعة لاستعمار دول أخرى استقلالها، ولم يقرر لتفتيت الدول. وعندما بدأت أول حركة تمرد مسلح في الجنوب والتي عرفت بحركة أنيانا لم يرد في أدبيات تلك الحركة المطالبة بحق تقرير المصير وانتهي التمرد بتوقيع اتفاقية سلام بينها وبين حكومة الخرطوم في أديس أبابا.
وحتى عندما عاد الراحل جون قرنق من الولايات المتحدة بحصوله على درجة الدكتوراه منها وقام بقيادة حركة تمرد مسلحة جديدة بدعوى عدم وفاء الحكومة في الشمال بما تعهدت به في اتفاقية أديس أبابا وتقسيمها الولايات الجنوبية بدون اتفاق مع الجنوبيين لم يكن جون قرنق وقتها يطالب بتقرير المصير وعقد اتفاقية مع محمد عثمان الميرغني عام 1988 توصلا فيها لعقد مؤتمرفي يوليو 1989 لمناقشة القضية القومية لجنوب السودان وتجميد العمل بقوانين سبتمبر التي صدرت في أواخر عهد جعفر نميري لتطبيق الشريعة الإسلامية ولكن الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي ومعها حزب الأمة لم يكتفيان بإسقاط الاتفاق في البرلمان وإنما قامت الجبهة الاسلامية بتدبير انقلاب عسكري في 30 يونيو 1989 وحرضت على مواصلة الحرب مع الجنوب وصبغتها بصبغة دينية مما جعلها تمتد إلى 20 عاما وتكلف خزينة الحكومة في الشمال قرابة المائة مليار دولار فضلا عن مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمشوهين واستحقت بأن كتوصف بأنها أطول حرب في تاريخ القارة الأفريقية .ولم يكن ممكنا بعد ذلك التوصل إلى سلام مع الجنوبيين غير تلك الاتفاقية التي صيغت في واشنطن وأجبرت حكومة الخرطوم على التوقيع إليها في يناير 2005 بنيفاشا في كينيا على أن يتم بعد ست سنوات من توقيعها إجراء استفتاء للجنوبيين فقط يقررون فيه البقاء في دولة الوحدة أو الانفصال عن دولة السودان وإقامة دولتهم الخاصة بهم. وقد ترتب على تنفيذ هذه الاتفاقية أن حكمت حركة تحرير جنوب السودان الجنوب منفردة وشاركت أيضا في الحكومة المركزية. وهي اليوم تنادي بالانفصال عن السودان وتعمل من أجله ولم تستفد حكومة الخرطوم من أنفاقها مليار دولار في الجنوب خلال السنوات الست لجعل الوحدة جاذبة ويختارها الجنوبيون في الاستفتاء.ولم يكن الحزب الحاكم وحده هو الذي وافق على منح الجنوبيين حق تقرير المصير وإنما وافقت كل أحزاب المعارضة على ذلك فيما عدا الحزب الوطني الاتحادي إلى حد ما. وتنص الاتفاقية على فترة انتقالية لمدة ستة أشهر بين التصويت على الانفصال في 9 يناير واستكمال استقلال الجنوب في 9 يوليوز 2011.
ومن غير المتوقع أن يستفيد معظم المواطنين في جنوب السودان من انفصال الجنوب بسبب فساد الطغمة العسكرية الحاكمة في الجنوب والذي استشرى حتى بلغ الأمر ببعضهم بيع أراض لا يملكون حق التصرف فيها لأمريكيين وإسرائيليين في الجنوب. وسعي الرئيس الأوغندي في تمويل مشروعات مكلفة من عائدات بترول الجنوب وأيضا بسبب إدمان حكومة الجنوب على الاستدانة من الخارج وهو ما يعني أن موارد الدولة المالية سيتم استنفادها ويبق المواطنون على حالهم يعانون من الفقر والمرض وسوء الأوضاع المعيشية، ولو أن هذا أيضا هو الوضع الذي يعيشه اغلب المواطنين في الشمال أيضا حاليا وإن بنسبة أقل.
ومع غلبة التيار الانفصالي حاليا في الجنوب فإن ذلك لا يمنع من وجود جنوبيين كانوا يتمنون لو استمرت الوحدة بين الشمال والجنوب وخاصة القبائل الجنوبية التي تتحسب من سيطرة قبيلة الدينكا الحالية على مقاليد الحكم في الجنوب وعلى الجيش وهو ما قد ينجم عنه صراعات قبلية مسلحة داخل الجنوب ويهدد السلم الاجتماعي. كما يخشي المسلمون والذي تبلغ نسبتهم حوالي 18 في المائة من سكان الجنوب أن يسيئ معاملتهم بعد الانفصال قادة الدينكا المسيحيين ويعاملونهم معاملة تمييزية وهؤلاء يفضلون وحدة ولكن ليس في ظل الظروف والشروط القائمة في شمال البلاد.
ومبدأ اقتسام السلطة والثروة التي اعتمدته اتفاقية نيفاشا وتطالب بمثله الآن العصابات المسلحة في دارفور لا يعد مستمدا من علم السياسة وإنما يعد مستمدا من عالم المافيا ففي علم السياسة لا يتم الحديث عن قسمة الغنيمة وإنما مشاركة المواطنين في الاستفادة من الثروة الوطنية وفي صنع القرار السياسي وفق أنظمة سياسية واقتصادية قويمة وديموقراطية تحقق العدالة الاجتماعية للجميع.
فوزي منصور
وصل أمس يوم 3يناير الرئيس السوداني عمر البشير إلى جوبا عاصمة جنوب السودان في زيارة مفاجئة يرافقه فيها وفد كبير للتباحث مع حكومة الجنوب بعد أن صار باقيا على موعد إجراء الاستفتاء الخاص بانفصال جنوب السودان أسبوعا واحدا.حيث ينتظر إجراء الاستفتاء في موعدهااالمحدد يوم 9 يناير الجاري. وقد فسرت الزيارة بأنها جاءت للتأكد من أن الاستعدادات لإجراء استفتاء نزيه وشفاف في جنوب السودان قد اكتملت وأيضا لإيجاد حلول عاجلة للمسائل الخلافية العالقة بين الجانبين ،
وحسب معلوماتي الخاصة فقد وصل إلى الجنوب في منتصف ديسمبر الماضي وفد من حزب المؤتمر الحاكم في زيارة غير معلنة تنتهي في 8 يناير الجاري وذلك للتباحث مع حزب الحركة الشعبية حول موضوعات منها تأجيل الاستفتاء وهو ما بلغ أمره الحكومة الأمريكية فأجرى الرئيس أوباما عدة اتصالات مع رئيس مفوضية الاستفتاء ومع على عثمان طه نائب رئيس الجمهورية يؤكد عليهما ضرورة إجراء الاستفتاء في موعده ولم يكتف بذلك بل أوفد في حينها كل من رئيسي مصر وليبيا إلى الخرطوم لنفس الغاية. وحيث قدمت طعون في إجراءات التسجيل موثقة إلى المحكمة الدستورية تؤكد وقوع خروقات في عملية التسجيل منها تسجيل مواطنين أوغانديين من الوافدين حديثا على جنوب السودان في سجلات الاستفتاء،فضلا عن وجود طعن سابق في دستورية الاتفاقية المعقودة بين الجانبين والمنظم الاستفتاء بموجبها، وقبلتهما المحكمة شكلا وأرسلت استفسارات في شأن الطعن في إجراءات التسجيل لمفوضية الاستفتاء، فقد حرص الرئيس الأمريكي على أن يطلب من رئيس المفوضية أن يجري الاستفتاء في موعده وألا تعطله أو تعيقه أية إجراءات قانونية. وقد أعلنت المفوضية بأنه تم تسجيل أربع ملايين ونصف ناخب من جنوب السودان ومن المناطق والدول الأخرى التي يتواجد فيها جنوبيين وتتشكك منظمات دولية في صحة الأرقام التي وردت في كشوف التسجيل بمختلف مناطق الجنوب والتي تزيد أو تقل عن العدد المفترض للمستوفين لشروط المشاركة في الاستفتاء.ورعم أنه تم تمديد المدة المخصصة للقيد فقد ظلت بعض مكاتب المفوضية تواصل التسجيل خارج المدة القانونية التي يفترض أن يتم فيها إغلاق التسجيل. وسبق لشان ريك مادوت نائب رئيس مفوضية استفتاء جنوب السودان أن قال في مؤتمر صحفي عقده بمقر المفوضية في جوبا إن أيام التصويت للناخبين الذين يحق لهم التصويت خلالها هي سبعة أيام وإن النتائج الأولية ستعلن بجوبا بعد ثلاثة أسابيع من الفرز، على أن تقوم المفوضية في الخرطوم بإعلان النتائج النهائية للاستفتاء.وبلغ عدد الذين يحق لهم التصويت حسب المفوضية 3.930.916 ناخبا، نحو 3.753.815 منهم سجلوا في ولايات جنوب السودان العشر و100.860 في ولاية الخرطوم و60.314 في دول المهجر.
واحتلت النساء صدارة قائمة التسجيل بنسبة 52% مقابل 48% للرجال، واحتلت ولاية الوحدة المتاخمة لولاية جنوب كردفان الشمالية أعلى نسبة تسجيل، حيث بلغ عدد المسجلين 500.975، واحتلت ولاية غرب بحر الغزال المجاورة لولايات دارفور أدنى نسبة حيث بلغ عدد المسجلين 164.497، في كل من ولايتي أعالي النيل وغرب الاستوائية500ـ ألف ولم تكن بطقات التصويت فيهما قد وصلت حين عقد شان ريك مادوت مؤتمره الصحافي.
وكانت السياسة الأمريكية حتى عهدي بيل كلينتون وجورج بوش تتجه نحو المحافظة على وحدة السودان مع العمل على إسقاط النظام الحاكم في الخرطوم إلا أنها تحولت بعد ذلك إلى تبني العمل على فصل الجنوب وتقسيم السودان تحت ضغوط اللوبيات الإسرائيلية. فقد قدم المبعوث الأمريكي جون دانفورث تقريرا لإدارة بوش في 26 أبريل 2002 خلص فيه إلى ضرورة إجراء تسوية في الحرب الدائرة بين جنوب وشمال السودان والتي تتطلب مصالح الولايات المتحدة وقفها سريعا واستبعد في نفس الوقت احتمال انفصال جنوب السودان باعتبار أن فصل الجنوب لن يؤدي الى السلام المنشود والدائم ، وبين دانفورث في تقريره ضرورة وجود آليات لضمان الحقوق السياسية والدينية والمدنية في إطار دولة موحدة. ومع بدايات عهد أوباما خرج على الملأ مبعوثه اسكوت جرايشن معلنا بأنه الولايات المتحدة تتوقع انفصال الجنوب وأنها مستعدة لذلك. وكان من أسباب تحول الولايات المتحدة من الحرص على وحدة السودان إلى السعي الحثيث نحو انفصاله هو التغييرات المحلية والمتمثلة في عدم التمكن من إسقاط حكومة الخرطوم من ناحية وتورط أوغندا في العمل على انفصال السودان ورغبتها في ضم جنوب السودان إليها بعد انفصاله في وحدة كونفيدرالية تضم أوغندا وكينيا وجنوب السودان أو وحدة فيدرالية بين أوغندا وجنوب السودان تحقق مطامع يوري موسيفيني حاكم أوغندا الاقتصادية وتدعمه سياسيا خاصة وأنه ينتمي في أوغندا إلى أقلية التوتسي وليس إلى أحدي القبائل الأوغندية الكبرى مثل اليوغندا والبانيورو والأشولي وقد عاني خلال السنوات الأخيرة من تذمر اليوغندا وملكها جنوب البلاد ومعارضتهم له، ومن هجمات جيش الرب الذي يقوده جوزيف كوني الذي ينتمي إلى قبيلة الأشولي شرق أوغندا.. ويلاحظ هنا بأن حكومة جنوب السودان قامت خلال السنوات الست الماضية باستبدال المناهج الدراسية في مدارس الجنوب إلى المناهج الدراسية في كينيا وأوغندا وترسل طلبة الجامعات إلى جامعات كمبالا ونيروبي.
عندما كنت في السودان الشهر الماضي كان كل شيء يبدو هادئا و طبيعيا في العاصمة إلا أن مظاهر التوتر والقلق كانت تبدو جلية في الندوات والاجتماعات التي تعقد هنا وهناك وتشارك فيها النخبة المثقفة السودانية ، وأيضا في مقالات الصحف اليومية العديدة، وفي تصريحات المسؤولين في الشمال والجنوب وفي أحاديث كل من التقيت بهم.
وكان أكثر ما يبعث القلق لديها هو الموضوع الأمني يليه الوضع الاقتصادي بعد الاستفتاء وانفصال جنوب السودان بمقتضاه. وكذلك توقع أعمال عنف قد تتحول إلى حرب شاملة وصرح ميليس زيناوي رئيس أثيوبيا الشهر الماضي بأن نشوب حرب جديدة في السودان بعد انفصاله سيكون بمثابة يوم القيامة في المنطقة وهو ما يفهم منه أن الحرب لن تقتصر على السودان وإنما ستشمل أيضا دول الجوار السوداني خاصة أثيوبيا وأوغندا وأر يتريا وكينيا وتشاد. وفي صحيفة نيويورك تايمز أكد كل من ديف ايغرز وجون برندرغاست بأن "الحرب في السودان هي قاب قوسين أو أدني". أما بالنسبة للوضع الاقتصادي فقد تخوف كثيرون من آثار حرمان الشمال من عائدات نفط الجنوب والذي اعتبره البعض بأنه كان العلاج لعلل الاقتصاد السوداني خلال السنوات الأخيرة. كما اضطر بنك السودان من تخفيض قيمة الجنية السوداني الجديد مقابل الدولار بنسبة تقارب العشرين بالمائة مما انعكس فورا على أسعار السلع في الأسواق وزاد من ارتفاع معدل التضخم والذي يخشي ان يكون جامحا وتعجز الحكومة عن التحكم فيه خلال الشهور القادمة من السنة الحالية. وفي ندوة عقدها الحزب الشيوعي السوداني في منتصف ديسمبر الماضي بجوبا قال سليمان حامد سكرتير الحزب في الجنوب بأن" الأسعار ارتفعت خلال الفترة من 2008 الى 2010 إلى أكثر من 480 في المائة الأمر الذي جعل المرتب يغطي 9 بالمائة من الاحتياجات الشهرية لأسرة من خمسة أفراد ، كما أن المرتب الأساسي للخريج الجامعي الذي يبلغ 370جنية أي ما يغطي 20 بالمائة من الحد الأدنى لتكاليف معيشته، وكذلك المعلم من الدرجة الرابعة مرتبه يبلغ 668 أي ما يغطي 36 بالمائة من احتياجاته الضرورية." علما بأن الجنية السوداني الجديد يساوي ثلاثة دراهم وإيجار الشقة الصغيرة في الخرطوم ل يقل عن خمسمائة جنية شهريا والشقة المفروشة فرشا متواضعا يبدأ إيجارها من ألف جنية شهريا.
المخاطر الأمنية المتوقعة في السودان بعد الانفصال:
فيما يتعلق بالوضع الأمني كانت هناك أسباب عديدة تستدعي القلق ومن أبرزها ما يلي:
1-القوات العسكرية التابعة لأحزاب المعارضة في اريتريا: حيث توجد معسكرات تدريب لأحزاب المعارضة السودانية في اقليم أجوردات باريتريا المتاخم للحدود مع السودان تضم حوالي أربعة آلاف مقاتل من شمال وجنوب السودان يتم تدريبهم يوميا بواسطة ضباط فرنسيين وربما كانوا إسرائيليين يتحدثون الفرنسية. وحشدت اريتريا مؤخرا قوات لها على حدودها مع السودان بالقرب من مدينة كسلا وشهدت الحدود اختراقات وهجمات من قبل الجيش الاريتري.
2-قوات الجيش الشعبي في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان: شاركت الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان في الانتخابات العامة التي أجريت في منتصف العام الماضي بمرشحين شماليين تابعين لها وكان منهم مالك عقار في ولاية النيل الأزرق وكذا مرشحين في دوائر بجنوب كردفان بجبال النوبة. وقد استمر تواجد قوات من جيش الحركة الشعبية في تلك المناطق رغم ما نصت عليه اتفاقية نيفاشا بإعادة انتشار الجيش الجنوبي وعودته إلى الجنوب كما امتنعت الحركة الشعبية عن ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب قبل الاستفتاء في مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان ومنطقة أبي البترولية بينما أكمل الجيش الحكومي في الشمال انسحابه من الجنوب بموجب تلك الاتفاقية. وتنص الاتفاقية أيضا بأنه في حالة الانفصال يتم إعادة أفراد جيش الجنوب من الشماليين الي الشمال وجزء كبير من هذا الجيش ينتمي إلى ولاية النيل الأزرق وجبال النوبة جنوب كردفان . وتجدر الإشارة هنا إلى تصريح غريب لمالك عقار والي ولاية النيل الأزرق قال فيه بأن ولاية النيل الأزرق من الأولي لها أن تكون جزءا من أثيوبيا المجاورة وليس من دولة السودان.
3-العصابات المسلحة في دارفور: قامت العصابات المسلحة الدارفورية التابعة لحركة العدل والمساواة وحركة تحرير دارفور بهجمات مشتركة في شمال دارقور تصدت لها قوات الشرطة وفي جنوب الفاشر عاصمة دارفور تصدت لها القوات المسلحة السودانية في النصف الثاني من ديسمبر الماضي وحسب البيانات الحكومية قد منيت قوات المتمردين بخسائر فادحة في الأرواح.كما قامت القوات الحكومية بقصف معسكرات شمال بحر الغزال تابعة لحركة تحرير دارفور التي يقودها مني اركو ميناوى الذي رفض تنفيذ ما اتفق عليه مع الحكومة السودانية في أبوجا من ترتيبات أمنية وتجريد قواته من السلاح ولجأ إلي جنوب السودان مما دعا حكومة الخرطوم بتقديم شكوى ضده الى مفوضية الاتحاد الأفريقي لخرقه اتفاق أبوجا الذي تمنع الماده 24 منه من تحريك قواته خارج إقليم دارفور والتواجد في جنوب السودان.
وكانت ثلاثة قيادات للعصابات المسلحة الدارفورية قد اجتمع في فندق بجوبا في نهاية شهر نوفمبر الماضي وضمت مني اركو ميناوي وعبد الواحد نور الذي قدم من فرنسا ثم عاد اليها بعد ذلك بالإضافة الي كل من أحمد عبد الشافع وأبوالقاسم إمام وحضر العشاء معهم قيادات عسكرية .ومن جيش الحركة الشعبية الجنوبية. طالب البشير حكومة جنوب السودان خلال زيارته الحالية لجوبا بعدم مساعدة قوات فصائل المتمردين الذين فروا من المعارك إلى الجنوب وهدد البشير بالتعامل مع المسؤولين عن إيواء المتمردين كما يتم التعامل مع الخارجين على القانون..وقد أعلن سلفاكير برناديت خلال زيارة البشير للسودان بأنه قرر طرد المعارضة الشمالية المسلحة من الجنوب وهو ﻻقيمة كبيرة له حيث كانت حكومة الجنوب قد منعتها من التحرك فبل قبل 9 يناير حتى يتم اﻻستفتاء في موعده، وطردهم سيتم عقب اﻻستفتاء وهو ما كان مقررا من قبل.
4- أعلن تجمع أحزاب المعارضة بأن أولوياته الحالية هي العمل على إسقاط الحكومة في الشمال عن طريق تنظيم انتفاضة شعبية ضدها وأكد ذلك أيضا محمد إبراهيم نقد أمين عام الحزب الشيوعي السوداني في ندوة بأم درمان حضرتها، ويمكن القول بأن المعارضة تعول على شباب من الخريجين العاطلين كانوا يعملون من قبل مع الحركة الشعبية قطاع الشمال والتي يتزعمها ياسر عرمان خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية السابقة ثم تنكرت لهم الحركة الشعبية بعد الانتخابات وانسحاب ياسر عرمان من منافسة البشير على الرئاسة وانضموا الي تجمع أحزاب المعارضة والذي توجد قيادته خارج السودان والتي تنفق عليهم بما يحقق لهم مستوى الكفاف مقابل تنفيذهم لما تكلفهم به في الداخل.ويكونون هؤلاء مجموعات صغيرة لكل منها رئيس ونائب رئيس وأمين صندوق ولكل مجموعة أسم تطلقه على نفسها مثل : الحرية والغد والمستقبل والشروق وغير ذلك من الألفاظ المتفائلة. وقد أشارت صحيفة الانتباهة السودانية التي يصدرها خال الرئيس البشير إلى أن لدي الأجهزة الأمنية معلومات عن مخطط لإثارة الفوضي في الشمال عقب الإعلان عن نتيجة الاستفتاء وأنه يتضمن القيام باغتيالات لبعض المسؤولين السودانيين. ومع أن مصداقية صحيفة الانتباهة هذه تعتبر محدودة الا أنه لو صدقت فيما أوردته فإن السيناريو الممكن هو أن ينشغل الجيش السوداني بهجمات عسكرية في الشرق عبر الحدود الاريترية ومن الجنوب في مناطق شمال بحر الغزال وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق بينما يتم إثارة الانتفاضة التي تأمل فيها أحزاب المعارضة في الخرطوم بغرض الاستيلاء على الحكم وإسقاط حكومة حزب المؤتمر الوطني الحاكم. والغريب في الأمر هو أنه رغم وجود هذه التهديدات الأمنية المحتملة فقد لاحظت أن معظم المناطق السكنية في الخرطوم وبحري وأم درمان وضواحيهما يلفها الظلام الدامس بالليل لعدم إضاءة أعمدة الإنارة إن وجدت. أي أن ظروف إثارة الفوضي والتخريب خلال الليل تعد مثالية لمن يقوم بذلك في ظل هذه الظلمة التي تلف تلك المدن الثلاثة. ومما يدل على وجود عدد كبير من العاطلين الجامعيين في السودان من تخصصات علمية غير مطلوبة داخل السودان أو خارجة أنه عندما أعلنت الحكومة عن شغل حوالي 5000وظيفة تقدم إليها خمسون ألفا.
.هل كان استفتاء جنوب السودان ضروريا؟
إن استعراض تاريخ السودان الحديث وحلقات التمرد المسلح في الجنوب على حكومة الخرطوم يتضح أن سوء الممارسات السياسية للحكومات المتعاقبة ومعالجتها لأوضاع الجنوب هي التي أوصلت البلاد الى هذا المنعطف الخطير الذي لايهدد فقط بانفصال الجنوب وإنما بتفتت السودان أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة الى كيانات صغيرة متناثرة لا تملك أي منها مقومات الدولة المستقلة من الموارد الطبيعية أو البشرية ولا تستطيع صيانة استقلالها. إن مبدأ تقرير المصير صاغته الأمم المتحدة أساسا لكي تنال الدول الخاضعة لاستعمار دول أخرى استقلالها، ولم يقرر لتفتيت الدول. وعندما بدأت أول حركة تمرد مسلح في الجنوب والتي عرفت بحركة أنيانا لم يرد في أدبيات تلك الحركة المطالبة بحق تقرير المصير وانتهي التمرد بتوقيع اتفاقية سلام بينها وبين حكومة الخرطوم في أديس أبابا.
وحتى عندما عاد الراحل جون قرنق من الولايات المتحدة بحصوله على درجة الدكتوراه منها وقام بقيادة حركة تمرد مسلحة جديدة بدعوى عدم وفاء الحكومة في الشمال بما تعهدت به في اتفاقية أديس أبابا وتقسيمها الولايات الجنوبية بدون اتفاق مع الجنوبيين لم يكن جون قرنق وقتها يطالب بتقرير المصير وعقد اتفاقية مع محمد عثمان الميرغني عام 1988 توصلا فيها لعقد مؤتمرفي يوليو 1989 لمناقشة القضية القومية لجنوب السودان وتجميد العمل بقوانين سبتمبر التي صدرت في أواخر عهد جعفر نميري لتطبيق الشريعة الإسلامية ولكن الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي ومعها حزب الأمة لم يكتفيان بإسقاط الاتفاق في البرلمان وإنما قامت الجبهة الاسلامية بتدبير انقلاب عسكري في 30 يونيو 1989 وحرضت على مواصلة الحرب مع الجنوب وصبغتها بصبغة دينية مما جعلها تمتد إلى 20 عاما وتكلف خزينة الحكومة في الشمال قرابة المائة مليار دولار فضلا عن مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمشوهين واستحقت بأن كتوصف بأنها أطول حرب في تاريخ القارة الأفريقية .ولم يكن ممكنا بعد ذلك التوصل إلى سلام مع الجنوبيين غير تلك الاتفاقية التي صيغت في واشنطن وأجبرت حكومة الخرطوم على التوقيع إليها في يناير 2005 بنيفاشا في كينيا على أن يتم بعد ست سنوات من توقيعها إجراء استفتاء للجنوبيين فقط يقررون فيه البقاء في دولة الوحدة أو الانفصال عن دولة السودان وإقامة دولتهم الخاصة بهم. وقد ترتب على تنفيذ هذه الاتفاقية أن حكمت حركة تحرير جنوب السودان الجنوب منفردة وشاركت أيضا في الحكومة المركزية. وهي اليوم تنادي بالانفصال عن السودان وتعمل من أجله ولم تستفد حكومة الخرطوم من أنفاقها مليار دولار في الجنوب خلال السنوات الست لجعل الوحدة جاذبة ويختارها الجنوبيون في الاستفتاء.ولم يكن الحزب الحاكم وحده هو الذي وافق على منح الجنوبيين حق تقرير المصير وإنما وافقت كل أحزاب المعارضة على ذلك فيما عدا الحزب الوطني الاتحادي إلى حد ما. وتنص الاتفاقية على فترة انتقالية لمدة ستة أشهر بين التصويت على الانفصال في 9 يناير واستكمال استقلال الجنوب في 9 يوليوز 2011.
ومن غير المتوقع أن يستفيد معظم المواطنين في جنوب السودان من انفصال الجنوب بسبب فساد الطغمة العسكرية الحاكمة في الجنوب والذي استشرى حتى بلغ الأمر ببعضهم بيع أراض لا يملكون حق التصرف فيها لأمريكيين وإسرائيليين في الجنوب. وسعي الرئيس الأوغندي في تمويل مشروعات مكلفة من عائدات بترول الجنوب وأيضا بسبب إدمان حكومة الجنوب على الاستدانة من الخارج وهو ما يعني أن موارد الدولة المالية سيتم استنفادها ويبق المواطنون على حالهم يعانون من الفقر والمرض وسوء الأوضاع المعيشية، ولو أن هذا أيضا هو الوضع الذي يعيشه اغلب المواطنين في الشمال أيضا حاليا وإن بنسبة أقل.
ومع غلبة التيار الانفصالي حاليا في الجنوب فإن ذلك لا يمنع من وجود جنوبيين كانوا يتمنون لو استمرت الوحدة بين الشمال والجنوب وخاصة القبائل الجنوبية التي تتحسب من سيطرة قبيلة الدينكا الحالية على مقاليد الحكم في الجنوب وعلى الجيش وهو ما قد ينجم عنه صراعات قبلية مسلحة داخل الجنوب ويهدد السلم الاجتماعي. كما يخشي المسلمون والذي تبلغ نسبتهم حوالي 18 في المائة من سكان الجنوب أن يسيئ معاملتهم بعد الانفصال قادة الدينكا المسيحيين ويعاملونهم معاملة تمييزية وهؤلاء يفضلون وحدة ولكن ليس في ظل الظروف والشروط القائمة في شمال البلاد.
ومبدأ اقتسام السلطة والثروة التي اعتمدته اتفاقية نيفاشا وتطالب بمثله الآن العصابات المسلحة في دارفور لا يعد مستمدا من علم السياسة وإنما يعد مستمدا من عالم المافيا ففي علم السياسة لا يتم الحديث عن قسمة الغنيمة وإنما مشاركة المواطنين في الاستفادة من الثروة الوطنية وفي صنع القرار السياسي وفق أنظمة سياسية واقتصادية قويمة وديموقراطية تحقق العدالة الاجتماعية للجميع.
فوزي منصور
Tuesday, May 18, 2010
بحيرة تشاد التي على وشك الجفاف وكيفية إنقاذها
كانت بحيرة تشاد إحدى أكبر الكُتل المائية في العالم وتعد من قبل سادس أكبر بحيرة في العالم، ورابع بحيرة في أفريقيا قبل تنكمش الى عشرمساحتها السابقة مؤخرا حتى تكاد تصبح اليوم مجرد بركة واسعة مهددة بالفناء .فقد تناقصت مساحة البحيرة من 25000 كم2عام 1963 إلى إلى أقل من 1500 كيلومتر مربّع في عام 2001..وكان معدل عمق هذه البحيرة في حدود ستة أمتار ولكن ما تبقي منها حاليا يقل عمقه عن ثلاثة أمتار. و90 % من مياههاحاليا تأتي من نهر شاري.والباقي من نهر لوغونيه القادم من الكميرون والمتصل بشارى جنوب العاصمة إنجامينا .وقد شهدت موارد النهرين تناقصا مستمرا خلال العقود اﻷربعة اﻷخيرة.ولكن تناقص مساحة البحيرة الحاد تم خلال العقدين الأخيرين فقط. و تطل بحيرة تشاد على أربع دول هي تشاد، الكاميرون، النيجر ونيجيريا.وحوض البحيرة أشبه بصحن مقعر بين أراضي تلك الدول.
وفي الشمال الشرقي للحوض قامت مملكة "كاتم "الإسلامية في القرن الثامن الميلادي والتي اتخذت العربية لغة لها و اتسع نقوذها في القرن لتاسع الميلادي، حتى شمل منطقة السودان الأوسط بأكملها.وجاءت بعدها سلطنة البلالة التي حكمت من عام(1365 حتى 1922وفي غربها قامت مملكة "بورنو " وفي جنوبها قامت مملكة "باجرمي "التي قامت في حوض نهر شاري وتعاقبت الممالك في المنطقة ومنها مملكة عويضي، التي قامت في السادس عشر الميلادي، حتي وصل الاستعمار الفرنسي في أوائل القرن العشرين فقضي عليها كلها.
ويعيش أكثر من 20 مليون نسمة حول بحيرة تشاد، ويتوقع أن يتضاعف هذا العدد بعد ربع قرن ب، ومن العشرين مليونا يوجد ثمانية ملايين كانوا يعيشون على البحيرة مباشرة في تشاد والكميرون وشمال شرق نيجيريا وشرق النيجر قبل انحسار المياه فيها.
وقد اجتمعت دول الحوض في نيجيريا عام 2009 وكان من مقترحات انقاذها التي تم تداولها : تنفيذ مشروع سد بالمبو على نهر أوبنقى وربط نهر أوبنقي ، المنبثق عن نهر الكونغو، لربطه بمجرى نهر "تشاري" الذي يصبّ في بحيرة تشاد مباشرةً. لكي تتدفق المياه من نهر أوبنقي إلى نهر شارى، ومنه الى موقع البجيرة القديمة.
و حذّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "FAO" في أكتوبر 2009من أن الكارثة الإنسانية التي تلوح في بحيرة تشاد ذات مواردالمياه المتناقِصة باستمرار ، والتي لا بد من مواجهتها على عَجل. وتقدِّر الإدارة الوطنية الأمريكية للأجواء والفضاء "NASA" أن مياه بحيرة تشاد إذا ما واصلت انحسارها بالمعدل الحالي، فمن الممكن أن تختفي رقعة البحيرة كليّاً في نحو عشرين سنة من الآن.
ودعت الفاو إلى تعبئة الأموال لإعادة تكوين الرصيد المائي للبحيرة وتدعيم أركان الأمن الغذائي في الإقليم. وتقدِّر منظمة "فاو" أنه علاوةً على هبوطٍ بمقدار 60 بالمائة في إنتاج الأسماك من البحيرة، فقد شهدت أراضي الرعي تدهوراً أدّى إلى نقص العلف الحيواني بنحو 46.5 بالمائة في بعض مناطق الإقليم منذ عام 2006، مع تَفاقُم أوضاع الثروة الحيوانية والتنوّع الحيوي بطبيعة الحال.
و وافق مجلس إدارة المصرف الإفريقي للتنمية على الإفراج من موارد الصندوق الإفريقي للتنمية عن هبة بقيمة 70ر44 مليون دولار أمريكي.. بهدف تمويل برنامج التنمية المستدامة لحوض بحيرة تشاد .وستستفيد من هذه الهبة الدول الأعضاء في لجنة حوض بحيرة تشاد والمتمثلة في الكاميرون والنيجر ونيجيريا وإفريقيا الوسطى وتشاد .
وأوضح البيان الصادر عنه أن برنامج التنمية المستدامة لحوض بحيرة تشاد(بروديبالت) يأتي ردا على تعرض بحيرة تشاد ومجمل حوضها لتضاؤل جريان المياه وجودتها وتقلص التنوع الأحيائي مقابل التعرية المائية وزيادة كمية الرمال بها.وأثر التراجع الملموس لمساحة بحيرة تشاد المسجل خلال العقود الأخيرة سلبا على المساحات الزراعيةوأدى إلى إنخفاض إنتاج الموارد السمكية .
وتم إعداد برنامج "بروديبالت" بهدف تنفيذ خطة العمل الإستراتيجية التي وضعتها لجنة حوض بحيرة تشاد .وتتمثل النتائج المنتظرة من هذا المشروع في تأمين الحماية المستدامة لبحيرة تشاد بهدف ضمان الأمن الإقتصادي من موارد النظام البيئي للمياه العذبة وإدارة متكاملة وعقلانية
للحوض النهري لتحقيق التنمية المستدامة وإستعمال عادل للموارد الطبيعية لكل دولة مع المحافظة على الأنظمة البيئية وتنوعها الأحيائي. ويستفيد من هذا البرنامج سكان مقاطعات وأقاليم وولايات الدول الخمس المكونة لحوض بحيرة تشاد .
وستسمح الأنشطة المقررة في البرنامج والمتعلقة بمكافحة مختلف أشكال تدهور الأراضي والإرتقاء بتقنيات إستغلال عقلانية للموارد المائية بتسجيل تحسن بمعدل 67 بالمائة في دخل السكان المستهدفين وخاصة بين النساء وتعزيزالأمن الغذائي .
وستمكن معظم أنشطة البرنامج بإشراك السكان الذين يستهدفهم في تنفيذها بما في ذلك عبر مشاركتهم فيتمويل وإدارة مشاريع ضخمة في التنميةالريفية .
ويستغرق إنجاز المشروع 6 سنوات إعتبارا من 2009 بتكلفة إجمالية قدرها حوالي 8ر94 مليون دولارأمريكي .ويساهم في تمويله أيضافضلا ً عن هذه الهبة من الصندوق الأفريقي للتنمية مانحون آخرون من بينهم المصرف الإسلامي للتنمية والمصرف الدولي والإتحاد الأوروبي والحكومة النيجيرية .
وثمة إجماع بأن سبب تناقص مياه البحيرة هو التغيرات المناخية والجفاف وزيادة سخونة الأرض .و لم يذكر أحد قط احتمال أن يكون سحب المياه من الخزانات الجوفية في الواحات الليبية شمال تشاد قيما يعرف بالنهر الصناعي العظيم قد يكون هو السبب فيما حل بالبحيرة في العشرية اﻷخيرة و
تهديدها بالجفاف.مع أنه احتمال وارد ولايوجد في تصورى ما يستوجب استبعاده.
فقد قامت ليبيا بحفر 1300 بئر يبلغ متوسط عمق البئر 400 متر مغلفة بالفولاذ بواحات الكفرة والسرير في جنوبها الشرقي وحوض فزان وجبل الحساونة في جنوبها الغربي شمال حدودها مع تشاد تضخ مامقداره ستة ملايين ونصف متر مكعب من المياه يومياُ عبر أنابيب ضخمة قطر كل منها أربعة أمتار تتجه شمالا لكي تصب في خمس بحيرات صناعية معلّقة اقلها سعته اربعة ملايين مترا مكعبا وأكبرها سعة اربعة اضعاف هذا الحجم مملؤة بالمياه طوال العام أي أنه يتم سحب من تلك الآبار 2372مليون متر مكعب سنويا.كما أعلنت بأنها تجرى دراسات حاليا لتغذية النهر من بعض انهار القارة الأفريقية. وقيل أنها أرسلت بعثة تقنية الى السودان للحصول على مياه من النيل وأخفقت البعثة بسبب طبيعة الصخور شمال هضبة دارفور وارتقاعها في شمال عر السودان ويبدو أن حكومة الخرطوم لم تبد اهتماما مرضيا لليبيا خاصة في ظروف الخلافات الناشبة حول مياه النيل بين دول المنبع ودولتي المصب فكادت لها القيادة الليبية بإعلانها ترحيبها بانفصال جنوب السودان حسب ما صرح به سلفا كير.وتكلف المشروع حسب الأرقام الرسمية الليبية من 1984 حتي الآن أكثر من 11مليار دولار وكان قد راج عند الإعلان عن تنفيذه بأنه سيتكلف خلال 50عاما مبلغ في حدود 33مليار دولار.
وفي 11سبتمبر 1989 وصلت المياه إلى مدينة اجدابيا، ثم وصلت مياه المشروع إلى خزان قرية سلوق قرب بنغازي في 28أغسطس 1991م ، وبعدها بيومين إلى خزان مدينة سرت في 30/8/1991م ، وفي هذه الآونة بدأت مياه يحيرة تشاد في التناقص على نحو متزايد سنويا إلى أن صارت على ماهي عليه حاليا وزاد هذا التناقص وانحسار المياه عن معظم البحيرة خلال الفترة من 1997 حتي 2009.
والرائج الآن بأنه لم تتم الاستفادة من كامل المياه التي تم نقلها الى الشمال وأنها تعد في حكم المبددة كما أن المياه العذبة المستخرجة بدأ منسوبها يقل في الآبار وبدأت تزيد في المقابل ملوحة المياه وبعد أن كانت ليبيا تقول بأن هذا المشروع سيوقر احتياجاتها من المياه العذبة لآلاف السنين القادمة أتضح أن هذا كان وهما واكتشفت بأن حاجتها للمياه العذبة بعد تنفيذ النهر صارت أكبر مما كانت عليه قبل تنفيذه حتي اضطرت العام الماضي من عقد اتفاقية مع تركيا لتزويدها بمياه الشرب.
والآن يمكن القول بأن حقن البحيرة بمياه من نهر الأوبنجي قد يعيد تغذية الآبار الليبية بالمياه ولكنه قد لا يفلح في أعادتها مياه عذبة من ناحية ولن يوقف تبديدها ولن تستفيد منها الشعوب الأفريقية المحيطة ببحيرة تشاد والتي يقدر عددها بعشرين مليون نسمة بينما تصل بعض التقديرات بالعدد الى 30مليون نسمة.
هل من الضروري أعادةالبحيرة الى ما كانت عليه سابقاأم يكفي توفير المياه في المنطقة؟
وهناك تساؤل أيضا أطرحه وهو لم لايعاد تخطيط منطقة البحيرة لكي تكون الاستفادة منها أكبر لتلك الشعوب دون الإصرار الي عودتها الى ما كانت عليه من قبل؟
في الحالتين يجب تنفيذ مشروع سحب المياه من نهر الأوبنجي وتغذية نهر شاري بها وهذا المشروع سيستغرق وقتا يمكن خلاله تنفيذ مشروع آخر بمنطقة بحيرة تشاد كبديل لتصور أعادة البحيرة الى سابق عهدها ،على النحو التالي:
يتم تحويل المنطقة التي كانت تشغلها البحيرة والمنطقة الصحراوية التي كانت تفصلها عن منخفض جوراب في الشمال ومنخقض جوراب ذاته الى أراض زراعية تتخللها قنوات ري أفقية ورأسية من الشرق الى الغرب في اتجاه النيجر ونيجيريا حول نهر نجادوجو ومن الجنوب الى الشمال في
تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون مبطنة بالأسمنت لمنع تسرب المياه منها إلى باطن الأرض مع الأخذ في الاعتبار أن أراضي النيجر ونيجيريا تنحدر من الغرب الى الشرق في اتجاه تشاد وتنحدر أراضي الكاميرون من الجنوب الى الشمال ومن الغرب الى الشرق مما لايسمح بالتوغل فيها.
وفي نفس الوقت يتم حفر قناة شرق بحر الغزال وعلى امتداده تتجه شمالا نحو منخض موردي شمال شرق منخفض جوراب تجمع من شرقها مياه مجاري السيول المنحدرة من هضبة دارفور ، وستكون الأراض الزراعية المحاطة بتلك القنوات مثل الجزر ، علما بأن البحيرة الأصلية قبل أن يصيبها ما أصابها كانت مليئة بجزر صغيرة غير مستغلة متناثرة قوق سطحها.
والبديل المقترح هنا يتيح زراعة أكثر من 200 ألف كيلومتر مربع داخل تشاد وحدها أي مليوني هيكتار ،ومثل ذلك أو أكثر في الدول الثلاث الأخرى.مع توزيع تلك الأراضي المستصلحة على أسر الفلاحين بالمنطقة بمعدل هيكتارين لكل أسرة مع تخصيص مساحة كمحمية طبيعية يتم زراعتها بأجار الأكاسيا وأنواع أخرى من الأشجار الخاصة بالمنطقة، وترافق تلك القنوات طرقا برية وجسور فوقها تيسر انتقال السكان في المنطقة الى القرى والمدن وربط شبكة الطرق تلك بشبكة طرق الدولة جنوب العاصمة نجامينا. كما يمكن عمل بحيرة صناعية شمال منخفض جوراب جنوب جبال تيبستي وهضاب إنيدي بوركو وتمتد في شعاب الهضاب مثل ألأذرع أو أصابع اليد وتحول دون أي تسلل برى من الجبال يهدد أمن السكان ويتم فيها تصريف مياه الرى الزائدة من تلك القنوات وأخري في منخفض موردي شمال شرق البلاد بين هضبتي إندي وإردي. وعلى أن يتم منع استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية ، حتى تظل البحيرتان الصناعيتان نظيفتين وصالحتين لتكاثر الأسماك بهما، ويتم الاعتماد فقط في تخصيب الأرض على الأسمدة العضوية.كما يمكن أيضا ذلك من تنمية الثروة الحيوانية من الأبقار والأغنام والماعز وتصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية.والقنوات منها الضيقة التي يمكن أن تكون مغطاه والواسعة التي تسمح بتحرك السفن الصغيرة عليها وبالتالي النقل النهري من الشرق الى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.
كما سيتيج المشروع على هذا النحو أيضا أمكانية إقامة حسر معلق فوق منخفض البحيرة للسكك الحديدية يربط أنجامينا عاصمة تشاد بمدن شمال نيجيريا :ميداجوري وداماتوروكانو وثلاثتها تقع على خط عرض 12 درجة توحيث يوجد بها خط سكة حديد يتجه منها جنوبا إلى ميناء لوجوس على خليج غينيا.مما يسهل انتقال السلع والأفراد وينشط التجارة البينية بين بين تشاد ونيجيريا والتي تمثل سوق استهلاكية كبيرة بسبب كثافة السكان بها والذين يصل عددهم حاليا الى قرابة 120 مليون نسمة مما يجعلها أكبر الدول الأفريقية من حيث عدد السكان وتجد تشاد أيضا منفذا على البحر
لتجارتها الدولية.
وإذا اعتبرنا أن كل أسرة تتكون من أربعة أفراد في المتوسط فإن هذا يعني كفالة العيش لثمانية ملايين نسمة ، أي عدد سكان تشاد حاليا ،وأخراجهم من حد الكفاف والفقر الى حد الكفاية بينما يقل عدد سكان شمال تشاد عن مليوني نسمة بما يعني امكانية ضم سكان اليهم من شرق تشاد ومن جنوبهاوأيضا من دول الجوار.
علما بأن مساحة تشاد = 1284000كيلومتر مربع.وعدد سكانها حاليا فى حدود ثمانية ملايين نسمة وتمثل المنطقة التي سيتم زراعتها فيها وفقا لهذا المشروع حوالي سدس المساحة الكلية للبلاد وهي تكفي لتحسين أوضاع سكان الشمال وتوفير مياه الشرب لهم ولآنعامهم واحتياجات الزراعة من السقي وتعمير الشمال وتحسين ظروفه البيئية.ويتكون سكان الشمال من قبائل البولالا والكوكا والميدوغو من السكان المستقرين، و المابا والتاما بالإضافة الى التوبو ـ الدازاالتي تسكن دير جبال تيبستي وهضاب إيندي ـ بوركو في الشمال الشرقي وشرق بحر الغزال.كما يمكن أن يضاف اليهم قوى بشرية أضافية من داخل تشاد أومن نيجيريا المزدحمة بالسكان ومن النيجر التي يعاني معظم سكانها من الفاقة ومن بعض سكان شمال الكميرون أيضا على نحو ما سبق ذكره.وهو ما يسهم في زيادة إنتاج البلاد من المحاصيل الزراعية والمنتجات الحيوانية وينهض باقتصاد الدولة كلها ويعود نفعه على كافة سكانها.وقد لا تسمح التضاريس في شمال غرب نيجيريا من مد خط السكة الحديد إلى الشمال الغربي في اتجاه سوكوتو بنيجيريا ونيامى عاصمة النيجر إلا أنه يوجد طريق برى قديم العهد يمتد من كانو شمالا نحو زندر بالنيجر ومنها غربا الى مارادي ثم نيامي في النهاية.ومن نيامي يوجد طريق برى يتجه شمالا إلى الجزائر عبر مالي.
وكان البنك الدولي قد وقع اتفاقاً يلزم حكومة تشاد بانفاق 85% من عوائد وأرباح البترول على مشروعات من شأنها تخفيف حدة الفقر في مجالات البنية الأساسية والتعليم والصحة، و5% لتنمية المناطق المحيطة بحقول إنتاج البترول، و10% تودع في صندوق خاص من أجل الأجيال القادمة. ويوفر هذا الاتفاق 80 مليون دولار سنويا لخزانة الدولة في تشاد على مدار الـ 25 سنة القادمة، تمثل حصتها من دخل البتيول والتي تعادل 50 في المائة منه.و مع وصول أول مبلغ من عوائد البترول ليد الحكومة في تشاد تم توجيهه لشراء أسلحة بمبلغ 4.5 ملايين دولار، اتخذ البنك الدولي قرارا بتجميد القروض المقدمة لحكومة تشاد، وأيضا تجميد نصيبها من عوائد البترول لدى الشركات المنتجة، وانتهت المحادثات إلى تخصيص ما يعادل 70% على التنمية، وتفويض الحكومة في تشاد في ضم 30% إلى الميزانية الحكومية. وهو ما يمكن أنه يمكن للحكومة تخصيص جزء من الأموال المخصصة للتنمية لهذا المشروع بالاضافة الى مصادر تمويل أخرى يمكن تأمينها.
فوزي منصور
وفي الشمال الشرقي للحوض قامت مملكة "كاتم "الإسلامية في القرن الثامن الميلادي والتي اتخذت العربية لغة لها و اتسع نقوذها في القرن لتاسع الميلادي، حتى شمل منطقة السودان الأوسط بأكملها.وجاءت بعدها سلطنة البلالة التي حكمت من عام(1365 حتى 1922وفي غربها قامت مملكة "بورنو " وفي جنوبها قامت مملكة "باجرمي "التي قامت في حوض نهر شاري وتعاقبت الممالك في المنطقة ومنها مملكة عويضي، التي قامت في السادس عشر الميلادي، حتي وصل الاستعمار الفرنسي في أوائل القرن العشرين فقضي عليها كلها.
ويعيش أكثر من 20 مليون نسمة حول بحيرة تشاد، ويتوقع أن يتضاعف هذا العدد بعد ربع قرن ب، ومن العشرين مليونا يوجد ثمانية ملايين كانوا يعيشون على البحيرة مباشرة في تشاد والكميرون وشمال شرق نيجيريا وشرق النيجر قبل انحسار المياه فيها.
وقد اجتمعت دول الحوض في نيجيريا عام 2009 وكان من مقترحات انقاذها التي تم تداولها : تنفيذ مشروع سد بالمبو على نهر أوبنقى وربط نهر أوبنقي ، المنبثق عن نهر الكونغو، لربطه بمجرى نهر "تشاري" الذي يصبّ في بحيرة تشاد مباشرةً. لكي تتدفق المياه من نهر أوبنقي إلى نهر شارى، ومنه الى موقع البجيرة القديمة.
و حذّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "FAO" في أكتوبر 2009من أن الكارثة الإنسانية التي تلوح في بحيرة تشاد ذات مواردالمياه المتناقِصة باستمرار ، والتي لا بد من مواجهتها على عَجل. وتقدِّر الإدارة الوطنية الأمريكية للأجواء والفضاء "NASA" أن مياه بحيرة تشاد إذا ما واصلت انحسارها بالمعدل الحالي، فمن الممكن أن تختفي رقعة البحيرة كليّاً في نحو عشرين سنة من الآن.
ودعت الفاو إلى تعبئة الأموال لإعادة تكوين الرصيد المائي للبحيرة وتدعيم أركان الأمن الغذائي في الإقليم. وتقدِّر منظمة "فاو" أنه علاوةً على هبوطٍ بمقدار 60 بالمائة في إنتاج الأسماك من البحيرة، فقد شهدت أراضي الرعي تدهوراً أدّى إلى نقص العلف الحيواني بنحو 46.5 بالمائة في بعض مناطق الإقليم منذ عام 2006، مع تَفاقُم أوضاع الثروة الحيوانية والتنوّع الحيوي بطبيعة الحال.
و وافق مجلس إدارة المصرف الإفريقي للتنمية على الإفراج من موارد الصندوق الإفريقي للتنمية عن هبة بقيمة 70ر44 مليون دولار أمريكي.. بهدف تمويل برنامج التنمية المستدامة لحوض بحيرة تشاد .وستستفيد من هذه الهبة الدول الأعضاء في لجنة حوض بحيرة تشاد والمتمثلة في الكاميرون والنيجر ونيجيريا وإفريقيا الوسطى وتشاد .
وأوضح البيان الصادر عنه أن برنامج التنمية المستدامة لحوض بحيرة تشاد(بروديبالت) يأتي ردا على تعرض بحيرة تشاد ومجمل حوضها لتضاؤل جريان المياه وجودتها وتقلص التنوع الأحيائي مقابل التعرية المائية وزيادة كمية الرمال بها.وأثر التراجع الملموس لمساحة بحيرة تشاد المسجل خلال العقود الأخيرة سلبا على المساحات الزراعيةوأدى إلى إنخفاض إنتاج الموارد السمكية .
وتم إعداد برنامج "بروديبالت" بهدف تنفيذ خطة العمل الإستراتيجية التي وضعتها لجنة حوض بحيرة تشاد .وتتمثل النتائج المنتظرة من هذا المشروع في تأمين الحماية المستدامة لبحيرة تشاد بهدف ضمان الأمن الإقتصادي من موارد النظام البيئي للمياه العذبة وإدارة متكاملة وعقلانية
للحوض النهري لتحقيق التنمية المستدامة وإستعمال عادل للموارد الطبيعية لكل دولة مع المحافظة على الأنظمة البيئية وتنوعها الأحيائي. ويستفيد من هذا البرنامج سكان مقاطعات وأقاليم وولايات الدول الخمس المكونة لحوض بحيرة تشاد .
وستسمح الأنشطة المقررة في البرنامج والمتعلقة بمكافحة مختلف أشكال تدهور الأراضي والإرتقاء بتقنيات إستغلال عقلانية للموارد المائية بتسجيل تحسن بمعدل 67 بالمائة في دخل السكان المستهدفين وخاصة بين النساء وتعزيزالأمن الغذائي .
وستمكن معظم أنشطة البرنامج بإشراك السكان الذين يستهدفهم في تنفيذها بما في ذلك عبر مشاركتهم فيتمويل وإدارة مشاريع ضخمة في التنميةالريفية .
ويستغرق إنجاز المشروع 6 سنوات إعتبارا من 2009 بتكلفة إجمالية قدرها حوالي 8ر94 مليون دولارأمريكي .ويساهم في تمويله أيضافضلا ً عن هذه الهبة من الصندوق الأفريقي للتنمية مانحون آخرون من بينهم المصرف الإسلامي للتنمية والمصرف الدولي والإتحاد الأوروبي والحكومة النيجيرية .
وثمة إجماع بأن سبب تناقص مياه البحيرة هو التغيرات المناخية والجفاف وزيادة سخونة الأرض .و لم يذكر أحد قط احتمال أن يكون سحب المياه من الخزانات الجوفية في الواحات الليبية شمال تشاد قيما يعرف بالنهر الصناعي العظيم قد يكون هو السبب فيما حل بالبحيرة في العشرية اﻷخيرة و
تهديدها بالجفاف.مع أنه احتمال وارد ولايوجد في تصورى ما يستوجب استبعاده.
فقد قامت ليبيا بحفر 1300 بئر يبلغ متوسط عمق البئر 400 متر مغلفة بالفولاذ بواحات الكفرة والسرير في جنوبها الشرقي وحوض فزان وجبل الحساونة في جنوبها الغربي شمال حدودها مع تشاد تضخ مامقداره ستة ملايين ونصف متر مكعب من المياه يومياُ عبر أنابيب ضخمة قطر كل منها أربعة أمتار تتجه شمالا لكي تصب في خمس بحيرات صناعية معلّقة اقلها سعته اربعة ملايين مترا مكعبا وأكبرها سعة اربعة اضعاف هذا الحجم مملؤة بالمياه طوال العام أي أنه يتم سحب من تلك الآبار 2372مليون متر مكعب سنويا.كما أعلنت بأنها تجرى دراسات حاليا لتغذية النهر من بعض انهار القارة الأفريقية. وقيل أنها أرسلت بعثة تقنية الى السودان للحصول على مياه من النيل وأخفقت البعثة بسبب طبيعة الصخور شمال هضبة دارفور وارتقاعها في شمال عر السودان ويبدو أن حكومة الخرطوم لم تبد اهتماما مرضيا لليبيا خاصة في ظروف الخلافات الناشبة حول مياه النيل بين دول المنبع ودولتي المصب فكادت لها القيادة الليبية بإعلانها ترحيبها بانفصال جنوب السودان حسب ما صرح به سلفا كير.وتكلف المشروع حسب الأرقام الرسمية الليبية من 1984 حتي الآن أكثر من 11مليار دولار وكان قد راج عند الإعلان عن تنفيذه بأنه سيتكلف خلال 50عاما مبلغ في حدود 33مليار دولار.
وفي 11سبتمبر 1989 وصلت المياه إلى مدينة اجدابيا، ثم وصلت مياه المشروع إلى خزان قرية سلوق قرب بنغازي في 28أغسطس 1991م ، وبعدها بيومين إلى خزان مدينة سرت في 30/8/1991م ، وفي هذه الآونة بدأت مياه يحيرة تشاد في التناقص على نحو متزايد سنويا إلى أن صارت على ماهي عليه حاليا وزاد هذا التناقص وانحسار المياه عن معظم البحيرة خلال الفترة من 1997 حتي 2009.
والرائج الآن بأنه لم تتم الاستفادة من كامل المياه التي تم نقلها الى الشمال وأنها تعد في حكم المبددة كما أن المياه العذبة المستخرجة بدأ منسوبها يقل في الآبار وبدأت تزيد في المقابل ملوحة المياه وبعد أن كانت ليبيا تقول بأن هذا المشروع سيوقر احتياجاتها من المياه العذبة لآلاف السنين القادمة أتضح أن هذا كان وهما واكتشفت بأن حاجتها للمياه العذبة بعد تنفيذ النهر صارت أكبر مما كانت عليه قبل تنفيذه حتي اضطرت العام الماضي من عقد اتفاقية مع تركيا لتزويدها بمياه الشرب.
والآن يمكن القول بأن حقن البحيرة بمياه من نهر الأوبنجي قد يعيد تغذية الآبار الليبية بالمياه ولكنه قد لا يفلح في أعادتها مياه عذبة من ناحية ولن يوقف تبديدها ولن تستفيد منها الشعوب الأفريقية المحيطة ببحيرة تشاد والتي يقدر عددها بعشرين مليون نسمة بينما تصل بعض التقديرات بالعدد الى 30مليون نسمة.
هل من الضروري أعادةالبحيرة الى ما كانت عليه سابقاأم يكفي توفير المياه في المنطقة؟
وهناك تساؤل أيضا أطرحه وهو لم لايعاد تخطيط منطقة البحيرة لكي تكون الاستفادة منها أكبر لتلك الشعوب دون الإصرار الي عودتها الى ما كانت عليه من قبل؟
في الحالتين يجب تنفيذ مشروع سحب المياه من نهر الأوبنجي وتغذية نهر شاري بها وهذا المشروع سيستغرق وقتا يمكن خلاله تنفيذ مشروع آخر بمنطقة بحيرة تشاد كبديل لتصور أعادة البحيرة الى سابق عهدها ،على النحو التالي:
يتم تحويل المنطقة التي كانت تشغلها البحيرة والمنطقة الصحراوية التي كانت تفصلها عن منخفض جوراب في الشمال ومنخقض جوراب ذاته الى أراض زراعية تتخللها قنوات ري أفقية ورأسية من الشرق الى الغرب في اتجاه النيجر ونيجيريا حول نهر نجادوجو ومن الجنوب الى الشمال في
تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون مبطنة بالأسمنت لمنع تسرب المياه منها إلى باطن الأرض مع الأخذ في الاعتبار أن أراضي النيجر ونيجيريا تنحدر من الغرب الى الشرق في اتجاه تشاد وتنحدر أراضي الكاميرون من الجنوب الى الشمال ومن الغرب الى الشرق مما لايسمح بالتوغل فيها.
وفي نفس الوقت يتم حفر قناة شرق بحر الغزال وعلى امتداده تتجه شمالا نحو منخض موردي شمال شرق منخفض جوراب تجمع من شرقها مياه مجاري السيول المنحدرة من هضبة دارفور ، وستكون الأراض الزراعية المحاطة بتلك القنوات مثل الجزر ، علما بأن البحيرة الأصلية قبل أن يصيبها ما أصابها كانت مليئة بجزر صغيرة غير مستغلة متناثرة قوق سطحها.
والبديل المقترح هنا يتيح زراعة أكثر من 200 ألف كيلومتر مربع داخل تشاد وحدها أي مليوني هيكتار ،ومثل ذلك أو أكثر في الدول الثلاث الأخرى.مع توزيع تلك الأراضي المستصلحة على أسر الفلاحين بالمنطقة بمعدل هيكتارين لكل أسرة مع تخصيص مساحة كمحمية طبيعية يتم زراعتها بأجار الأكاسيا وأنواع أخرى من الأشجار الخاصة بالمنطقة، وترافق تلك القنوات طرقا برية وجسور فوقها تيسر انتقال السكان في المنطقة الى القرى والمدن وربط شبكة الطرق تلك بشبكة طرق الدولة جنوب العاصمة نجامينا. كما يمكن عمل بحيرة صناعية شمال منخفض جوراب جنوب جبال تيبستي وهضاب إنيدي بوركو وتمتد في شعاب الهضاب مثل ألأذرع أو أصابع اليد وتحول دون أي تسلل برى من الجبال يهدد أمن السكان ويتم فيها تصريف مياه الرى الزائدة من تلك القنوات وأخري في منخفض موردي شمال شرق البلاد بين هضبتي إندي وإردي. وعلى أن يتم منع استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية ، حتى تظل البحيرتان الصناعيتان نظيفتين وصالحتين لتكاثر الأسماك بهما، ويتم الاعتماد فقط في تخصيب الأرض على الأسمدة العضوية.كما يمكن أيضا ذلك من تنمية الثروة الحيوانية من الأبقار والأغنام والماعز وتصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية.والقنوات منها الضيقة التي يمكن أن تكون مغطاه والواسعة التي تسمح بتحرك السفن الصغيرة عليها وبالتالي النقل النهري من الشرق الى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.
كما سيتيج المشروع على هذا النحو أيضا أمكانية إقامة حسر معلق فوق منخفض البحيرة للسكك الحديدية يربط أنجامينا عاصمة تشاد بمدن شمال نيجيريا :ميداجوري وداماتوروكانو وثلاثتها تقع على خط عرض 12 درجة توحيث يوجد بها خط سكة حديد يتجه منها جنوبا إلى ميناء لوجوس على خليج غينيا.مما يسهل انتقال السلع والأفراد وينشط التجارة البينية بين بين تشاد ونيجيريا والتي تمثل سوق استهلاكية كبيرة بسبب كثافة السكان بها والذين يصل عددهم حاليا الى قرابة 120 مليون نسمة مما يجعلها أكبر الدول الأفريقية من حيث عدد السكان وتجد تشاد أيضا منفذا على البحر
لتجارتها الدولية.
وإذا اعتبرنا أن كل أسرة تتكون من أربعة أفراد في المتوسط فإن هذا يعني كفالة العيش لثمانية ملايين نسمة ، أي عدد سكان تشاد حاليا ،وأخراجهم من حد الكفاف والفقر الى حد الكفاية بينما يقل عدد سكان شمال تشاد عن مليوني نسمة بما يعني امكانية ضم سكان اليهم من شرق تشاد ومن جنوبهاوأيضا من دول الجوار.
علما بأن مساحة تشاد = 1284000كيلومتر مربع.وعدد سكانها حاليا فى حدود ثمانية ملايين نسمة وتمثل المنطقة التي سيتم زراعتها فيها وفقا لهذا المشروع حوالي سدس المساحة الكلية للبلاد وهي تكفي لتحسين أوضاع سكان الشمال وتوفير مياه الشرب لهم ولآنعامهم واحتياجات الزراعة من السقي وتعمير الشمال وتحسين ظروفه البيئية.ويتكون سكان الشمال من قبائل البولالا والكوكا والميدوغو من السكان المستقرين، و المابا والتاما بالإضافة الى التوبو ـ الدازاالتي تسكن دير جبال تيبستي وهضاب إيندي ـ بوركو في الشمال الشرقي وشرق بحر الغزال.كما يمكن أن يضاف اليهم قوى بشرية أضافية من داخل تشاد أومن نيجيريا المزدحمة بالسكان ومن النيجر التي يعاني معظم سكانها من الفاقة ومن بعض سكان شمال الكميرون أيضا على نحو ما سبق ذكره.وهو ما يسهم في زيادة إنتاج البلاد من المحاصيل الزراعية والمنتجات الحيوانية وينهض باقتصاد الدولة كلها ويعود نفعه على كافة سكانها.وقد لا تسمح التضاريس في شمال غرب نيجيريا من مد خط السكة الحديد إلى الشمال الغربي في اتجاه سوكوتو بنيجيريا ونيامى عاصمة النيجر إلا أنه يوجد طريق برى قديم العهد يمتد من كانو شمالا نحو زندر بالنيجر ومنها غربا الى مارادي ثم نيامي في النهاية.ومن نيامي يوجد طريق برى يتجه شمالا إلى الجزائر عبر مالي.
وكان البنك الدولي قد وقع اتفاقاً يلزم حكومة تشاد بانفاق 85% من عوائد وأرباح البترول على مشروعات من شأنها تخفيف حدة الفقر في مجالات البنية الأساسية والتعليم والصحة، و5% لتنمية المناطق المحيطة بحقول إنتاج البترول، و10% تودع في صندوق خاص من أجل الأجيال القادمة. ويوفر هذا الاتفاق 80 مليون دولار سنويا لخزانة الدولة في تشاد على مدار الـ 25 سنة القادمة، تمثل حصتها من دخل البتيول والتي تعادل 50 في المائة منه.و مع وصول أول مبلغ من عوائد البترول ليد الحكومة في تشاد تم توجيهه لشراء أسلحة بمبلغ 4.5 ملايين دولار، اتخذ البنك الدولي قرارا بتجميد القروض المقدمة لحكومة تشاد، وأيضا تجميد نصيبها من عوائد البترول لدى الشركات المنتجة، وانتهت المحادثات إلى تخصيص ما يعادل 70% على التنمية، وتفويض الحكومة في تشاد في ضم 30% إلى الميزانية الحكومية. وهو ما يمكن أنه يمكن للحكومة تخصيص جزء من الأموال المخصصة للتنمية لهذا المشروع بالاضافة الى مصادر تمويل أخرى يمكن تأمينها.
فوزي منصور
Tuesday, May 11, 2010
عنصران متناقضان بينهما برزخ ﻻيبغيان
الشائع أنه عندما تنسلخ الروح من البدن تنتقل إلى عالم البرزخ ،والبرزخ في العربية هو الحاجز بين الشيئين، و المانع من اختلاطهما و امتزاجهما . ولم يقل لنا أحد ما هو؟. ولكن البرزخ ليس من الدنيا وليس من اﻵخرة ، وﻻهو وسط بينهما يتكون من مزيج منهما. ولذا يمكن القول بأنه منظقة محايدة تشكل مع ثنائي الدنيا واﻵخرة ثالوثا كل ركن من أركانه ﻻيماثل اﻵخر في شئ.ووظيفة هذا الركن الثالث الظاهرةهي الفصل بين نقيضين.وهو هنا حاجز بين الدنيا والآخرة، قال تعالى :" ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ".وإذا تعقبنا كل الثنائيات المتناقضة مثل النوروالظلام والتوحيد والشرك والخيروالشر والتقوى والفجور والعدل والظلم واﻷمانة والخيانة، والصدق والكذب...الخ، وجدنا بين كل منها برزخ يعد وجوده بمثابةشرط لوجودهما معا. بحيث أذا ما اختفي البرزخ اختفي واحد منهما أو اختقيا معا.ولكن مع اختفاء الثنائيات أو الثلاثيات يتولد عن اختفائها جديد ، مختلف عن هذا وذاك ، ولو أنه يحمل بعضا منهما . ومثال ذلكالذكر واﻷنثي ان اتحدا فإنهما ينجبان مولودا فيه بعض من الذكر وبعض من اﻷنثي ولكنه ليس طبق اﻷصل ﻷي منهما.
وفيمثال برزخ الموتي فإنه في اليوم اﻷخر تنتهي الحياة البرزخية بعد أ، انتهت الدنيا من قبل ،وﻻيعد هناك سوى العالم اﻷخر وحده.
وﻻيمنع البرزخ من أن يلتقي النقيضان ولكنه يحول دون أن يطغى أحدهما على اﻵخر فيفقده ما يميزه عنه وفي ذلك يقول تعالي: " مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ { 19} بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ { 20} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . [الرحمن: 21].وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً } ... [الفرقان: 53].
وفي المثال اﻷخير سنجد أن البجرين يلتقيان وﻻيفترقان وواحد منهما ملح أجاج واﻵخر الذي هو النهر يصب فيه ماء عذب فرات ،وفي اللقاء بينهما يحيط مياه النهر المتدفقة نحو البحر برزخ يمنع اختلاطهما على نحو يفقد أي منهما خصائصه وما يتميز به فيظل ماء البحر مالحا وماء النهر عذبا.وماء النهر ﻻسبيل اليه سوى أعماق النهر وماء البحر في أمس الحاجة الي ماء النهر ﻷنه هو الذي سيقلل من ملوحته في النهاية ويؤمن بالتالي بيئة لﻷحياء البحرية لكي تستطيع مواصلة العيش سواء كانت نباتات أو أسماك وحيوانات بحرية.النقيضان هنا ﻻزمان لحياة الكائنات الحية في البحر وعلى اليابسة وﻻغني عن وحودهما معا.وهما يتدافعان تدافعا تسميه الماركسية صراع اﻻضداد وتعزي اليه حركة المادة في المجتمع وبالتالي لتطور الحياة اﻻجتماعية ولو أنها تركز على التناقض بين القوي المنتجة والعلاقات الإنتاجية ( علاقات الإنتاج) الذي يتجلي في المجتمع الطبقي في صورة تناقضات وصراعات طبقية .وماتقول به الماركسية ينطبق على كل الثنائيات التي تجمع بين متناقضين يتفاعلان معا عندما يلتقيان ولو كان بينهما في البدية برزخ حتي ﻻيبغيان وينتج عن تفاعلهما ثالث فيه من كل منهما ولكنه مغاير لهما وبذلك يتحقق التقدم. هذا الذى تسميه الماركسية صراعا يعبر عنه اﻹسلام بالتدافع والذي يمكن أن يكون عنيفا أحيانا إن تطلب اﻷمر ذلك ولكنه في الغالب يجنح الى السلم طالما كان السلم ميسرا ويعد له اﻷفضلية عما عداه.
وفي هذا التدافع يقول الله عز وجل:: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: من الآية251 ).ويقول أيضا: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:40-41).ويمكن أن يكون التدافع سلميا حتي لو تم فيه التلويح بالعنف في مثل قوله تعالى: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ )(لأنفال: من الآية60). فامتلاك مصادر القوى المادية هنا الهدف منه أثارة الرهبة في الطرف اﻵخر حتي ﻻيغريه الضعف بالعدوان . أي أنه بمثابة برزخ يحول دون البغي ويتيح فرص أفضل للتفاعل السلمي من أجل صالح الطرفين. وعندما يقول المولي : وأعدوا لهم ما استطعتم من فوة فإن تلك الفوة يمكن تحصيلها باقتصاد فوى وامتلاك العلم والمعرفة ، وهو ما يعرف بالقوة المعنوية والتي قد يكون لها مفعول قوي يجعل صاحباها مرهوب الجانب حتي ولو لم يكدس أسلحة مدمرة ويتبجح بها. فالباطل - كما يقول سيد قطب رحمه الله - "متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول ، ولا يكفي الحق أنه الحق ليوقف عدوان الباطل عليه ؛ بل لا بد من قوة تحميه وتدفع عنه ؛ وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان " . والحضارات في التاريخ كانت تتدافع أكثر منها تتصارع وعندما كان يتحول تدافها الي صراعات مسلحة كانت تلك الصراعات الدموية بداية ﻻنيهيار العديد منها لما تستهلكه من مواردها المادية والبشرية وما تلحقه بها من دمار.ومن أبرز خصائص الحضارات خاصية اﻻنتشار وهو ﻻيتحقق لها بغير التفاعل البناء مع محيطها الجغرافي.
والتدافع كما يقوم بين الخير والشر أو بين أمة وأمة تتعارض مصالحهما ، يمكن أيضا أن يحدث بين شعب والهيئة الحاكمة له عندما تتعارض مصالحهما معا. ولكن هذا التدافع اﻷخير ﻻ يمكن أن يحدث مالم يكن الشعب كتلة واحدة تختفي فيها الذات الفردية والتمحور حولها وتحل محلها الذات الجماعية . وممن ناقش ذلك أستاذ الفلسفة وعلم اﻻحتماع اﻷلماني : يورغن همبارس . والذي يرى أنه ﻻسبيل لتجاوز هذا التناقض بغير تطهير النفس من شوائبها ونرجسيتها ومختلف امراضها. عن طريق النقد الذاتي والحوار البناء الذي يؤسس لمعرفة صحيحة للنفس والعالم وباستعمال الكلمة الطيبة وليس التنابز باﻷلقاب أو برفع الشعارات وشرذمة المجتمع عوض توحيده حول مصالحه الحيوية. ويكون هدف الحوار ليس ما نمتلكه أنا وانت من حجج وبراهين بل ما نتفق عليه سويا .أي التوصل الى كلمة سواء تجمع وﻻتفرق وتحشد الجهود وﻻتشتتها أو تفتتها. فيكون ما يتم التوصل اليه بمثابة: جذر معرفي جديد،يكون "حقيقة مشتركه"تطبعها ما يسميه بالعقلانية التواصلية و تعتبر الطريق السوي للتوصل الي عقد اجتماعي جديد.
وللفيلسوف وعالم البولوجيا الفرنسي المعاصر أدغار موران إسهامات فكرية لها أهميتهاأيضا في محاولته إعادة قراءة الحضارة الغربية من منظور أنساني وعندما يدعو لدراسة الواقع دراسة علمية متحررة من أسر اﻷيديولوجيات وهوى النفس والمصالح الضيقة واﻷفرازات الناتجة عن السياقات التاريخية التي سارت فيها المجتمعات دون انتباه لفساد تلك اﻹفرازات وأنها سبب اﻷزمات والحروب والمصائب وتلوث البيئة التي تحيق بهاأو تعرضت لها.وبما في ذلك التقدم التقني المنفصم . من كل مرجعية أخلاقية دينية أو انسانية .
... . فهو يدعو الى ادراك ما هو ثقافي في الطبيعي لابراز نقاط الوصل بينها والافكار الناظمة لها جميعا وأن أنسنة الفكر تتطلب تأصيله وأعادته الى أصوله اﻹنسانية والتي سنجد منها لدينا منظومةفكرية مركبة تتكون من «فكر عقلاني تقني وعملي، وفكر سحري وأسطوري ورمزي»، في كل المجتمعات المتحضرة أو البدائية منها.أي أنها جمعت بين تناقضين إستطاعا العايش معا يتمثلان فيما هو عقﻻني وماهو أسطوري أو غيبي ومن الخطأ تفكيك هذه التركيبة.ومن آرائه:« الواقع البسيط يتطلّب فكرا بسيطا، وتعقّد الظواهر يتطلّب فكرا معقّدا. هناك اكتشافات علمية ترتكز بالتأكيد على افتراض الوحدة والبساطة. غير أنّه، كي نفهم الظواهر البيئية والبيولوجية وديناميات التاريخ، لا أمل لنا في العثور على قوانين بسيطة. فالتعقيد هو وحدة البسيط والمعقّد».ولذا فإن الواقع عنما يكون شديد التعقيد يتطلب حلولا شديدة التعقيد ، وتعقيد الحلول هنا ﻻيجب أن يكون مبعثا لليأس أو لقصور الجهد من أجل تغيير الواقع وأنما يجب أن يزيد الجهد والحزم للعمل من أجل التغيير والتوصل اليه.ولذا كان عنوان أحدى محاضرات موران هو : " التحوّل أو السقوط في الهاوية". فاذا كانت الحلول المتاحة شديدة التعقيد وهي بالتالي سيئة فإن البديل عنها هو مواجهة اﻷسوء.وتحدث في محاضرته تلك عام 2008 فقال: تأتي مخاطر الفوضى عندما تغذّي الأزمات البيئية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعضها البعض في دورات هدّامة.وهو يقصد هنا اﻷزمة المالية اﻷخيرة التي ضربت الوﻻيات المتحدة وامتدت آثارها الي أوروبا ومناطق كثيرة في العالم والتي يجب النظر اليها على أنها ليست أزمة مالية فقط وأنما أزمة مركبة معقدة تعبر عن واقع معقد يحتاج الي تغيير للتخلص من تلك الدورات الهدامة. ثم أضاف في خاتمة محاضرته: " في بعض الأحيان تبرز داخل الفترات الحالكة بذور الأمل. أن نتدرب على التفكير بهذه الطريقة، تلك هي روح منهج التعقيد.
فوزي منصور
وفيمثال برزخ الموتي فإنه في اليوم اﻷخر تنتهي الحياة البرزخية بعد أ، انتهت الدنيا من قبل ،وﻻيعد هناك سوى العالم اﻷخر وحده.
وﻻيمنع البرزخ من أن يلتقي النقيضان ولكنه يحول دون أن يطغى أحدهما على اﻵخر فيفقده ما يميزه عنه وفي ذلك يقول تعالي: " مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ { 19} بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ { 20} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . [الرحمن: 21].وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً } ... [الفرقان: 53].
وفي المثال اﻷخير سنجد أن البجرين يلتقيان وﻻيفترقان وواحد منهما ملح أجاج واﻵخر الذي هو النهر يصب فيه ماء عذب فرات ،وفي اللقاء بينهما يحيط مياه النهر المتدفقة نحو البحر برزخ يمنع اختلاطهما على نحو يفقد أي منهما خصائصه وما يتميز به فيظل ماء البحر مالحا وماء النهر عذبا.وماء النهر ﻻسبيل اليه سوى أعماق النهر وماء البحر في أمس الحاجة الي ماء النهر ﻷنه هو الذي سيقلل من ملوحته في النهاية ويؤمن بالتالي بيئة لﻷحياء البحرية لكي تستطيع مواصلة العيش سواء كانت نباتات أو أسماك وحيوانات بحرية.النقيضان هنا ﻻزمان لحياة الكائنات الحية في البحر وعلى اليابسة وﻻغني عن وحودهما معا.وهما يتدافعان تدافعا تسميه الماركسية صراع اﻻضداد وتعزي اليه حركة المادة في المجتمع وبالتالي لتطور الحياة اﻻجتماعية ولو أنها تركز على التناقض بين القوي المنتجة والعلاقات الإنتاجية ( علاقات الإنتاج) الذي يتجلي في المجتمع الطبقي في صورة تناقضات وصراعات طبقية .وماتقول به الماركسية ينطبق على كل الثنائيات التي تجمع بين متناقضين يتفاعلان معا عندما يلتقيان ولو كان بينهما في البدية برزخ حتي ﻻيبغيان وينتج عن تفاعلهما ثالث فيه من كل منهما ولكنه مغاير لهما وبذلك يتحقق التقدم. هذا الذى تسميه الماركسية صراعا يعبر عنه اﻹسلام بالتدافع والذي يمكن أن يكون عنيفا أحيانا إن تطلب اﻷمر ذلك ولكنه في الغالب يجنح الى السلم طالما كان السلم ميسرا ويعد له اﻷفضلية عما عداه.
وفي هذا التدافع يقول الله عز وجل:: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: من الآية251 ).ويقول أيضا: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:40-41).ويمكن أن يكون التدافع سلميا حتي لو تم فيه التلويح بالعنف في مثل قوله تعالى: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ )(لأنفال: من الآية60). فامتلاك مصادر القوى المادية هنا الهدف منه أثارة الرهبة في الطرف اﻵخر حتي ﻻيغريه الضعف بالعدوان . أي أنه بمثابة برزخ يحول دون البغي ويتيح فرص أفضل للتفاعل السلمي من أجل صالح الطرفين. وعندما يقول المولي : وأعدوا لهم ما استطعتم من فوة فإن تلك الفوة يمكن تحصيلها باقتصاد فوى وامتلاك العلم والمعرفة ، وهو ما يعرف بالقوة المعنوية والتي قد يكون لها مفعول قوي يجعل صاحباها مرهوب الجانب حتي ولو لم يكدس أسلحة مدمرة ويتبجح بها. فالباطل - كما يقول سيد قطب رحمه الله - "متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول ، ولا يكفي الحق أنه الحق ليوقف عدوان الباطل عليه ؛ بل لا بد من قوة تحميه وتدفع عنه ؛ وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان " . والحضارات في التاريخ كانت تتدافع أكثر منها تتصارع وعندما كان يتحول تدافها الي صراعات مسلحة كانت تلك الصراعات الدموية بداية ﻻنيهيار العديد منها لما تستهلكه من مواردها المادية والبشرية وما تلحقه بها من دمار.ومن أبرز خصائص الحضارات خاصية اﻻنتشار وهو ﻻيتحقق لها بغير التفاعل البناء مع محيطها الجغرافي.
والتدافع كما يقوم بين الخير والشر أو بين أمة وأمة تتعارض مصالحهما ، يمكن أيضا أن يحدث بين شعب والهيئة الحاكمة له عندما تتعارض مصالحهما معا. ولكن هذا التدافع اﻷخير ﻻ يمكن أن يحدث مالم يكن الشعب كتلة واحدة تختفي فيها الذات الفردية والتمحور حولها وتحل محلها الذات الجماعية . وممن ناقش ذلك أستاذ الفلسفة وعلم اﻻحتماع اﻷلماني : يورغن همبارس . والذي يرى أنه ﻻسبيل لتجاوز هذا التناقض بغير تطهير النفس من شوائبها ونرجسيتها ومختلف امراضها. عن طريق النقد الذاتي والحوار البناء الذي يؤسس لمعرفة صحيحة للنفس والعالم وباستعمال الكلمة الطيبة وليس التنابز باﻷلقاب أو برفع الشعارات وشرذمة المجتمع عوض توحيده حول مصالحه الحيوية. ويكون هدف الحوار ليس ما نمتلكه أنا وانت من حجج وبراهين بل ما نتفق عليه سويا .أي التوصل الى كلمة سواء تجمع وﻻتفرق وتحشد الجهود وﻻتشتتها أو تفتتها. فيكون ما يتم التوصل اليه بمثابة: جذر معرفي جديد،يكون "حقيقة مشتركه"تطبعها ما يسميه بالعقلانية التواصلية و تعتبر الطريق السوي للتوصل الي عقد اجتماعي جديد.
وللفيلسوف وعالم البولوجيا الفرنسي المعاصر أدغار موران إسهامات فكرية لها أهميتهاأيضا في محاولته إعادة قراءة الحضارة الغربية من منظور أنساني وعندما يدعو لدراسة الواقع دراسة علمية متحررة من أسر اﻷيديولوجيات وهوى النفس والمصالح الضيقة واﻷفرازات الناتجة عن السياقات التاريخية التي سارت فيها المجتمعات دون انتباه لفساد تلك اﻹفرازات وأنها سبب اﻷزمات والحروب والمصائب وتلوث البيئة التي تحيق بهاأو تعرضت لها.وبما في ذلك التقدم التقني المنفصم . من كل مرجعية أخلاقية دينية أو انسانية .
... . فهو يدعو الى ادراك ما هو ثقافي في الطبيعي لابراز نقاط الوصل بينها والافكار الناظمة لها جميعا وأن أنسنة الفكر تتطلب تأصيله وأعادته الى أصوله اﻹنسانية والتي سنجد منها لدينا منظومةفكرية مركبة تتكون من «فكر عقلاني تقني وعملي، وفكر سحري وأسطوري ورمزي»، في كل المجتمعات المتحضرة أو البدائية منها.أي أنها جمعت بين تناقضين إستطاعا العايش معا يتمثلان فيما هو عقﻻني وماهو أسطوري أو غيبي ومن الخطأ تفكيك هذه التركيبة.ومن آرائه:« الواقع البسيط يتطلّب فكرا بسيطا، وتعقّد الظواهر يتطلّب فكرا معقّدا. هناك اكتشافات علمية ترتكز بالتأكيد على افتراض الوحدة والبساطة. غير أنّه، كي نفهم الظواهر البيئية والبيولوجية وديناميات التاريخ، لا أمل لنا في العثور على قوانين بسيطة. فالتعقيد هو وحدة البسيط والمعقّد».ولذا فإن الواقع عنما يكون شديد التعقيد يتطلب حلولا شديدة التعقيد ، وتعقيد الحلول هنا ﻻيجب أن يكون مبعثا لليأس أو لقصور الجهد من أجل تغيير الواقع وأنما يجب أن يزيد الجهد والحزم للعمل من أجل التغيير والتوصل اليه.ولذا كان عنوان أحدى محاضرات موران هو : " التحوّل أو السقوط في الهاوية". فاذا كانت الحلول المتاحة شديدة التعقيد وهي بالتالي سيئة فإن البديل عنها هو مواجهة اﻷسوء.وتحدث في محاضرته تلك عام 2008 فقال: تأتي مخاطر الفوضى عندما تغذّي الأزمات البيئية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعضها البعض في دورات هدّامة.وهو يقصد هنا اﻷزمة المالية اﻷخيرة التي ضربت الوﻻيات المتحدة وامتدت آثارها الي أوروبا ومناطق كثيرة في العالم والتي يجب النظر اليها على أنها ليست أزمة مالية فقط وأنما أزمة مركبة معقدة تعبر عن واقع معقد يحتاج الي تغيير للتخلص من تلك الدورات الهدامة. ثم أضاف في خاتمة محاضرته: " في بعض الأحيان تبرز داخل الفترات الحالكة بذور الأمل. أن نتدرب على التفكير بهذه الطريقة، تلك هي روح منهج التعقيد.
فوزي منصور
Monday, May 3, 2010
مقولة: اﻹسلام دين وسياسة..هل هي صحيحة؟
عبارة : اﻹسلام دين وسياسة ، مقولة أديولوجية روجتها خلال العقود اﻷخيرة بعض الجماعات الدينية المسلمة لتبرير اشتغالها بالسياسة .وقالت أخرى: اﻹسلام دين ودولة . وﻷنه ﻻ يوجد نموذج لهذه الدولة في التاريخ فقد تبنت بعضها ما أسمته : إحياء دولة الخلافة الراشدة ومنها من قال باتباع المنهج النبوي استنادا الى حكم النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة والخلفاءالراشدين اﻷربعة أيضا.
سأحاول هنا مناقشة تلك المقوﻻت .
أوﻻمقولةاﻹسلام دين وسياسة أو دين ودولة:
وهي مقولة تخرج الدين من وحدانيته واكتماله بذاته ألى ثنائية ليست منه أو فيه. والمقولة أيضا تقسم اﻷسلام الي ماهو دين وما هو سياسة. بينما نجد الله سبحانةوتعالى يقول في كتابه الكريم : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم دينكم ورضيت لكم اﻹسلام دينا. فاﻹسلام في هذه اﻵية له دﻻلة واحدةوهي الدين وﻻيحتمل معها أية دﻻلة أخرى تدل عليه.
فماهو الدين؟وما هو السياسة وما الفرق بينهما.؟
.الدين هو منهاج حياة يشتمل على أحكام وقيم ومبادىء لكي يهتدي بها الناس في عبادتهم لله ، هذه العبادة التي خلق الله اﻹنس والجن لها. وعبادة اﻹنس في هذا المنهج تشتمل على كل حركاتهم وسكناتهم قى الحياة الدنيا. فسعي المسلم للبحث عن الرزق عباده ، وعونه للمحتاجين عبادة ، وتربيته أوﻻده تربية حسنة عباده ، وأمره بالمعروف ونهية عن المنكر عبادة ، ومعاشرته زوجه بالحسني وبالمودة والرحمة عبادة ، وإزالته حجر عن الطريق حتي ﻻيعثر به أنسان أو دابة عبادة. وتأمله في خلق الله ودكره له قائما وقاعدا وساجدا عبادة..الخ وهذه العبادات كلها ﻻيمكن حصرها ولكن ما يميزها أنها تختلف في الكم والكيف من إنسان وآخر حسب طاقته حيث ﻻيكلف الله نفسا اﻹ وسعها واﻻنسان المسلم له مطلق الحرية فيها مالم يتعد حدود الله الواردة في كتابه وسنة رسوله الشارحة للكتاب الكريم أو المقصلة لما أجمل فيه بإرشاد الوحي حيث الرسول ﻻ ينطق عن الهوى وأنما هو وحي يوحي. وهناك عبادات مفروضه عرفت بأركان اﻹسلام مثل الصلاة خمس مرات في اليوم وإيتاء الزكاة المحددة قيمتها ومصارفها ،وصيام رمضان وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا.ومن زاد في هذه العبادات المفروضة تطوعا فهو خير له.
وأحكام الدين تضع ضوابط لكل تصرفات الناس تلك والتي اعتبرت ضمن عباداتهم ، سواء كانت تصرفات متعلقة باجتماعهم وتعاملاتهم وعلاقاتهم ، أي ما يمكن اعتباره يتعلق بعلم اﻻجتماع وعلم السياسة وعلم اﻻقتصاد.فما وافق تلك الضوابط كان من ضمن العبادات وما خالفها أو تعداها الي غيرها صار خارج نطاق العبادة ومن الذنوب واﻵثام . ويوم القيامه يحاسب اﻹنسان وفق ذلك فمن ثقلت موازينه مما آتاه في دنياه من عبادات هي من أعمال الخير واﻹحسان فهو في جنة عالية ومن خقت موازينه من كثرة آثامه وقلة عباداته فأمه هاوية، نار حامية ، يلقي فيها جزاء ماقدمت يداه من سوء.
فيما يتعلق بالسياسة نجد في كتاب الله ثلاثة ضوابط أساسية هي : الشوري والعدل واﻹحسان. وهناك أمور مرتبطة بها مثل عدم مواﻻة أعداء الله واحترام العهود والمعاهدات وعدم النكث بها وما الي ذلك. أما كيف تمارس تلك السياسة وفق تلك الضوابط اﻹلهية الحاكمة لها فذلك يرتبط بالزمان والمكان وظروفهما وإكراهاتهماوﻻيتدخل الدين فيها. فالسياسةتتفق مع متطلبات الدين إن احترمت تلك الضوابط التي هي في حد ذاتها حدود الله ومخالفة للدين إن تعدت حدود الله.وضوابط السياسة شأن الضوابط اﻻجتماعية واﻻقتصادية الواردة في كتاب الله ، وﻻ تتميز عنها في شىء.ويمكن القول فيها بأنها من أمور الدنيا وضوابطها من أمور الدين.
فساد مقولة : اﻹسلام دين وسياسة هو في تداعاتها الضارة بالدين وبالسياسة معا.ضارة بالدين ﻷنه رسخ في وعي الكثيرين ممن يقولون بها بأن الدين يقتصر على العبادات المفروضة وما أحله وما حرمه فقط وأن مازاد عن ذلك يدخل في عداد مكارم الأخلاق ،وبالتالي تجاهلوا باقي العبادات والتي هي من جوهر الدين ، وراح أعداء الدين ومن يريدون ابقاء أمة المسلمين في تخلفها يكرسون هدا المنحي الخاطئ.ووجدوا في تراث المسلمين ما يعزز مثل هذا المعني مثل القول بأنه ﻻ يجوز الخروج على الحاكم ما ترك المسلمين يمارسون شعائر دينهم بحرية ، أي يصلون في المساجد والمنازل ويصومون الشهر ويحجون الي بيت الله من استطاع اليه سبيلا.وخاصة أن القائلين بذلك يتخذهم السلفيون أئمة لهم ، ويحيطون أقوالهم بقدر من القداسة دون اﻷخذ في اﻻعتبار الظروف التاريخية التي اضطرتهم الي القول بذلك اتقاء الفتن في المجتمع المسلم الذي كان يتربص به أعداء خارجيون له ولدينه.
الضرر الثاني هو حصر تفكير المسلمين السياسي في حكم النبي والخلفاء الراشدين دون اﻷخذ في الاعتبار أيضا الظروف التاريخية لهذا الحكم واختلاف الزمان ، وإذا كان النبي والخلفاء الراشدون قد حرصوا على العدل واﻹحسان فإن تطبيق الشوري تم في أضيق الحدود والتي لم تكن تسمح الظروف بأكثر منها. وهو ما دعا فقهاء الي القول بأن الشورى تنحصر في أهل الحل والعقد ، وكان أن قامت بعض اﻷنظمة العلمانية حتي النخاع والتي ﻻ تقيم ﻷحكام الدين وأوامره ونواهيه وزنا تؤلف مجالس وتطلق عليها اسم : مجلس الشورى تجمع فيه من تعتبرهم من أهل الحل والعقد من أتباعهاوالطائعين لها أكثر من طاعتهم لخالقهم.
هل يجوز القياس على حكم النبي وحكم الخلقاء الراشدين؟..
إذا أخذنا في اﻻعتبار الظروف التاريخية لهذا الحكم لو جدنا أنه حكم صاعته الظروف التي أحاطت به ولم تسمح له بأن يكون نظاما سياسيا يتم من خلاله أدارة شؤون الدولة المترامية اﻷطراف في زمن لم تكن فيه وسائل مواصلات واتصاﻻت سوى قوافل التجارة أو الحج.
بدايةبحكم النبي ، فصفة النبوة ﻻيمكن الفصل بينها وبين ذلك الحكم ، ومن أراده فليأت بحاكم نبي ينزل عليه الوحي ليرشده إذا واجه أزمة أو مأزق ﻻيجد منهما مخرجا، وهذا مستحيل ﻷن نبينا هو آخر اﻷنبياء والرسل. ورغم نبوته ونزول الوحي عليه فإن الله قال له: وشاورهم في اﻷمر. واﻷمر هنا هو ما يتعلق بالسياسة وليس بأحكام الدين التي ينفرد بتقريرها الله سبحانه وتعالى وﻻيشرك فيها أحدا من خلقه.المشورة هنا في أمور الناس أو الدنيا الخاضعة للضوابط واﻷحكام الواردة في كتاب الله.واﻷمر فيها للناس ﻷنهم اﻷدرى بمصالحهم.
وهنا أيضا علينا أن نأخد في اﻻعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل هو وأنصاره منذ هاجر للمدينة بالغزوات لنشر الدين في شبه الجزيرة العربية ابتداء من غزوة بدر وانتهاء بغزوات الفتح وحنين ومؤته وأنه بعد انتهاء تلك الغزوات بشهور انتقل الى الرفيق اﻷعلى وكان وقتها يجهز عزوة بقيادة أسامة بن زيد وافته المنية قبل أنفادها فأنفذها من بعده أبوبكر وكانت بداية المعرك مع الروم والفرس التي تمت في عهد عمر.لم يكن حكم النبي في المدينة يختلف عن حكم شيخ القبيلة الذي يتم الرجوع اليه في كل أمر ، ولم تكن الظروف تسمح بأكثر من ذلك ، وبالتالي ﻻيمكن أدارة دولة حديثة في زماننا به. والتي يكفي فيها لكي تتطابق سياستها مع اﻹسلام أن يتحقق فيها الشورىأي ﻻينفرد بتدبير أمورها فرد أو جماعة من الناس دونا عن باقي المسلمين وأن يعبر هذا الحكم عن العدل واﻻحسان وﻻيحل محرما أو يحرم ماأحله الله لعباده ، وأﻻ يكون المال فيها دولة في يد قلة بينما تعاني الكثرة من الحرمان. وكلها ضوابط ورد ذكرها في كتاب الله.أي أن المطلوب هو تديين السياسة بحيث تتفق مع الضوابط الدينية.
بالنسبة للخلقاء الراشدين سنجد أن الخليفة اﻷول انشغل طوال حكمة بحرب الردة وماإن انتهت قتل.والثاني انشغل طوال حكمه بالفتوحات وماإن تحقق النصر فيها حتي قتل. والثالث والذي يحكد له جمعه القرآن في المصحف المتداول بيننا حاليا تفرغ للعبادة وقراءة القرآن وترك الحكم وخاتمه ﻷحد أقاربه من بني أمية فأفسد فيه مما تسبب في مقتل الخليفة .والرابع ما إن بويع حتي واجه فتنة كبرى وكانت واقعة الجمل ثم صفين ثم الخوارج وبعدها قتل ومازالت الفتنة لم ينقشع غبارها.لم يكن أي منهم بقادر على وضع نظام حكم سياسي وﻻترك تراث أو مقررات سياسية نظرية أو عملية حتي يتخذ حكمة قدوة ولم تتعرض الدولة لتنظيم أو يعتبر أن للمسلمين دولة إﻻ على يد خلفاء بني أميةوبني العباس الذين استفادوا من تراث فارس والروم السياسي.
هذه الحقائق التاريخية يتجاهلها القائلون بإحياء الخلاقة الراشدة وبأن اﻹسلام دين وسياسة وفي زمن صارت السياسة علما ﻻأدني علاقة له بالفقه مثل علوم البيولوجيا والفلك واﻻجتماع والنفس والتربية والكيمياء والفيزياء وغيرها . وكل ماهو مطلوب في ما يأخذه المسلمون منها أن تكون منضبطة ﻷحكام وضوابط وحدود القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة وﻻتحل ما حرمه الله وﻻتقضي بما يتعارض مع ما حكم به الله ورسوله وما أتانا به رسول الله من لدن ربه.وما لم يتعارض فيها مع تلك اﻷحكام يعد متمتع بالمشروعية الدينية الكاملة.
فوزي منصور
سأحاول هنا مناقشة تلك المقوﻻت .
أوﻻمقولةاﻹسلام دين وسياسة أو دين ودولة:
وهي مقولة تخرج الدين من وحدانيته واكتماله بذاته ألى ثنائية ليست منه أو فيه. والمقولة أيضا تقسم اﻷسلام الي ماهو دين وما هو سياسة. بينما نجد الله سبحانةوتعالى يقول في كتابه الكريم : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم دينكم ورضيت لكم اﻹسلام دينا. فاﻹسلام في هذه اﻵية له دﻻلة واحدةوهي الدين وﻻيحتمل معها أية دﻻلة أخرى تدل عليه.
فماهو الدين؟وما هو السياسة وما الفرق بينهما.؟
.الدين هو منهاج حياة يشتمل على أحكام وقيم ومبادىء لكي يهتدي بها الناس في عبادتهم لله ، هذه العبادة التي خلق الله اﻹنس والجن لها. وعبادة اﻹنس في هذا المنهج تشتمل على كل حركاتهم وسكناتهم قى الحياة الدنيا. فسعي المسلم للبحث عن الرزق عباده ، وعونه للمحتاجين عبادة ، وتربيته أوﻻده تربية حسنة عباده ، وأمره بالمعروف ونهية عن المنكر عبادة ، ومعاشرته زوجه بالحسني وبالمودة والرحمة عبادة ، وإزالته حجر عن الطريق حتي ﻻيعثر به أنسان أو دابة عبادة. وتأمله في خلق الله ودكره له قائما وقاعدا وساجدا عبادة..الخ وهذه العبادات كلها ﻻيمكن حصرها ولكن ما يميزها أنها تختلف في الكم والكيف من إنسان وآخر حسب طاقته حيث ﻻيكلف الله نفسا اﻹ وسعها واﻻنسان المسلم له مطلق الحرية فيها مالم يتعد حدود الله الواردة في كتابه وسنة رسوله الشارحة للكتاب الكريم أو المقصلة لما أجمل فيه بإرشاد الوحي حيث الرسول ﻻ ينطق عن الهوى وأنما هو وحي يوحي. وهناك عبادات مفروضه عرفت بأركان اﻹسلام مثل الصلاة خمس مرات في اليوم وإيتاء الزكاة المحددة قيمتها ومصارفها ،وصيام رمضان وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا.ومن زاد في هذه العبادات المفروضة تطوعا فهو خير له.
وأحكام الدين تضع ضوابط لكل تصرفات الناس تلك والتي اعتبرت ضمن عباداتهم ، سواء كانت تصرفات متعلقة باجتماعهم وتعاملاتهم وعلاقاتهم ، أي ما يمكن اعتباره يتعلق بعلم اﻻجتماع وعلم السياسة وعلم اﻻقتصاد.فما وافق تلك الضوابط كان من ضمن العبادات وما خالفها أو تعداها الي غيرها صار خارج نطاق العبادة ومن الذنوب واﻵثام . ويوم القيامه يحاسب اﻹنسان وفق ذلك فمن ثقلت موازينه مما آتاه في دنياه من عبادات هي من أعمال الخير واﻹحسان فهو في جنة عالية ومن خقت موازينه من كثرة آثامه وقلة عباداته فأمه هاوية، نار حامية ، يلقي فيها جزاء ماقدمت يداه من سوء.
فيما يتعلق بالسياسة نجد في كتاب الله ثلاثة ضوابط أساسية هي : الشوري والعدل واﻹحسان. وهناك أمور مرتبطة بها مثل عدم مواﻻة أعداء الله واحترام العهود والمعاهدات وعدم النكث بها وما الي ذلك. أما كيف تمارس تلك السياسة وفق تلك الضوابط اﻹلهية الحاكمة لها فذلك يرتبط بالزمان والمكان وظروفهما وإكراهاتهماوﻻيتدخل الدين فيها. فالسياسةتتفق مع متطلبات الدين إن احترمت تلك الضوابط التي هي في حد ذاتها حدود الله ومخالفة للدين إن تعدت حدود الله.وضوابط السياسة شأن الضوابط اﻻجتماعية واﻻقتصادية الواردة في كتاب الله ، وﻻ تتميز عنها في شىء.ويمكن القول فيها بأنها من أمور الدنيا وضوابطها من أمور الدين.
فساد مقولة : اﻹسلام دين وسياسة هو في تداعاتها الضارة بالدين وبالسياسة معا.ضارة بالدين ﻷنه رسخ في وعي الكثيرين ممن يقولون بها بأن الدين يقتصر على العبادات المفروضة وما أحله وما حرمه فقط وأن مازاد عن ذلك يدخل في عداد مكارم الأخلاق ،وبالتالي تجاهلوا باقي العبادات والتي هي من جوهر الدين ، وراح أعداء الدين ومن يريدون ابقاء أمة المسلمين في تخلفها يكرسون هدا المنحي الخاطئ.ووجدوا في تراث المسلمين ما يعزز مثل هذا المعني مثل القول بأنه ﻻ يجوز الخروج على الحاكم ما ترك المسلمين يمارسون شعائر دينهم بحرية ، أي يصلون في المساجد والمنازل ويصومون الشهر ويحجون الي بيت الله من استطاع اليه سبيلا.وخاصة أن القائلين بذلك يتخذهم السلفيون أئمة لهم ، ويحيطون أقوالهم بقدر من القداسة دون اﻷخذ في اﻻعتبار الظروف التاريخية التي اضطرتهم الي القول بذلك اتقاء الفتن في المجتمع المسلم الذي كان يتربص به أعداء خارجيون له ولدينه.
الضرر الثاني هو حصر تفكير المسلمين السياسي في حكم النبي والخلفاء الراشدين دون اﻷخذ في الاعتبار أيضا الظروف التاريخية لهذا الحكم واختلاف الزمان ، وإذا كان النبي والخلفاء الراشدون قد حرصوا على العدل واﻹحسان فإن تطبيق الشوري تم في أضيق الحدود والتي لم تكن تسمح الظروف بأكثر منها. وهو ما دعا فقهاء الي القول بأن الشورى تنحصر في أهل الحل والعقد ، وكان أن قامت بعض اﻷنظمة العلمانية حتي النخاع والتي ﻻ تقيم ﻷحكام الدين وأوامره ونواهيه وزنا تؤلف مجالس وتطلق عليها اسم : مجلس الشورى تجمع فيه من تعتبرهم من أهل الحل والعقد من أتباعهاوالطائعين لها أكثر من طاعتهم لخالقهم.
هل يجوز القياس على حكم النبي وحكم الخلقاء الراشدين؟..
إذا أخذنا في اﻻعتبار الظروف التاريخية لهذا الحكم لو جدنا أنه حكم صاعته الظروف التي أحاطت به ولم تسمح له بأن يكون نظاما سياسيا يتم من خلاله أدارة شؤون الدولة المترامية اﻷطراف في زمن لم تكن فيه وسائل مواصلات واتصاﻻت سوى قوافل التجارة أو الحج.
بدايةبحكم النبي ، فصفة النبوة ﻻيمكن الفصل بينها وبين ذلك الحكم ، ومن أراده فليأت بحاكم نبي ينزل عليه الوحي ليرشده إذا واجه أزمة أو مأزق ﻻيجد منهما مخرجا، وهذا مستحيل ﻷن نبينا هو آخر اﻷنبياء والرسل. ورغم نبوته ونزول الوحي عليه فإن الله قال له: وشاورهم في اﻷمر. واﻷمر هنا هو ما يتعلق بالسياسة وليس بأحكام الدين التي ينفرد بتقريرها الله سبحانه وتعالى وﻻيشرك فيها أحدا من خلقه.المشورة هنا في أمور الناس أو الدنيا الخاضعة للضوابط واﻷحكام الواردة في كتاب الله.واﻷمر فيها للناس ﻷنهم اﻷدرى بمصالحهم.
وهنا أيضا علينا أن نأخد في اﻻعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل هو وأنصاره منذ هاجر للمدينة بالغزوات لنشر الدين في شبه الجزيرة العربية ابتداء من غزوة بدر وانتهاء بغزوات الفتح وحنين ومؤته وأنه بعد انتهاء تلك الغزوات بشهور انتقل الى الرفيق اﻷعلى وكان وقتها يجهز عزوة بقيادة أسامة بن زيد وافته المنية قبل أنفادها فأنفذها من بعده أبوبكر وكانت بداية المعرك مع الروم والفرس التي تمت في عهد عمر.لم يكن حكم النبي في المدينة يختلف عن حكم شيخ القبيلة الذي يتم الرجوع اليه في كل أمر ، ولم تكن الظروف تسمح بأكثر من ذلك ، وبالتالي ﻻيمكن أدارة دولة حديثة في زماننا به. والتي يكفي فيها لكي تتطابق سياستها مع اﻹسلام أن يتحقق فيها الشورىأي ﻻينفرد بتدبير أمورها فرد أو جماعة من الناس دونا عن باقي المسلمين وأن يعبر هذا الحكم عن العدل واﻻحسان وﻻيحل محرما أو يحرم ماأحله الله لعباده ، وأﻻ يكون المال فيها دولة في يد قلة بينما تعاني الكثرة من الحرمان. وكلها ضوابط ورد ذكرها في كتاب الله.أي أن المطلوب هو تديين السياسة بحيث تتفق مع الضوابط الدينية.
بالنسبة للخلقاء الراشدين سنجد أن الخليفة اﻷول انشغل طوال حكمة بحرب الردة وماإن انتهت قتل.والثاني انشغل طوال حكمه بالفتوحات وماإن تحقق النصر فيها حتي قتل. والثالث والذي يحكد له جمعه القرآن في المصحف المتداول بيننا حاليا تفرغ للعبادة وقراءة القرآن وترك الحكم وخاتمه ﻷحد أقاربه من بني أمية فأفسد فيه مما تسبب في مقتل الخليفة .والرابع ما إن بويع حتي واجه فتنة كبرى وكانت واقعة الجمل ثم صفين ثم الخوارج وبعدها قتل ومازالت الفتنة لم ينقشع غبارها.لم يكن أي منهم بقادر على وضع نظام حكم سياسي وﻻترك تراث أو مقررات سياسية نظرية أو عملية حتي يتخذ حكمة قدوة ولم تتعرض الدولة لتنظيم أو يعتبر أن للمسلمين دولة إﻻ على يد خلفاء بني أميةوبني العباس الذين استفادوا من تراث فارس والروم السياسي.
هذه الحقائق التاريخية يتجاهلها القائلون بإحياء الخلاقة الراشدة وبأن اﻹسلام دين وسياسة وفي زمن صارت السياسة علما ﻻأدني علاقة له بالفقه مثل علوم البيولوجيا والفلك واﻻجتماع والنفس والتربية والكيمياء والفيزياء وغيرها . وكل ماهو مطلوب في ما يأخذه المسلمون منها أن تكون منضبطة ﻷحكام وضوابط وحدود القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة وﻻتحل ما حرمه الله وﻻتقضي بما يتعارض مع ما حكم به الله ورسوله وما أتانا به رسول الله من لدن ربه.وما لم يتعارض فيها مع تلك اﻷحكام يعد متمتع بالمشروعية الدينية الكاملة.
فوزي منصور
Wednesday, December 16, 2009
الديموقراطية التشاركية أو التشاورية كبديل عن الديموقراطية البرلمانية الحالية
الديموقراطية التشاركية أو التشاورية كبديل عن الديموقراطية البرلمانية الحالية
الديمقراطية شكل من أشكال الحكم السياسي قائمٌ علَى التعددية و التداول السلمي للسلطة بين من حازوا ثقة أكثرية الشعب في انتخابات عامة نزيهة مع احترام حقوق الانسان والمواطنة واتخاذ قرارات في كافة المجالات تتماشي مع رغبات ومصالح اغلبية السكان.وهي أيضا نظام سياسي واجتماعي مميز يحيل إلى محتمع تسوده ثقافةٍ سياسيّة و أخلاقية و قانونية مطبقه في واقع حال المجتمع الموصوف بالديموقراطي.
ويحدد غالبية السكان رغباتهم أو يفصحون عنها عن طريق انتخابهم الحزب السياسي اذي تضمنت برامجه تلك الرغبات أو عن طريق الاستفتاءات أو استتطلاعات الرأي وتلتزم الحكومة بنتائج تلك الإجراءات.
ولكن هل تحسن الأغلبية دائما التعبير عن مصالحها؟.. كثيرا ما تكون الأغلبية غير واعية بمصالحها الحقيقية وقد تتبع في تصور مصالحها زعيم له جاذبية أو كاريزمية خاصة تشكل سلطة رمزية عليهم ويكون تصوره لتلك المصالح خاطئا أو تستخدم الأحزاب في التأثير عليها شخصيات اجتماعية مثل الزعامات السياسية أو الدينية أومشاهير الفنانين والرياضيين ممن يتمتعون بكاريزمية خاصة تجعل تأثيرهم على الجمهور المنبهر بهم كبيرا ، وهي شخصيات ليست بالضروة واعية تمام الوعي باهتمامات الناس وبمصالح الجمهور ومصالح البلد الاستراتيجية.و لا يتم الاستعانة في العادة بمثقفين أو بمفكرين أوبعلماء متخصصين يعدون أكثر دراية بتلك المصالح في توجيه الجمهور .
ويتميز العصر الحالي الذي برزت فيه الثورة الأليكترونية والمعلوماتية بالتغير السريع للتقنية العلمية ومسايرة ايقاع العصر السريع والمختلف عن السابق يحتاج أيضا لنظام يكفل القدرة على سرعة اتخاذ القرارات السريعة التي تمس المواطنين في الحاضر وتؤثر أيضا على مصالح الأجيال القادمة. وهو ما لاتحققة بكفاءة حاليا النظم الديموقراطية الحالية في العالم والتي أفرزها عصر الثورة الصناعية بينما يتطلب زمن الثورة المعلوماتية ديموقراطية جديدة متوائمة معه.و قد حان الوقت للبحث عن ممارسات جديدة لتعالج ما يعتري الديمقراطية التمثيلية الحالية من قصور واستبدالها هي بذاتها بديموقراطية يكون فيها أمر الناس شورى بينهم. ولم أتعرض هنا لممارسات النظم الاستبدادية التي لا تعبأ بالرأي العام فيها والتي تتولي قمعه بشراسة في الغالب إن اعترض على سياساتها الضارة بمصالح أغلبية الشعب والمستفزة له في أن واحد ولا تهتم بغير الأوليغارشيا المسيطرة على الاقتصاد والحكم والمسخرة لهما في خدمتها.
لم ينصرف الناخبون عن العمل السياسي في الدول المتخلفة التي أقامت ديموقراطية شكلية أو مظهرية يتم فيها تزوير سجلات ولوائح الناخبين ونتائج الاقتراع بشتي السبل منها الوسائل الاليكترونية أو المعلوماتية الحديثة ،وممارسة ضغوط من الأجهزة الأمنية والنخب الحاكمة أو المسيطرة للآبقاء على احتكارها السلطة والثروة في يدها فقد وفقدت بذلك الديموقراطية البرلمانية مصداقيتها وإنما امتد فقدان الثقة في النظام البر لماني لمواطني الدول الممتقدمة الديموقراطية التي ظهرت فيها تلك الأنطمة مع الثورة الصناعية لأسباب عديدة على إثر الدخول الى عصر المعلوميات لأسباب عديدة منها التعددية الحزبية التي كانت تقوم عليها والتي كان فيها لكل حزب هويته بعد إن فقدت تلك الأحزاب الهوية التي كانت لديها وصار من العسير التفرقة بينها وتنامي الشعور لدي المواطنين بأن تلك الديموقراطية البرلمانية صارت عاجزة عن التعبير عن مصالحها الحقيقية والقدرة على ابتكار حلول لمشاكلها اليومية التي تواجهها في حياتها.
في كتابه "الموجة الثالثة"، يقول آلفين توفلر أن الحكومة القائمة على التمثيل و الإنتخاب، و التي ولدت من الأحلام التحرّريّة لثوار الموجة الثانية(يقصد عصر الصناعة)، كانت تقدّماً مدهشاً بالنسبة لنظم السلطة الأسبق، كانت نصراً تكنولوجيّاً أكثر إثارة من الآلة البخاريّة أو الطائرة . لقد أتاحت هذه الحكومة تتابعاً منظّماً، يختلف كثيراً عن حكم السلالة الوراثي، و فتحت قنوات الإتّصال في المجتمع بين القاعدة و القمّة، ووفّرت طقساً يتيح التعامل مع الخلافات بين الجماعات و الفئات المختلفة على أساس سلمي
و بفضل تمسّك هذه الحكومة، القائمة على التمثيل الإنتخابي، بمبدأ حكم الأغلبيّة، و بحقّ كلّ إنسان في إعطاء صوته، ساعدت بعض الفقراء و الضعفاء، في إستدرار بعض المنافع من إخصائيي السلطة الذين يديرون آلة التكامل في المجتمع . فظهرت الحكومة بمظهر الثورة الإنسانيّة
و مع ذلك، و منذ البداية الأولى، عجزت الحكومة دائماً عن الوفاء بالتزاماتها . لم تستطع، في أيّ مكان، أن تغيّر البناء التحتيّ للسلطة في الدول الصناعيّة ... بناء الصفوة و الصفوة العليا . و هكذا، تحوّل الإنتخاب، بصرف النظر عمّن يكسب فيه، إلى أداة ثقـافيّة قويّة في يد الصفوة.و على مرّ السنين تبدّدت الأحلام الورديّة للديموقراطية النيابية ومع إندفاع ثورة المعلومات، و تطوّر تكنولوجيّاتها، فقدت هذه الديموقراطيّة مصداقيّتها، في جميع الدول التي تأخذ بها . و الشواهد على ذلك لا تحتاج إلى حصر، أو تقديملقد كانت هذه الديموقراطيّة مناسبة منذ قرنين، عندما كانت المشاركة المباشرة للناس غير ممكنة أومجديّة . أمّا الآن فقد تغيّر الوضع .
فقدت النظم القديمة في الاقتصاد والممارسة السياسية و التعليم و الإدارة و الإعلام مصداقيتها، لتناقضها مع الواقع الجديد الذي أحدثه التحوّل من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعلومات . و في جميع المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، بدأ البحـث عن النظم الجديدة التي ستحل محلّ النظـم القديمة.ولهذا تطلع العديد من المفكرين الي ديموقراطية بديلة يمكنها أن تتمتع بمصداقية لدى كافة المواطنين ويشعرون بأنها تعبر عن مصالحهم .
وهذه الديموقراطية الجديدة التي يتم التطلع اليها والسعي بالفعل من بعض الدول المتقدمة لتحقيقها أطلق عليها اسم : الديموقراطية التشاركية أو التحاورية.
وهي نظام مجتمعي يشارك فيه كل فرد في اتخاذ القرارات التي تمسّ حياته، فلا ينيب أو يوكّل من يقوم نيابة عنه بذلك .. ديموقراطية لامركزية ترتبط ارتباطا وثيقا بإعطاء أهمية مضاعفة للحكم المحلّي، و تستفيد من التكنولوجيات المعلوماتية في التصويت و تبادل الآراء و الأفكار.
.. يقول الكاتب المستقبلي جون ناسبيت: أنّنا بصدد أوضاع جديدة، بعد مقدم ثورة الإتّصالات، و ما صاحبها من إرتفاع المستوى المعرفي للناخبين، ومع قدرتنا الحاليّة على معرفة الكثير عمّا يجري، بما لا يقل عمّا يعرفه ممثّلونا في البرلمان، و معرفتنا به بنفس السرعة.
قلنا أن الأحزاب كانت حجر الأساس في العمليّة الديموقراطيّة، و خط التجميع الرئيسي في مصنع التمثيل النيابي . و كانت تمثّل الخطوط العريضة لمصالح و لتوجّهات المواطنين، التي كانت تستقطب في اليمين و اليسار و أحيانا الوسط . و بشكل عام، كان الفرد ينتسب إلى هذه الأحزاب وفقا لهذا التقسيم.
الذي حدث خلال نصف القرن السابق، أن كلّ حزب من هذه الأحزاب قد لحق به ما لحق بكلّ شيئ قي حياتنا ، نتيجة الدخول المتصاعد لثورة المعلومات، التنوّع و التمايز و الإختلاف .ففقدت الأحزاب هويتها التي كانت تميز هدا الحزب عن ذاك و فقدت بعدها مصداقيّتها بالنسبة للناخبين، و تحوّلت الإنتخابات البرلمانيّة إلى حرب عصابات.
و الحقيقة أن إهتمام المواطن بالسياسيّين يقل يوما بعد يوم، و هذا هو السرّ في إنخفاض الإهتمام بالإنتخابات القوميّة السياسيّة
ويشير الى دلك المفكر الأمريكي : ناسبيت قائلا، أن إشتراك الشعب في الإنتخابات القوميّة يتناقص مرّة بعد مرّة . و رقم99% الشهير لا نراه سوى في الدول الشموليّة .. لقد إعتاد المحلّلون السياسيّون أن يربطوا بين ضعف الإقبال على الإنتخابات و بين اللامبالاة و الجهل . إلاّ أن هذا التحليل يفقد قوّته، عنما نرى أن الناخبين قد أصبحوا أفضل تعليماً، و أغزر معرفة، و أكثر تحديداً لموقفهم . لهذا، بدأ المحلّلون يفهمون أخيراً أن الناخبين يتخذون قراراً واعيا بعدم المشاركة في الانتخاباتً
يقول الناس أنهم لا يحملون ثقة كبيرة، لا في التنظيمات السياسيّة و لا في يشغلونها . و هم بموقفهم هذا، يعبّرون عن إيماتهم بأن السياسيّين: إمّا لا يستطيعون القيام بما يطلبه الناخبون، أو لا يريدون فعل ذلك.
ويستطرد ناسيت قائلا:.إنتزعنا جوهر القوّة السياسيّة من أيدي ممثّلينا المنتخبين، لكي نعيد إستثمارها في مجالين أساسيّين:
الأول هو الإقتراع السرّي المباشر، بالنسبة لحق إقتراح و تعديل القوانين، و بالنسبة للإسستفتاء على العمليّات المعيّنة، و الثاني هو النشاط السياسي الشعبي . و في كلّ من الحالتين، يكون المواطنون و ليس السياسيّون، هم الذين يقرّرون ما يفعلونه، و يمارسونه.
وقد اختلفت وتعددت التصورات حول أشكالها وآلياتها.ولو أنه يلاحظ أنها جميعها تم استنباطها من النظم المعلوماتية حيث تقوم شبكات صغرى بتزويد شبكات أكبر منها بالمعلومات دون وجود نظام هرمي مركزي يتحكم في تلك الشبكات الصغرى ويسود أيضا في انسياب المعلومات نطام التغذية والتغذية المرتدة. وبذلك تكون ديموقراطية المشاركة، بديل عصر المعلومات لديموقراطية التمثيل النيابي التي أفرزها عصر الثورة الصناعية ، حين تكفّلت الدولة بجميع المهام التي كانت تقوم بها الأسرة الزراعية، من تعليم و علاج و رعاية للكبار .. و أيضا بعد أن اعتمد عصر الصناعة على الإنتاج الكثيف واسع النطاق و قيام السوق للربط بين عالمي الانتاج والاستهلاك .وقد أحدثت الديموقراطية وقتها شرخا في جدار السلطة، دخلت منه أعدادا كبيرة من الطبقة المتوسّطة إلى عملية اتخاذ القرار لأوّل مرّة . وكان ذلك وقتها بمثابة ثورة في الفكر والممارسة السياسية.
يقول الأستاذ راجي عنايت :نتيجة لثورة المعلومات، و تطور تكنولوجيات المعلومات، تنوّع البشر، نتيجة لتنوّع ما أقبلوا عليه من ذلك التدفّق المعلوماتي . فلم يعودوا متماثلين متطابقين تقريبا، يكفي أن تتفهّم واحدا منهم حتّى تفهم باقيهم نفهم ذلك جيدا، إذا تأملنا مجموعة من البشر في قرية من القرى، خلال عصر الزراعة، أو في بدايات عصر الصناعة .. سنجد تقاربا شديدا في أفكار و توجهات و عادات الأفراد، نتيجة لقلة المعلومات المستجدة، و ندرة التغيرات و تباعدها زمنيا . و كان يكفي أن تقابل واحدا منهم حتّى تعرف الكثير عن باقيهم ..لكن، عندما يتنوّع البشر، يتغيّر الوضع .. و تنهار معظم النظم التي اعتمدها عصر الصناعة.
لتنوّع الذي طرأ على البشر أسقط أحد أهم مبدأ من مبادئ عصر الصناعة، و هو مبدأ النمطية، الذي يجعلنا ننظر إلى البشر كآحاد متطابقة .. وهو المبدأ الذي جعل من المركزية ممارسة عظيمة، و فن كبير، و مكسب ضخم، طوال عصر الصناعة .. و هو الذي أشاع كلّ ما هو جماهيري، أي كلّ ما يستهدف تنظيم خدمة الآحاد المتطابقة من البشر .. الإنتاج الجماهيري النمطي على نطاق واسع، و الاستهلاك الجماهيري للسلع والخدمات النمطية، التي تقبل عليها الجماهير النمطية .. و الإعلام الجماهيري الذي يتوجّه لجماهير نمطية، ساعيا إلى مزيد من قولبتها .. و أيضا الديموقراطية النيابية الجماهيرية، و التي تلخّص إرادة و توجّهات و مصالح أبناء الدائرة في نسق نمطي، يعبّر عنه بالتوكيل شخص واحد، هوالنائب البرلماني.
عندما تنوّع البشر، و اختلفت مشاربهم، سقط مبدأ النمطية و التوحيد القياسي للبشر، فاهتزّت النظم المركزية، و انهارت جميع المؤسسات الجماهيرية .. و كان من بين هذا التعثّر الحالي لديموقراطية التمثيل النيابي عالميا .. و بدأت تظهر بدائل للممارسة السياسية، كان من بينها ديموقراطية المشاركة.والحقيقة، أن المشاركة لا تقتصر تطبيقاتها على الممارسة الديموقراطية، فهي ثقافة أساسية في جميع مجالات النشاط البشري في مجتمع المعلومات.إنها ثقافة عصر المعلومات.
من أهم سمات الديموقراطية التشاركية : اللامركزية وتنظيم المواطنين والمؤسسات في شبكات أفقية لا تخظع لتتنظيم مركزي هرمي.ولما كان تحسين ظروف المعيشة هو من أولي اهتمامات المواطنين فإن تحقيق الديموقراطية الاقتصادية في مؤسسات اقتصادية واجتماعية تأخذ شكل الشبكات الأفقية ويشعر المواطنون فيها ، ليس فقط بممارستهم المشاركة في الشأن الجماعي وإنما أيضا بالنفع المادي المباشر الدي يعود عليهم من هذه الممارسة ، هو بمثابة تأهيل المواطنين لممارسة الديموقراطية السياسية التشاركية مستقبلا وفي صنع القرارات السياسية الخاصة بهم من خلالها.ومن هنا كان مخطط : الحركة المجتمعية للتنمية الذي عرضته كمشروع مجتمعي ينظر الي المستقبل ويعيد بناء المجتمعات الحالية في دول شمال أفريقيا بما يحقق أيضا التغيير الذى تنشده هده الشعوب على كافة المستويات ولاتهتدي الي السبيل اليه. أي أن هذا المخطط يعد بمثابة تطبيق عملي لأحدث التوجهات الفكرية في أوروبا والعالم وفي ذات الوقت تأسس على القيم الحضارية والدينية لمجتمعاتنا في محاولة لإعادة الاعتبار إليها باعتبارها من مقومات وضمانات الحفاظ على تماسك المجتمعات وبعث الحيوية فيها ودفعها نحو تقدم لايتم على حساب الحقوق والكرامة الانسانية أو إلحاق الضرر بالطبيعة والبيئة أو يفرط في حقوق الأجيال القادمة.
أنظر موقع الحركة المجتمعية لتنمية أفريقيا الشمالية في الفيسبوك ورابطه:
http://www.facebook.com/group.phpgid=up.phpgid=43863521285&ref=ts=
تجربة من البرازيـــل
.وفي ما يلي مقتطفات من حوار مطول أنجزته مجلة (أيريش لفت ريفيو) الأيرلندية مع الأكاديمي والمؤرخ الإيطالي بول جينسبورغ ،والدي يعمل حاليا مدرساً لمادة التاريخ الأوربي المعاصر في جامعة مدينة فلورنسا. قام بترجمته: عادل بدر سليمان. و تحدث فيه جينسبورغ عن كتابه الأخير الذي حمل عنوان (الديمقراطية: الأزمة والتجديد). عن ما ألت اليه الديموقراطية الحالية من ضعف وعن الحاجة إلى تجديدها.
يقول بول جينسبورغ : ثمة تناقض ظاهري في الديمقراطية: ما لدينا اليوم هو توسع (كمي) للديمقراطية بهذا الشكل أو ذاك,، ليس فقط في أوربا، وإنما أيضاً في جميع أنحاء العالم. لكن ثمة أزمة حقيقية في (نوعية) الديمقراطية، خصوصاً في داخل الوطن الواحد. تأخذ هذه الأزمة أشكالاً متنوعة، لكن الشكل الأهم ربما يكون هو ذاك الشعور بالبون الشاسع الذي يفصل بين ما يجري في البرلمانات وبين آراء الناس والحياة اليومية. يمكننا أن نستكشف تجليات أزمة الديمقراطية في نماذج عديدة ومتنوعة. أحد هذه النماذج، سواء أخذنا السويد أو بريطانيا أو إيطاليا حيث لم تكن عموماً نسبة الثقة بالمؤسسات عالية جداً، هو ما نراه اليوم من تراجع كبير في الإيمان بالمؤسسات الديمقراطية، وليس فقط في الطبقة السياسية، وهي قضية مختلفة، ولكن أيضاً في المؤسسات الديمقراطية.
فقد ضَعُفتْ مصداقية البرلمانات، وقلَّتْ ثقة الناس بأن البرلمانات الحديثة تقوم بعملها بشفافية ومسؤولية. ثمة ميل ،مع بعض الاستثناءات، نحو إحجام الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم، وهناك أيضاً نزعة واضحة نحو الاستخفاف بالطبقة السياسية. هذه هي بعض عناصر الأزمة التي يمكن للمرء أن يشير إليها من دون عناء، أما النتيجة التي يمكن استخلاصها من كل ذلك فهي أن الديمقراطية هي حقاً في وضع ضعيف لجهة حيازتها ثقة المواطنين. وإذا ما سحبنا هذا الأمر على الاتحاد الأوربي، فإننا سنلاحظ أن المشكلة تصبح ضخمة جداً، وذلك لأن الإقبال على التصويت في انتخابات الاتحاد الأوربي التي جرت مؤخراً في دول أوربا الشرقية كان منخفضاً إلى أبعد الحدود. وحتى في الدول التي كان فيها التصويت أعلى بقليل، كإيطاليا وإسبانيا (دون ذكر بريطانيا)، نجد أن الناس قد عبّروا عن خوفهم الشديد من الشرخ الديمقراطي الذي يفصل بين ما يحصل في المفوضية الأوربية، ومجالس الوزراء، وبين المواطنين في أوربا ككل.
في كتابي الأخير، قدمت عرضاً جدلياً حول حاجتنا للعودة إلى المبادئ الأولى، وبالتحديد حاجتنا إلى دراسة ونقاش نموذجين من الديمقراطية التمثيلية والمباشرة، والعودة إلى نموذج أثينا. ليس لأنه بوسعك استخدامه بشكل مباشر، عبر نقله بحرفيته، وإنما لأنه كان دائماً يوجد نقاش ـ يمكن للمرء تلمس وجود مثل هذا النقاش بسهولة في فترات زمنية سابقة وتحديداً في القرنين التاسع عشر والعشرين ـ حول كيفية إعطاء الناس مزيداً من السلطة بشأن حياتهم،سواء في العمل أو النظام السياسي، عبر حكومة محلية، أو صيغ جديدة من الديمقراطية التشاركية. أحاول شرح هذه النقطة في كتابي، عبر عرض بعض التجارب؛ كتجربة مدينة (بورتو أليغري)، (تقع جنوبي البرازيل يقطنها 1,5 مليون مواطن، كانت في تسعينيات القرن العشرين، المدينة الأولى التي نجح فيها (حزب العمال) بإدارة شؤون البلدية. الحزب، وهو حزب الرئيس (لولا دي سيلفا، بادر إلى طرق إدارية جديدة - خاصة في كل ما يتعلق بتخصيص الموارد البلدية- وعمل على الحفاظ على البيئة. وكذلك (الميزانية التشاركية) التي أدارتها البلدية، وبموجبها تقرر لجان الأحياء سلم الأوليات المحلية وعلى المستوى البلدي العام. تؤكد هذه التجربة أن التنمية يمكن أن تتم مع احترام البيئة، وأن الضرائب المرتفعة نسبياً، المترافقة مع استقرار وأمان اجتماعيين، لا تؤدي بالضرورة إلى هروب الرساميل وإفقار القطاعات المصرفية والتجارية. كما أن تقليص التفاوت بين الطبقات الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة هما الأساس لاحترام حقوق الإنسان وتمتين أواصرالتضامن بين الناس وبناء المواطنية . من خلال التعاون واللقاء والحوار والتصويت،أعطت تجربة (الميزانية التشاركية) سكان (بورتوأليغري)، إحساساً بالمساهمة في تسيير شؤون مدينتهم، وتحديد طبيعة حياتهم، إحساس لا يمكن أبداً للديمقراطية التمثيلية التقليدية أن تقدمه لهم.
. في الجوهر يعمل هذا النموذج على النحو التالي: مع بداية كل عام, يعود عمدة مدينة (بورتو أليغري) ومجلسها البلدي للوقوف على رأي عامة الناس، من خلال عقد اجتماعات جماهيرية يتم فيها تقديم تقارير عما أنجز في السنة الفائتة، ومن ثم الانتقال إلى دورة جديدة. يعقد الناس اجتماعات في حلقات صغيرة جداً، على مستوى الشارع أوالحي, من أجل صياغة مطالبهم الأولى, ثم ُتعقدُ اجتماعات رئيسية ضخمة تضمُ جميع مناطق المدينة لإقرار جزء من الميزانية المحلية وليس كلها، لأن الميزانية بالطبع تتضمن الرواتب والنفقات الثابتة والتعويضات وغير ذلك. وفي المرحلة التالية تقوم هذه الاجتماعات الضخمة بانتخاب مجلس الميزانية,، وهنا تكمن الخطوة الأكثر إبداعاً في هذه العملية.
في المحصلةي، صحيح أنه يتكون لديك مجلس بلدي منتخب بطرق ديمقراطية تقليدية تمثيلية, ولكن يتكون لديك أيضاً مجلس للميزانية منبثق مباشرةً عن القاعدة الشعبية. يخرج عن هذه العملية الديمقراطية المحلية المباشرة عدد من الوفود (40 وفداً) تقيم طوال فصل الصيف نقاشات حول الميزانية مع المجلس البلدي، وخصوصاً مع العمدة، بغية تحديد تفاصيل وأوَّليات ذلك القسم من الميزانية الذي انتزعته الجماهير بطريقة ديمقراطية سلمية. ثم يعودون إلى حلقات اللقاء الصغيرة في الأحياء ليقدموا لها تقريراً عما توصلوا إليه. وفي نهاية هذه الدورةا لسنوية.يتبنى العمدة القرارات التي تخرج من النقاش، ويجعل منها برنامجاً للمدينة يبدأ بتنفيذه فوراً. المثير للإعجاب في تجربة (بورتو أليغري)، وبخلاف التجارب التي حدثت في أوربا، هو ذلك العدد الكبير من فئات العمال,، الرجال منهم والنساء، ومن جميع الأقليات التي تنخرط في هذه العملية الديمقراطية.
لا يمكنك أن تركز كامل نشاطك على فكرة تجديد الديمقراطية, بل أعتقد أن الجميع بات الآن مدركاً لضرورة تجديد التفكيرالاقتصادي،والديمقراطية الاقتصادية، ولضرورة البحث عن نظام اقتصادي بديل يكفل تمويل صناديق التقاعد، والتعاونيات، وكل أشكال الضمان الاجتماعي. ثمة حاجة ملحة لإجراء المزيد من النقاش، وتقديم المزيد من المقترحات حتى نتوصل إلى صيغة تنظيمية معينة. أعتقد أن القضية الهامة هنا هي كيف تصيغ برنامج عمل يقنع الجماهير بأنه برنامج واقعي يحمل أهدافاً قابلة للتطبيق. ما لدينا اليوم من مكاسب اجتماعية هي فقط ما تبقى من مآثر التقليد الشيوعي، ومن موروث الديمقراطية الاجتماعية، فقد أخفقنا مع بداية القرن الحادي والعشرين في المحافظة على كل تلك المكاسب، كما لم نتمكن من تكوين فكر جديد يستنبط نظرية جديدة تقوم مثلاً بفك طلاسم الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية.
وإذا ما نظرنا إلى عدد الأشخاص الذين يريدون المشاركة في الأنواع المختلفة من الجمعيات التطوعية، وإلى الأشخاص الفاعلين في المجتمع المدني, فإننا نرى أن الناس لا يرغبون في المشاركة على أساس يومي وفي جميع أشكال حياتهم، وإنما فقط في أجزاء ولحظات محددة من
حياتهم. أعتقد أن هذا النوع من التشارك؛ سواء كان تشاركاً في المجتمع المدني، أو في أشكال ديمقراطية أخرى،هو من ضمن الأشياء التي تأتي وتذهب في منحنى دورة الحياة الفردية. لذلك يمكنك أن تكون ناشطاً ومهتماً في العشرينيات من عمرك، ثم تبتعد عندما يصبح لديك أولاد صغار، ثم تعود فيما بعد لتصبح ناشطاً، وهذا بمجمله سيكون شكلاً من أشكال ترسبات الممارسة الديمقراطية،ونوعاً من أنواع الابتعاد عن العائلة، والخروج من حالة الجلوس الدائم أمام التلفاز، والانتقال للقيام بعملٍ ما. لا أعتقد أن الناس، وخصوصاً في هذا الوقت الذي يتعرضون فيه لضربات الأزمة الاقتصادية العالمية،بعيدون عن هذه الأفكار على الإطلاق.(انتهي ).
وهذه الأفكار يمكن أن تستفيد بها مؤسسات الحركة المجتمعية في عملها الجماهيري.وقد استفادت الحركة من أكثر تصورات الديموقراطية التشاركية شهرة والذي يتجه في تطبيقها الى أن يتم توزيع سكان المجتمع الراشدين في حي من أحياء المدينة على فئات أو قطاعات مهنية ينتمون اليها تتشاور كل فئة أو ألمنتمين الي القطاع المهني في مسألة مع تزويدهم بكافة المعلومات المتعلقة بالمسألة المطلوب استشارتهم فيها ، أو الحاق خبراي متخصصون في تلك المسألة المعروضة عليهم وبحيث يكون كل عضو مشارك في هذه العملية التشاورية قادراعلى الفهم والتعلم والتحليل وصياغة حكم معلَّل بما يساعد في النهايةعلى تكوين الرأي الصائب في الموضوع محل التشاور. ثم تختار كل فئة أو قطاع ممثل لها ينقل أفكارها إلى لجنة تضم ممثلي تلك الفئات أو القطاعات في الحي تقوم برفع ما يتم الاتفاق عليه بينهم الي مستوى تنظيمي أعلى يشمل جميع أحياء المدينة يتم فيه مراجعتها وبعد التوافق عليها ترفع إلى مستوى أكبر يدمع عددا من المدن وفي النهاية يصل الى الجهة المخولة بصناعة القرار.أي أن صناعة القرار السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو البيئي أو غيره يبدأ من القاعدة ثم يتم تصعيده وليس مثلما هو متبع حاليا يصدر من القمة ويتم إلزام القاعدة به التي لم تتم استشارتها أو الأخذ برأيها ، وتم الاكتفاء بممثل في البرلمان قد لايدرك انعكاسات القرار على المواطنين أو المعنيين به .ـويتم من خلال ذلك وضع المواطنين في ظرفٍ يتمكنون فيه من الفهم وتبادل الآراء والتصرّف بمسؤولية في صنع القرارات السياسية وفي صياغة القوانين أيضا التي تهم كل المواطنين أو تهم فئة أو أصحاب مهنة معينة منهم بما يضمن لهم عدم صدور أية قوانين لاتحمي مصالحهم المشروعة.وبحيث يكون القرار الذي يصدر معبرا عن الإرادة العامة وليس بناء على رغبات نخبة معينة لايهمها سوى تحقيق مصالحها ولو على حساب أغلبية الشعب.والقرار الذي يصاغ وفق تلك المسطرة أو الطريقة لايمكن اعتباره قرار أغلبية أو أقلية وإنما سيكون قرار كامل أفراد الأمة الراشدين الذين شاركوا في صنعه. ويساهم التقدم الحاصل في مجال المعلوميات على أتمام تلك العمليات بكفاءة ويسر وبسرعة كبيرة جدا وهو الأمر الذي لم يكن متاحا من قبل .ويمكن للتشاور أن يضم مجتمعات دول أخرى في نفس الوقت داخل الإقليم الجغرافي أو على مستوى العالم كله. وتم تطبيق ذلك في الجمعيات المدنية التي تقوم وفق نظام الحركة حيث تم تقسيمها إلى 19 قطاع مهني يختار كل قطاع نقيبا له يكون عضوا في مجلس أدارة الجمعية المشكل من نقباء المهن وبحيث ينقل كل نقيب الي ذلك المجلس تصورات أعضاء قطاعة في مسألة أو مشروع ما ويتم تبادل الرأي بين النقباء لاتخاذ قرار موحد يستجيب الى ما تم جمعه من رؤى وتطلعات.
فوزي منصور.
الديمقراطية شكل من أشكال الحكم السياسي قائمٌ علَى التعددية و التداول السلمي للسلطة بين من حازوا ثقة أكثرية الشعب في انتخابات عامة نزيهة مع احترام حقوق الانسان والمواطنة واتخاذ قرارات في كافة المجالات تتماشي مع رغبات ومصالح اغلبية السكان.وهي أيضا نظام سياسي واجتماعي مميز يحيل إلى محتمع تسوده ثقافةٍ سياسيّة و أخلاقية و قانونية مطبقه في واقع حال المجتمع الموصوف بالديموقراطي.
ويحدد غالبية السكان رغباتهم أو يفصحون عنها عن طريق انتخابهم الحزب السياسي اذي تضمنت برامجه تلك الرغبات أو عن طريق الاستفتاءات أو استتطلاعات الرأي وتلتزم الحكومة بنتائج تلك الإجراءات.
ولكن هل تحسن الأغلبية دائما التعبير عن مصالحها؟.. كثيرا ما تكون الأغلبية غير واعية بمصالحها الحقيقية وقد تتبع في تصور مصالحها زعيم له جاذبية أو كاريزمية خاصة تشكل سلطة رمزية عليهم ويكون تصوره لتلك المصالح خاطئا أو تستخدم الأحزاب في التأثير عليها شخصيات اجتماعية مثل الزعامات السياسية أو الدينية أومشاهير الفنانين والرياضيين ممن يتمتعون بكاريزمية خاصة تجعل تأثيرهم على الجمهور المنبهر بهم كبيرا ، وهي شخصيات ليست بالضروة واعية تمام الوعي باهتمامات الناس وبمصالح الجمهور ومصالح البلد الاستراتيجية.و لا يتم الاستعانة في العادة بمثقفين أو بمفكرين أوبعلماء متخصصين يعدون أكثر دراية بتلك المصالح في توجيه الجمهور .
ويتميز العصر الحالي الذي برزت فيه الثورة الأليكترونية والمعلوماتية بالتغير السريع للتقنية العلمية ومسايرة ايقاع العصر السريع والمختلف عن السابق يحتاج أيضا لنظام يكفل القدرة على سرعة اتخاذ القرارات السريعة التي تمس المواطنين في الحاضر وتؤثر أيضا على مصالح الأجيال القادمة. وهو ما لاتحققة بكفاءة حاليا النظم الديموقراطية الحالية في العالم والتي أفرزها عصر الثورة الصناعية بينما يتطلب زمن الثورة المعلوماتية ديموقراطية جديدة متوائمة معه.و قد حان الوقت للبحث عن ممارسات جديدة لتعالج ما يعتري الديمقراطية التمثيلية الحالية من قصور واستبدالها هي بذاتها بديموقراطية يكون فيها أمر الناس شورى بينهم. ولم أتعرض هنا لممارسات النظم الاستبدادية التي لا تعبأ بالرأي العام فيها والتي تتولي قمعه بشراسة في الغالب إن اعترض على سياساتها الضارة بمصالح أغلبية الشعب والمستفزة له في أن واحد ولا تهتم بغير الأوليغارشيا المسيطرة على الاقتصاد والحكم والمسخرة لهما في خدمتها.
لم ينصرف الناخبون عن العمل السياسي في الدول المتخلفة التي أقامت ديموقراطية شكلية أو مظهرية يتم فيها تزوير سجلات ولوائح الناخبين ونتائج الاقتراع بشتي السبل منها الوسائل الاليكترونية أو المعلوماتية الحديثة ،وممارسة ضغوط من الأجهزة الأمنية والنخب الحاكمة أو المسيطرة للآبقاء على احتكارها السلطة والثروة في يدها فقد وفقدت بذلك الديموقراطية البرلمانية مصداقيتها وإنما امتد فقدان الثقة في النظام البر لماني لمواطني الدول الممتقدمة الديموقراطية التي ظهرت فيها تلك الأنطمة مع الثورة الصناعية لأسباب عديدة على إثر الدخول الى عصر المعلوميات لأسباب عديدة منها التعددية الحزبية التي كانت تقوم عليها والتي كان فيها لكل حزب هويته بعد إن فقدت تلك الأحزاب الهوية التي كانت لديها وصار من العسير التفرقة بينها وتنامي الشعور لدي المواطنين بأن تلك الديموقراطية البرلمانية صارت عاجزة عن التعبير عن مصالحها الحقيقية والقدرة على ابتكار حلول لمشاكلها اليومية التي تواجهها في حياتها.
في كتابه "الموجة الثالثة"، يقول آلفين توفلر أن الحكومة القائمة على التمثيل و الإنتخاب، و التي ولدت من الأحلام التحرّريّة لثوار الموجة الثانية(يقصد عصر الصناعة)، كانت تقدّماً مدهشاً بالنسبة لنظم السلطة الأسبق، كانت نصراً تكنولوجيّاً أكثر إثارة من الآلة البخاريّة أو الطائرة . لقد أتاحت هذه الحكومة تتابعاً منظّماً، يختلف كثيراً عن حكم السلالة الوراثي، و فتحت قنوات الإتّصال في المجتمع بين القاعدة و القمّة، ووفّرت طقساً يتيح التعامل مع الخلافات بين الجماعات و الفئات المختلفة على أساس سلمي
و بفضل تمسّك هذه الحكومة، القائمة على التمثيل الإنتخابي، بمبدأ حكم الأغلبيّة، و بحقّ كلّ إنسان في إعطاء صوته، ساعدت بعض الفقراء و الضعفاء، في إستدرار بعض المنافع من إخصائيي السلطة الذين يديرون آلة التكامل في المجتمع . فظهرت الحكومة بمظهر الثورة الإنسانيّة
و مع ذلك، و منذ البداية الأولى، عجزت الحكومة دائماً عن الوفاء بالتزاماتها . لم تستطع، في أيّ مكان، أن تغيّر البناء التحتيّ للسلطة في الدول الصناعيّة ... بناء الصفوة و الصفوة العليا . و هكذا، تحوّل الإنتخاب، بصرف النظر عمّن يكسب فيه، إلى أداة ثقـافيّة قويّة في يد الصفوة.و على مرّ السنين تبدّدت الأحلام الورديّة للديموقراطية النيابية ومع إندفاع ثورة المعلومات، و تطوّر تكنولوجيّاتها، فقدت هذه الديموقراطيّة مصداقيّتها، في جميع الدول التي تأخذ بها . و الشواهد على ذلك لا تحتاج إلى حصر، أو تقديملقد كانت هذه الديموقراطيّة مناسبة منذ قرنين، عندما كانت المشاركة المباشرة للناس غير ممكنة أومجديّة . أمّا الآن فقد تغيّر الوضع .
فقدت النظم القديمة في الاقتصاد والممارسة السياسية و التعليم و الإدارة و الإعلام مصداقيتها، لتناقضها مع الواقع الجديد الذي أحدثه التحوّل من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعلومات . و في جميع المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، بدأ البحـث عن النظم الجديدة التي ستحل محلّ النظـم القديمة.ولهذا تطلع العديد من المفكرين الي ديموقراطية بديلة يمكنها أن تتمتع بمصداقية لدى كافة المواطنين ويشعرون بأنها تعبر عن مصالحهم .
وهذه الديموقراطية الجديدة التي يتم التطلع اليها والسعي بالفعل من بعض الدول المتقدمة لتحقيقها أطلق عليها اسم : الديموقراطية التشاركية أو التحاورية.
وهي نظام مجتمعي يشارك فيه كل فرد في اتخاذ القرارات التي تمسّ حياته، فلا ينيب أو يوكّل من يقوم نيابة عنه بذلك .. ديموقراطية لامركزية ترتبط ارتباطا وثيقا بإعطاء أهمية مضاعفة للحكم المحلّي، و تستفيد من التكنولوجيات المعلوماتية في التصويت و تبادل الآراء و الأفكار.
.. يقول الكاتب المستقبلي جون ناسبيت: أنّنا بصدد أوضاع جديدة، بعد مقدم ثورة الإتّصالات، و ما صاحبها من إرتفاع المستوى المعرفي للناخبين، ومع قدرتنا الحاليّة على معرفة الكثير عمّا يجري، بما لا يقل عمّا يعرفه ممثّلونا في البرلمان، و معرفتنا به بنفس السرعة.
قلنا أن الأحزاب كانت حجر الأساس في العمليّة الديموقراطيّة، و خط التجميع الرئيسي في مصنع التمثيل النيابي . و كانت تمثّل الخطوط العريضة لمصالح و لتوجّهات المواطنين، التي كانت تستقطب في اليمين و اليسار و أحيانا الوسط . و بشكل عام، كان الفرد ينتسب إلى هذه الأحزاب وفقا لهذا التقسيم.
الذي حدث خلال نصف القرن السابق، أن كلّ حزب من هذه الأحزاب قد لحق به ما لحق بكلّ شيئ قي حياتنا ، نتيجة الدخول المتصاعد لثورة المعلومات، التنوّع و التمايز و الإختلاف .ففقدت الأحزاب هويتها التي كانت تميز هدا الحزب عن ذاك و فقدت بعدها مصداقيّتها بالنسبة للناخبين، و تحوّلت الإنتخابات البرلمانيّة إلى حرب عصابات.
و الحقيقة أن إهتمام المواطن بالسياسيّين يقل يوما بعد يوم، و هذا هو السرّ في إنخفاض الإهتمام بالإنتخابات القوميّة السياسيّة
ويشير الى دلك المفكر الأمريكي : ناسبيت قائلا، أن إشتراك الشعب في الإنتخابات القوميّة يتناقص مرّة بعد مرّة . و رقم99% الشهير لا نراه سوى في الدول الشموليّة .. لقد إعتاد المحلّلون السياسيّون أن يربطوا بين ضعف الإقبال على الإنتخابات و بين اللامبالاة و الجهل . إلاّ أن هذا التحليل يفقد قوّته، عنما نرى أن الناخبين قد أصبحوا أفضل تعليماً، و أغزر معرفة، و أكثر تحديداً لموقفهم . لهذا، بدأ المحلّلون يفهمون أخيراً أن الناخبين يتخذون قراراً واعيا بعدم المشاركة في الانتخاباتً
يقول الناس أنهم لا يحملون ثقة كبيرة، لا في التنظيمات السياسيّة و لا في يشغلونها . و هم بموقفهم هذا، يعبّرون عن إيماتهم بأن السياسيّين: إمّا لا يستطيعون القيام بما يطلبه الناخبون، أو لا يريدون فعل ذلك.
ويستطرد ناسيت قائلا:.إنتزعنا جوهر القوّة السياسيّة من أيدي ممثّلينا المنتخبين، لكي نعيد إستثمارها في مجالين أساسيّين:
الأول هو الإقتراع السرّي المباشر، بالنسبة لحق إقتراح و تعديل القوانين، و بالنسبة للإسستفتاء على العمليّات المعيّنة، و الثاني هو النشاط السياسي الشعبي . و في كلّ من الحالتين، يكون المواطنون و ليس السياسيّون، هم الذين يقرّرون ما يفعلونه، و يمارسونه.
وقد اختلفت وتعددت التصورات حول أشكالها وآلياتها.ولو أنه يلاحظ أنها جميعها تم استنباطها من النظم المعلوماتية حيث تقوم شبكات صغرى بتزويد شبكات أكبر منها بالمعلومات دون وجود نظام هرمي مركزي يتحكم في تلك الشبكات الصغرى ويسود أيضا في انسياب المعلومات نطام التغذية والتغذية المرتدة. وبذلك تكون ديموقراطية المشاركة، بديل عصر المعلومات لديموقراطية التمثيل النيابي التي أفرزها عصر الثورة الصناعية ، حين تكفّلت الدولة بجميع المهام التي كانت تقوم بها الأسرة الزراعية، من تعليم و علاج و رعاية للكبار .. و أيضا بعد أن اعتمد عصر الصناعة على الإنتاج الكثيف واسع النطاق و قيام السوق للربط بين عالمي الانتاج والاستهلاك .وقد أحدثت الديموقراطية وقتها شرخا في جدار السلطة، دخلت منه أعدادا كبيرة من الطبقة المتوسّطة إلى عملية اتخاذ القرار لأوّل مرّة . وكان ذلك وقتها بمثابة ثورة في الفكر والممارسة السياسية.
يقول الأستاذ راجي عنايت :نتيجة لثورة المعلومات، و تطور تكنولوجيات المعلومات، تنوّع البشر، نتيجة لتنوّع ما أقبلوا عليه من ذلك التدفّق المعلوماتي . فلم يعودوا متماثلين متطابقين تقريبا، يكفي أن تتفهّم واحدا منهم حتّى تفهم باقيهم نفهم ذلك جيدا، إذا تأملنا مجموعة من البشر في قرية من القرى، خلال عصر الزراعة، أو في بدايات عصر الصناعة .. سنجد تقاربا شديدا في أفكار و توجهات و عادات الأفراد، نتيجة لقلة المعلومات المستجدة، و ندرة التغيرات و تباعدها زمنيا . و كان يكفي أن تقابل واحدا منهم حتّى تعرف الكثير عن باقيهم ..لكن، عندما يتنوّع البشر، يتغيّر الوضع .. و تنهار معظم النظم التي اعتمدها عصر الصناعة.
لتنوّع الذي طرأ على البشر أسقط أحد أهم مبدأ من مبادئ عصر الصناعة، و هو مبدأ النمطية، الذي يجعلنا ننظر إلى البشر كآحاد متطابقة .. وهو المبدأ الذي جعل من المركزية ممارسة عظيمة، و فن كبير، و مكسب ضخم، طوال عصر الصناعة .. و هو الذي أشاع كلّ ما هو جماهيري، أي كلّ ما يستهدف تنظيم خدمة الآحاد المتطابقة من البشر .. الإنتاج الجماهيري النمطي على نطاق واسع، و الاستهلاك الجماهيري للسلع والخدمات النمطية، التي تقبل عليها الجماهير النمطية .. و الإعلام الجماهيري الذي يتوجّه لجماهير نمطية، ساعيا إلى مزيد من قولبتها .. و أيضا الديموقراطية النيابية الجماهيرية، و التي تلخّص إرادة و توجّهات و مصالح أبناء الدائرة في نسق نمطي، يعبّر عنه بالتوكيل شخص واحد، هوالنائب البرلماني.
عندما تنوّع البشر، و اختلفت مشاربهم، سقط مبدأ النمطية و التوحيد القياسي للبشر، فاهتزّت النظم المركزية، و انهارت جميع المؤسسات الجماهيرية .. و كان من بين هذا التعثّر الحالي لديموقراطية التمثيل النيابي عالميا .. و بدأت تظهر بدائل للممارسة السياسية، كان من بينها ديموقراطية المشاركة.والحقيقة، أن المشاركة لا تقتصر تطبيقاتها على الممارسة الديموقراطية، فهي ثقافة أساسية في جميع مجالات النشاط البشري في مجتمع المعلومات.إنها ثقافة عصر المعلومات.
من أهم سمات الديموقراطية التشاركية : اللامركزية وتنظيم المواطنين والمؤسسات في شبكات أفقية لا تخظع لتتنظيم مركزي هرمي.ولما كان تحسين ظروف المعيشة هو من أولي اهتمامات المواطنين فإن تحقيق الديموقراطية الاقتصادية في مؤسسات اقتصادية واجتماعية تأخذ شكل الشبكات الأفقية ويشعر المواطنون فيها ، ليس فقط بممارستهم المشاركة في الشأن الجماعي وإنما أيضا بالنفع المادي المباشر الدي يعود عليهم من هذه الممارسة ، هو بمثابة تأهيل المواطنين لممارسة الديموقراطية السياسية التشاركية مستقبلا وفي صنع القرارات السياسية الخاصة بهم من خلالها.ومن هنا كان مخطط : الحركة المجتمعية للتنمية الذي عرضته كمشروع مجتمعي ينظر الي المستقبل ويعيد بناء المجتمعات الحالية في دول شمال أفريقيا بما يحقق أيضا التغيير الذى تنشده هده الشعوب على كافة المستويات ولاتهتدي الي السبيل اليه. أي أن هذا المخطط يعد بمثابة تطبيق عملي لأحدث التوجهات الفكرية في أوروبا والعالم وفي ذات الوقت تأسس على القيم الحضارية والدينية لمجتمعاتنا في محاولة لإعادة الاعتبار إليها باعتبارها من مقومات وضمانات الحفاظ على تماسك المجتمعات وبعث الحيوية فيها ودفعها نحو تقدم لايتم على حساب الحقوق والكرامة الانسانية أو إلحاق الضرر بالطبيعة والبيئة أو يفرط في حقوق الأجيال القادمة.
أنظر موقع الحركة المجتمعية لتنمية أفريقيا الشمالية في الفيسبوك ورابطه:
http://www.facebook.com/group.phpgid=up.phpgid=43863521285&ref=ts=
تجربة من البرازيـــل
.وفي ما يلي مقتطفات من حوار مطول أنجزته مجلة (أيريش لفت ريفيو) الأيرلندية مع الأكاديمي والمؤرخ الإيطالي بول جينسبورغ ،والدي يعمل حاليا مدرساً لمادة التاريخ الأوربي المعاصر في جامعة مدينة فلورنسا. قام بترجمته: عادل بدر سليمان. و تحدث فيه جينسبورغ عن كتابه الأخير الذي حمل عنوان (الديمقراطية: الأزمة والتجديد). عن ما ألت اليه الديموقراطية الحالية من ضعف وعن الحاجة إلى تجديدها.
يقول بول جينسبورغ : ثمة تناقض ظاهري في الديمقراطية: ما لدينا اليوم هو توسع (كمي) للديمقراطية بهذا الشكل أو ذاك,، ليس فقط في أوربا، وإنما أيضاً في جميع أنحاء العالم. لكن ثمة أزمة حقيقية في (نوعية) الديمقراطية، خصوصاً في داخل الوطن الواحد. تأخذ هذه الأزمة أشكالاً متنوعة، لكن الشكل الأهم ربما يكون هو ذاك الشعور بالبون الشاسع الذي يفصل بين ما يجري في البرلمانات وبين آراء الناس والحياة اليومية. يمكننا أن نستكشف تجليات أزمة الديمقراطية في نماذج عديدة ومتنوعة. أحد هذه النماذج، سواء أخذنا السويد أو بريطانيا أو إيطاليا حيث لم تكن عموماً نسبة الثقة بالمؤسسات عالية جداً، هو ما نراه اليوم من تراجع كبير في الإيمان بالمؤسسات الديمقراطية، وليس فقط في الطبقة السياسية، وهي قضية مختلفة، ولكن أيضاً في المؤسسات الديمقراطية.
فقد ضَعُفتْ مصداقية البرلمانات، وقلَّتْ ثقة الناس بأن البرلمانات الحديثة تقوم بعملها بشفافية ومسؤولية. ثمة ميل ،مع بعض الاستثناءات، نحو إحجام الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم، وهناك أيضاً نزعة واضحة نحو الاستخفاف بالطبقة السياسية. هذه هي بعض عناصر الأزمة التي يمكن للمرء أن يشير إليها من دون عناء، أما النتيجة التي يمكن استخلاصها من كل ذلك فهي أن الديمقراطية هي حقاً في وضع ضعيف لجهة حيازتها ثقة المواطنين. وإذا ما سحبنا هذا الأمر على الاتحاد الأوربي، فإننا سنلاحظ أن المشكلة تصبح ضخمة جداً، وذلك لأن الإقبال على التصويت في انتخابات الاتحاد الأوربي التي جرت مؤخراً في دول أوربا الشرقية كان منخفضاً إلى أبعد الحدود. وحتى في الدول التي كان فيها التصويت أعلى بقليل، كإيطاليا وإسبانيا (دون ذكر بريطانيا)، نجد أن الناس قد عبّروا عن خوفهم الشديد من الشرخ الديمقراطي الذي يفصل بين ما يحصل في المفوضية الأوربية، ومجالس الوزراء، وبين المواطنين في أوربا ككل.
في كتابي الأخير، قدمت عرضاً جدلياً حول حاجتنا للعودة إلى المبادئ الأولى، وبالتحديد حاجتنا إلى دراسة ونقاش نموذجين من الديمقراطية التمثيلية والمباشرة، والعودة إلى نموذج أثينا. ليس لأنه بوسعك استخدامه بشكل مباشر، عبر نقله بحرفيته، وإنما لأنه كان دائماً يوجد نقاش ـ يمكن للمرء تلمس وجود مثل هذا النقاش بسهولة في فترات زمنية سابقة وتحديداً في القرنين التاسع عشر والعشرين ـ حول كيفية إعطاء الناس مزيداً من السلطة بشأن حياتهم،سواء في العمل أو النظام السياسي، عبر حكومة محلية، أو صيغ جديدة من الديمقراطية التشاركية. أحاول شرح هذه النقطة في كتابي، عبر عرض بعض التجارب؛ كتجربة مدينة (بورتو أليغري)، (تقع جنوبي البرازيل يقطنها 1,5 مليون مواطن، كانت في تسعينيات القرن العشرين، المدينة الأولى التي نجح فيها (حزب العمال) بإدارة شؤون البلدية. الحزب، وهو حزب الرئيس (لولا دي سيلفا، بادر إلى طرق إدارية جديدة - خاصة في كل ما يتعلق بتخصيص الموارد البلدية- وعمل على الحفاظ على البيئة. وكذلك (الميزانية التشاركية) التي أدارتها البلدية، وبموجبها تقرر لجان الأحياء سلم الأوليات المحلية وعلى المستوى البلدي العام. تؤكد هذه التجربة أن التنمية يمكن أن تتم مع احترام البيئة، وأن الضرائب المرتفعة نسبياً، المترافقة مع استقرار وأمان اجتماعيين، لا تؤدي بالضرورة إلى هروب الرساميل وإفقار القطاعات المصرفية والتجارية. كما أن تقليص التفاوت بين الطبقات الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة هما الأساس لاحترام حقوق الإنسان وتمتين أواصرالتضامن بين الناس وبناء المواطنية . من خلال التعاون واللقاء والحوار والتصويت،أعطت تجربة (الميزانية التشاركية) سكان (بورتوأليغري)، إحساساً بالمساهمة في تسيير شؤون مدينتهم، وتحديد طبيعة حياتهم، إحساس لا يمكن أبداً للديمقراطية التمثيلية التقليدية أن تقدمه لهم.
. في الجوهر يعمل هذا النموذج على النحو التالي: مع بداية كل عام, يعود عمدة مدينة (بورتو أليغري) ومجلسها البلدي للوقوف على رأي عامة الناس، من خلال عقد اجتماعات جماهيرية يتم فيها تقديم تقارير عما أنجز في السنة الفائتة، ومن ثم الانتقال إلى دورة جديدة. يعقد الناس اجتماعات في حلقات صغيرة جداً، على مستوى الشارع أوالحي, من أجل صياغة مطالبهم الأولى, ثم ُتعقدُ اجتماعات رئيسية ضخمة تضمُ جميع مناطق المدينة لإقرار جزء من الميزانية المحلية وليس كلها، لأن الميزانية بالطبع تتضمن الرواتب والنفقات الثابتة والتعويضات وغير ذلك. وفي المرحلة التالية تقوم هذه الاجتماعات الضخمة بانتخاب مجلس الميزانية,، وهنا تكمن الخطوة الأكثر إبداعاً في هذه العملية.
في المحصلةي، صحيح أنه يتكون لديك مجلس بلدي منتخب بطرق ديمقراطية تقليدية تمثيلية, ولكن يتكون لديك أيضاً مجلس للميزانية منبثق مباشرةً عن القاعدة الشعبية. يخرج عن هذه العملية الديمقراطية المحلية المباشرة عدد من الوفود (40 وفداً) تقيم طوال فصل الصيف نقاشات حول الميزانية مع المجلس البلدي، وخصوصاً مع العمدة، بغية تحديد تفاصيل وأوَّليات ذلك القسم من الميزانية الذي انتزعته الجماهير بطريقة ديمقراطية سلمية. ثم يعودون إلى حلقات اللقاء الصغيرة في الأحياء ليقدموا لها تقريراً عما توصلوا إليه. وفي نهاية هذه الدورةا لسنوية.يتبنى العمدة القرارات التي تخرج من النقاش، ويجعل منها برنامجاً للمدينة يبدأ بتنفيذه فوراً. المثير للإعجاب في تجربة (بورتو أليغري)، وبخلاف التجارب التي حدثت في أوربا، هو ذلك العدد الكبير من فئات العمال,، الرجال منهم والنساء، ومن جميع الأقليات التي تنخرط في هذه العملية الديمقراطية.
لا يمكنك أن تركز كامل نشاطك على فكرة تجديد الديمقراطية, بل أعتقد أن الجميع بات الآن مدركاً لضرورة تجديد التفكيرالاقتصادي،والديمقراطية الاقتصادية، ولضرورة البحث عن نظام اقتصادي بديل يكفل تمويل صناديق التقاعد، والتعاونيات، وكل أشكال الضمان الاجتماعي. ثمة حاجة ملحة لإجراء المزيد من النقاش، وتقديم المزيد من المقترحات حتى نتوصل إلى صيغة تنظيمية معينة. أعتقد أن القضية الهامة هنا هي كيف تصيغ برنامج عمل يقنع الجماهير بأنه برنامج واقعي يحمل أهدافاً قابلة للتطبيق. ما لدينا اليوم من مكاسب اجتماعية هي فقط ما تبقى من مآثر التقليد الشيوعي، ومن موروث الديمقراطية الاجتماعية، فقد أخفقنا مع بداية القرن الحادي والعشرين في المحافظة على كل تلك المكاسب، كما لم نتمكن من تكوين فكر جديد يستنبط نظرية جديدة تقوم مثلاً بفك طلاسم الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية.
وإذا ما نظرنا إلى عدد الأشخاص الذين يريدون المشاركة في الأنواع المختلفة من الجمعيات التطوعية، وإلى الأشخاص الفاعلين في المجتمع المدني, فإننا نرى أن الناس لا يرغبون في المشاركة على أساس يومي وفي جميع أشكال حياتهم، وإنما فقط في أجزاء ولحظات محددة من
حياتهم. أعتقد أن هذا النوع من التشارك؛ سواء كان تشاركاً في المجتمع المدني، أو في أشكال ديمقراطية أخرى،هو من ضمن الأشياء التي تأتي وتذهب في منحنى دورة الحياة الفردية. لذلك يمكنك أن تكون ناشطاً ومهتماً في العشرينيات من عمرك، ثم تبتعد عندما يصبح لديك أولاد صغار، ثم تعود فيما بعد لتصبح ناشطاً، وهذا بمجمله سيكون شكلاً من أشكال ترسبات الممارسة الديمقراطية،ونوعاً من أنواع الابتعاد عن العائلة، والخروج من حالة الجلوس الدائم أمام التلفاز، والانتقال للقيام بعملٍ ما. لا أعتقد أن الناس، وخصوصاً في هذا الوقت الذي يتعرضون فيه لضربات الأزمة الاقتصادية العالمية،بعيدون عن هذه الأفكار على الإطلاق.(انتهي ).
وهذه الأفكار يمكن أن تستفيد بها مؤسسات الحركة المجتمعية في عملها الجماهيري.وقد استفادت الحركة من أكثر تصورات الديموقراطية التشاركية شهرة والذي يتجه في تطبيقها الى أن يتم توزيع سكان المجتمع الراشدين في حي من أحياء المدينة على فئات أو قطاعات مهنية ينتمون اليها تتشاور كل فئة أو ألمنتمين الي القطاع المهني في مسألة مع تزويدهم بكافة المعلومات المتعلقة بالمسألة المطلوب استشارتهم فيها ، أو الحاق خبراي متخصصون في تلك المسألة المعروضة عليهم وبحيث يكون كل عضو مشارك في هذه العملية التشاورية قادراعلى الفهم والتعلم والتحليل وصياغة حكم معلَّل بما يساعد في النهايةعلى تكوين الرأي الصائب في الموضوع محل التشاور. ثم تختار كل فئة أو قطاع ممثل لها ينقل أفكارها إلى لجنة تضم ممثلي تلك الفئات أو القطاعات في الحي تقوم برفع ما يتم الاتفاق عليه بينهم الي مستوى تنظيمي أعلى يشمل جميع أحياء المدينة يتم فيه مراجعتها وبعد التوافق عليها ترفع إلى مستوى أكبر يدمع عددا من المدن وفي النهاية يصل الى الجهة المخولة بصناعة القرار.أي أن صناعة القرار السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو البيئي أو غيره يبدأ من القاعدة ثم يتم تصعيده وليس مثلما هو متبع حاليا يصدر من القمة ويتم إلزام القاعدة به التي لم تتم استشارتها أو الأخذ برأيها ، وتم الاكتفاء بممثل في البرلمان قد لايدرك انعكاسات القرار على المواطنين أو المعنيين به .ـويتم من خلال ذلك وضع المواطنين في ظرفٍ يتمكنون فيه من الفهم وتبادل الآراء والتصرّف بمسؤولية في صنع القرارات السياسية وفي صياغة القوانين أيضا التي تهم كل المواطنين أو تهم فئة أو أصحاب مهنة معينة منهم بما يضمن لهم عدم صدور أية قوانين لاتحمي مصالحهم المشروعة.وبحيث يكون القرار الذي يصدر معبرا عن الإرادة العامة وليس بناء على رغبات نخبة معينة لايهمها سوى تحقيق مصالحها ولو على حساب أغلبية الشعب.والقرار الذي يصاغ وفق تلك المسطرة أو الطريقة لايمكن اعتباره قرار أغلبية أو أقلية وإنما سيكون قرار كامل أفراد الأمة الراشدين الذين شاركوا في صنعه. ويساهم التقدم الحاصل في مجال المعلوميات على أتمام تلك العمليات بكفاءة ويسر وبسرعة كبيرة جدا وهو الأمر الذي لم يكن متاحا من قبل .ويمكن للتشاور أن يضم مجتمعات دول أخرى في نفس الوقت داخل الإقليم الجغرافي أو على مستوى العالم كله. وتم تطبيق ذلك في الجمعيات المدنية التي تقوم وفق نظام الحركة حيث تم تقسيمها إلى 19 قطاع مهني يختار كل قطاع نقيبا له يكون عضوا في مجلس أدارة الجمعية المشكل من نقباء المهن وبحيث ينقل كل نقيب الي ذلك المجلس تصورات أعضاء قطاعة في مسألة أو مشروع ما ويتم تبادل الرأي بين النقباء لاتخاذ قرار موحد يستجيب الى ما تم جمعه من رؤى وتطلعات.
فوزي منصور.
Subscribe to:
Posts (Atom)