Thursday, February 5, 2009

عقيدة التوحيـــد الإسلاميــة: المعنى والمبنى

تطور الفكر الاقتصادي الغربي:
الاقتصاد هو علم يعنى بدراسة النشاط الاقتصادي وهو فرع من فروع العلوم الإجتماعية ، وما ينشأ عن هذا النشاط من ظواهروعلاقات.وأكثر ما يهتم به الاقتصاد هو: الموارد،الإنتاج،الاستهلاك للسلع والخدمات، التوزيع، التجارة(السعر والعرض والطلب)، والمنافسة في الأسواق.
.
ومصطلح (اقتصاد) لغوياً يعني الاعتدال في النفقة وفي السلوك قال تعالى: " وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك" (لقمان،19)، وجاء في الاثر: "ما عال من اقتصد"، أي اعتدل في إنفاقه.
وقد انصرفت دلالته الاصطلاحية إلى تدبير معاش الاسرة بالموارد المتاحة، وهو ما عرف بالاقتصاد المنزلي. ثم انصرفت دلالته تاليا إلى تدبير شؤون المجتمع المعاشية بواسطة الدولة .وجاء في مختار الصحاح: "القَصْدُ بين الإسراف والتقتير يقال فلان مُقْتِصدٌ في النفقة". تعددت التعاريف لمصطلح (اقتصاد)وأعم تعريف للآقتصاد المعاصر هو تعريف (ليونيل روبنز) الذي يقول قيه: "الاقتصاد هو علم يهتم بدراسة السلوك الإنساني كعلاقة بين الغايات والموارد النادرة ذات الاستعمالات".
و الندرة: تعني عدم كفاية الموارد المتاحة لإشباع جميع الإحتياجات والرغبات الإنسانية. وغالباً ما يشار إلى الندرة بأنها (المشكلة الإقتصادية). وبمعنى آخر نجد أن المشكلة الاقتصادية هنا تدور حول الاختيار ، وما قد يؤثر بانتقاء هذا الخيار من محفزات وموارد.ولا يعترف الإسلام بندرة الخيرات على الأرض ، ولكن قد تحدث الندرة في مكان ما ، كأن يصيبه الجفاف أو التصحر ولكنه لا يعني أن امتداده الجغرافي لا توجد به ندرة في الموارد الطبيعية.

وقد ولدت الأفكار الاقتصادية مع ولادة الحضارات القديمة كالإغريقية، والرومانية والهندية مروراً بالصينية والفارسية والحضارة العربية. وقد اشتهر عدة كتاب ينتمون إلى هذه الحضارات من أبرزهم أرسطوطاليس لدى الإعريق، وشاناكيا (340 – 293 ق. م) رئيس وزراء الأمبراطور الأول لإمبراطورية (موريا) في شرق آسيا، و ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي. ويعتقد الكاتب التشيكي (جوزيف شومبيتير) أن الباحثين المتأخرين ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر هم المؤسسون الحقيقيون لـ "علم الاقتصاد". ووصف جوزيف شومبيتير”ابن خلدون “بالرائد السباق في مجال الاقتصاد المعاصر، حيث أن العديد من نظرياته الاقتصادية لم تكن معروفة في أوروبا حتى وقت قريب نسبياً. لاحقاً قامت مدرستان أقتصاديتان هما المدرسة الطبيعية (الفيزيوقراطية)، والمدرسة التجارية (المركنتلية)، بتطوير وإضافة مفاهيم إقتصادية جديدة، حيث ساهمتا في قيام "القومية الاقتصادية" و"الرأسمالية الحديثة" في أوروبا ,وكانتا بمثابة المنظرتان لتطور الآقتصاد الأوروبي في مواكبة له.

ولذا فإن علم الاقتصاد الرأسمالي المعاصريعد من حيث الفكر، ومن حيث التطبيق، صناعة أوروبية خالصة من حيث النشأة والموضوع. وتاريخ هذا العلم هو تاريخ كل فروع المعرفة الاقتصادية الإوروبية . والأوروبيون عندما كتبوا تاريخ هذا العلم كتبوه من منظور رؤياهم لأحداث التاريخ الأوروبي ، ومن منظور مساهمة مفكريهم، ومن منظور تطورهم الاقتصادي. و تعكس كل مقولاته أيضا التراث الديني والفكري للأوروبيين..ولاتوجد فيه مساهمات لأمم أخرى ،فيما عدا ما يمكن أن يكون قد أخذوه من إبن خلدون وأضفوا عليه كالصبغة الأوروبية حيث نجد أن مفهوم فائض القيمة واعتبار قيمة السلعة هو قيمة الشغل المبذول في انتاجها جاء في مقدمة ابن خلدون في عبارةوجيزة تحولت عند كارل ماركس الي كتاب بعنوان : رأس المال. وقد تم تقسيم مراحله المتعاقبة على أساس أحداث ومتغيرات أوروبية،وهولذلك بكل مقولاته، وبكل أحداثه، وبكل مفكريه صيغ من منظور رؤية الأوروبيين لأحداثهم الدينية والفكرية والاجتماعية.

و مرعلم الاقتصاد في مراحل عديدة شهدت كل مرحلة منها ظهور أجدي مدارسه على النحو التالي:
1- مذهب أومدرسة التجاريين: أو(المركنتليةMercantilism ظهرت في اواخر القرون الوسطى واستمرت حتي منتصف القرن الثامن عشر حيث احتلت التجارة المكان الاول في التفكير الاقتصادي وكانوا يرون ان مركز الدولة وقوتها مرهون بمقدار ما تملكه من معادن نفيسه من الذهب والفضة ولذا انحصر اهتمامهم بهما، وبتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.و النظام المركنتلي التجاري ، هو نظام اقتصادي نشأ في أوروبا خلال تقسيم الإقطاعيات لتعزيز ثروة الدولة وزيادة ملكيتها من المعدنين الذهب والفضة عن طريق التنظيم الحكومي الشامل لكامل الاقتصاد الوطنى وانتهاءا في سياسات تهدف إلى تطوير الزراعة والصناعة وإنشاء الاحتكارات التجارية الخارجية.وكانت الحاجة لتصفية الاقطاع سواء في أوروبا أو أمريكا الشمالية تمليها الحاجة الي توفير العمالة الرخيصة ورءوس الأموال للتجارة والصناعة وقد اتخذت تلك الحركة في أمريكا الشمالية شكل الحرب الأهلية بين الشمال ذي الصناعات الناشئة والجنوب الزراعي وإن إعطيت طابعا انسانيا متمثلا في تحرير العبيد , وفي حقيقة كانت الحاجة الي استغلال الحهد البدني للعبيد في الصناعة بأقل تكلفة ممكنة هو الباغت لتحريرهم وليس الوازع الانساني .
ويعتبر أنطوان دي مونكرتيان ( Antoine de Monchretien) أول مؤسسي هذه النظرية من فرنسا بكتابه “الاقتصاد السياسي “عام 1615م، و أول من نفذها في فرنسا كان كولبير ( Colbert) حيث عمل على تشجيع الصناعة وأتخذ الكثير من الأجراءات التي تؤدي إلى تحسين النوعية. كما عمل على إنشاء مصانع نموذجية لكي يقتدى بها الأفراد حتى سميت هذه السياسة بأسمه( colbertism). وكان مما ساعد ترويج هذه السياسة هو نظام الطوائف الذي كان معمولا به آنذاك. والذي يفترض عدم أرتقاء العامل من مهنة إلى أخرى إلا بعد أن يمضي فترة من التدريب.
أما في بريطانيا فقد أشتهر من تلك المدرسة تشلد( Sir Josiah Child)، وتمبل ( Sir william Temple)، ودافينا ( Chnlec Doverant)، وتوماس مان ( Thomas Mun)، وفي أيطاليا أشتهر الكاتب أنطونيو سيرا (Antonio Serra).
وتقوم سياسة التجاريين (المركنتلية) التي تستهدف الحصول على أكبر قدر من المعدنيين الذهب والفضة والأحتفاظ به أو زيادته على وسيلتين رئيسيتين يمكن تلخيصها بما يلي:
الوسيلة الأولى: السياسة المعدنية(Bullion Policy): وهي التي أعتمدها فلاسفة التجاريين (المركنتليين) في آخر القرن الخامس عشر واوائل القرن السادس عشر وتنحصر بالآتي:
1. منع تصدير الذهب والفضة إلى الخارج للحفاظ عليه من التسرب. وقد أتبعت ذلك كل من أسبانيا والبرتغال.
2. إلزام المصدرين بأستحصال مقابل حصيلة الصادرات (ذهبا أو فضة)، وإلزام المستوردين مقايضة السلع المستوردة بسلع وطنية.
3. تشجيع المصارف (البنوك) لمنح فائدة مرتفعة على الودائع الأجنبية.
4. قبول النقود الذهبية والفضية بأكثر من قيمتها.
الوسيلة الثانية: وهي التي راجت في القرن السابع عشر وأعتمدت الميزان التجاري الموجب الذي يكون في صالح الدولة لأدخال الذهب والفضة في البلاد. ولكي يكون الميزان التجاري موجبا (أي لصالح الدولة) فيجب العمل على زيادة الصادرات وتقليل الواردات بحيث يدفع الفرق بينهما ذهبا.
ولتحقيق ذلك يترتب أتباع السياسات التالية:
1. الأخذ بنظام الحصص بالنسبة لأستيراد بعض السلع.
2. فرض قيود نوعية على بعض الأنواع من المنتجات المستوردة.
3. حصر عمليات النقل على البواخر ووسائط النقل الوطنية.
4.تجويد النوعية والأخذ بمبدأ المنافسة عند التصدير.

ولم تكن سياسة التجاريين تعمل لصالح الزراعة وذلك بسبب ما كانوا ينادون به من ضرورة تقليل كلف المنتجات الزراعية لأجل الأقلال من أجور العمال. ولهذا السبب واجهت الزراعة في ذلك الوقت الكثير من المصاعب وهجرها أهلها للأشتغال بالصناعة. غير أن بعض التجاريين وخاصة في فرنسا وأيطاليا، ظلوا على أهتمامهم بالزراعة إلى جانب الصناعة. ولم يخلوا مذهب التجاريين من أنتقاد شديد، فقد هاجمه الكثير من الكتاب الأنكليز آنذاك ومنهم دولي نورث ( Sir Dudiey North)، في كتابه (Discourses Upon Trade)، الذي نشر عام 1691م، وكذلك وليام بيتلي ( Sir william Petly)، مؤلف كتاب الحساب السياسي (Political Arithmetic)، الذي وضعه عام 1671م، ونشر عام 1691م، وكذلك دايفيد هوم(David Hume).

2- مدرسة الطبيعيين أو الفيزيوقراط: نشأ. المذهب الطبيعي في فرنسا في القرن الثامن عشرو جاءت هذه المدرسة فاكدت على الحرية الاقتصادية والحد من تدخل الدولة باعتبار ذلك يتفق مع القانون الطبيعي . ويؤكد علماء وفلاسفة هذه المدرسة على النشاط الزراعي واعتبار الارض مصدراً اساسياً لانتاج الخيرات التي يحتاجها المجتمع الانساني . ويعتبرون الصناعة والتجارة من الانشطة العقيمة باعتبارها غير منتجة لها.

وزعيم هذا المذهب هو الدكتور فرنسوا كيناي، (1694 - 1778)، (Quesnay)، طبيب لويس الخامس عشر، ومن أنصاره مرسييه دلاريفير (Mercier De La Riviere)، وميرابو (Murabeau)، وديبون دي تيمور (Dupont de Nemours)، وأطلق عليهم الطبيعيون، لأعتقادهم بسيادة القوانين الطبيعية، وقد أنتقدوا مذهب التجاريين (المركنتلية) الذين أعتبروا ثروة الأمم أنما تقاس بما تملكه من معادن نفيسة (الذهب والفضة)، وقالوا بان هذين المعدنين ليسا غاية النشاط الاقتصادي وانما هما وسيلة لتحقيقه.

وتقوم مباديء الفيزيوقراطية على الآتي:
• الأعتقاد بوجود نظام طبيعي (Natural order)، يستمد قواعده من العناية الآلهية ،وهي ليسـت مـن صنـع البشـر.وإن هـذه القـواعد أوالقوانـين ، باعتبارها حاكمة لكل نشاط حيوي ، يمكـن أن تسـري مـن تلقـاء نفسها دون تدخل الانسان.
• أساس النظام في المذهب الطبيعي هو الملكية الفردية، والحرية الاقتصادية فيما يتطبه العمل الاقتصادي وتنقل السلع والأفراد ورؤوس الأموال ولذا كان شعارالطبيعيين (الفيزوقراط) هو :" دعه يمر دعه يعمل” (Laissey Passer, Laissey Fair).
• العمل الزراعي هو العمل المنتج الوحيد ، والزراعة هي التي تغل ناتجا صافيا، وإن صناعة والتجارة هما عبارة عن أعمال خدمية غير منتجة.
وكانوا يسمون التجار والصناع وأرباب المهن بالطبقة العقيمة غير المنتجة، لأنها لا تخلق ثروة جديدة، ولهذا فإن أهم ما ترتب على نظريةالفيزوقراط هو فرض الضرائب. فطالما إن الأرض هي مصدر الثروة فيجب أن تقتصر عليها الضريبة فحسب.

وبينما كان المذهب الطبيعي ينسب للأرض القيمة الاقتصادية الكبرى، أعطى المذهب الكلاسيكي فيما بعدهذه القيمة للعمل، وليس مرد ذلك إلى الانتقال من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي فحسب، بل يعبرأيضا عن رغبات الطبقة الجديدة في فرض نفوذها المالي على المجتمع، وتستأثر بالعمال الذين كانت غالبيتهم تعمل في الزراعة.

3- مدرسة التقليديين أو المدرسةالكلاسيكية:وهي امتداد للمدرسة الطبيعية وضع قسم كبير منها :آدم سميث، ويعتبر ريكاردو من كبار مفكريها وهي ترى ان النظام الطبيعي يسيطر على الظواهر الاقتصادية ولكن اكثر ما يقود الانسان في تصرفاته هو المنفعة الشخصية فهي تدافع بقوة عن الحرية الاقتصادية واعتبرت ان قوة الدولة ليست فيما تملكه من ذهب وفضة وانما بمقدار ما تملكه من قوة عاملة وانتاج وهي تؤمن بربط المصالح الخاصة مع المصلحة العامة. ولقد أخذالاقتصاد بالتبلور في صيغته الحالية كفرع علمي مستقل منذ أن قام آدم سميث بنشر كتابه الشهير ثروة الأمم عام 1776. ويعرّف آدم سميث في كتابه مصطلح الاقتصاد السياسي بأنه أحد فروع علم السياسة والتشريع، ويهدف إلى أمرين أساسيين: الأول، تزويد الأفراد بكمية كافية ومستمرة من المنتجات، أو العمل على جعلهم قادرين على توفير هذه المنتجات بشكل متواصل، والثاني، تزويد الدولة أو إثراء كل من الأفراد والحكومات. وقد حدد كتاب ثروة الأمم عوامل الإنتاج بكل من الأرض، قوة العمل، ورأس المال، واعتبر أن هذه العوامل الثلاث هي التي تشكل جوهر الثروة التي تمتلكها الأمة.
ومن وجهة نظر آدم سميث، فإن الاقتصاد المثالي، هو نظام سوق ذاتي التنظيم (elf- Regulating Market System) حيث يقوم هذا النظام بإشباع حاجات الأفراد الاقتصادية تلقائياً "أوتوماتيكياً". وقد وصف "سميث" آلية عمل السوق بـ"اليد الخفية" التي تحث الأفراد على العمل على إشباع حاجاتهم الشخصية وبالتالي تحقيق أكبر منفعة ممكنة للمجتمع ككل. في كتاباته، أخذ "آدم سميث" بعض أفكار ونظريات المدرسة الطبيعية في الاقتصاد "الفيزيوقراطية" ودمجها مع نظرياته، إلا أنه رفض الفكرة التي نادى بها الفيزيوقراطيون والقائلة بأن الأرض (الزراعة) فقط هي مصدر الإنتاج والثروة.
وقد اعتبر أن نشر كتاب ثروة الأمم للكاتب آدم سميث اعتبر بمثابة نقطة البداية لولادة علم الاقتصاد كفرع علمي منفصل ومتخصص.

4- المرحـلة الحديثة: يهتم المفكرون بهذه المرحلة بالاضافة الى ما سبق بمشاكل التنمية والبطالة ومعالجة الاوضاع الاقتصادية وكذلك ظواهر التضخم والكساد وطرق معالجتها فضلاً عن السياسات النقدية والمالية. وتضم المدارس الاقتصادية التالية:
لمدرسة النمساوية:
وهي مدرسة للفكر الاقتصادي ترفض الاعتماد الحصري على أساليب تُستخدم في العلوم الطبيعيّة لدراسة عمل الإنسان، وتقوم بدلاً من ذلك ببناء تكوينها الخارجي للاقتصاد على علاقات تتم عن طريق المنطق. إن أشهر المناصرين لها هم كارل مينجر، ويوجين فون بوم-بافيرك، وفريدرك فون فايزر، ولودفيغ فون ميزس، وفريدرك فون هايك، وإزرائيل كيرزنر. لقد كان للمدرسة النمساوية نفوذاً واسعاً بسبب تأكيدها على الطـور الإبداعـي للإنتاجية الاقتصادية وعلى تشكّكهم في أساس النظرية السلوكية التي تشكّل أساس الاقتصاد التقليدي الجديد. وترتبط المدرسة النمساوية بوجه عام بالليبراليين الكلاسيكيين أو الليبرتاريين في أفكارهم حول النظام الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي.
النظريات المنبثقة عن المدرسة النمساوية:
يوضح الأستاذ أشرف منصور النظريات التي انبثقت عن المدرسة النمساوية وتم تبنيها في أوروبـأ والولايات المتحدة الأمريكية ، على النحو التالي:
.النظرية الذاتية في القيمة:
إن أهم ما يميز المدرسة النمساوية في الاقتصاد السياسي عما سبقها من الاقتصاد السياسي الكلاسيكي ونظرية العمل في القيمة Labor Theory of Value نظريتها الذاتية في القيمة Subjective Theory of Value والتي تتمثل في القول بأن القيمة يمكن أن تحدد من خلال إدراك الفرد وتقييمه على أساس ما يعود عليه من منفعة، وبذلك ربطت بين القيمة والمنفعة الفردية، وكان هذا الربط بداية لظهور المنظور الذاتي للقيمة والذي استمر ملمحا أساسيا لدى الاتجاه النيوكلاسيكي كله. ويتضح من هذه النظرية الجديدة في القيمة أن المدرسة النمساوية تعود إلى أفكار ومسلمات الليبرالية التقليدية؛ ومن العجيب أن تتم العودة إلى ذلك الإطار الفكري الليبرالي القديم الذي تعرض للنقد طوال القرن التاسع عشر وخاصة لتجلياته في النظريات الاقتصادية على يد ماركس، إلا أن الليبرالية التي كان يعتقد أنه قد فات أوانها كانت تقدم خدمة علمية للمدرسة النمساوية متمثلة في تمكينهم من التعامل مع نظرية النقد Money Theory في استقلال تام عن أي إحالات أو متضمنات ماركسية أو اشتراكية. كذلك يقدم لهم ذلك الإطار الليبرالي الذي كان يعتقد أنه قد فات أوانه بخدمة أيديولوجية تمكنهم من التوصل إلى النتيجة التي يهدفون إليها وهي أن السوق هو المحدد الأساسي للعملية الاقتصادية.
تقدم لنا المدرسة النمساوية نماذج عديدة لنظريات اقتصادية مستقلة تماما عن مفاهيم الطبقة والصراع الطبقي ومفهوم العمل باعتباره مصدر كل قيمة والسائد لدى الماركسية والاقتصاد الكلاسيكي على السواء ابتداء من آدم سميث مرورا بريكاردو وحتى جون ستيوارت ميل. وعلى العكس من ذلك تأخذ المدرسة النمساوية المستهلك الفرد باعتباره الوحدة الأولى في تحديد القيمة، وهذا ما يمكنها من التميز عن الكلاسيك والماركسيين في نفس الوقت، ويمكنها كذلك من إقامة نظرية في السوق باعتباره مركز العملية الاقتصادية.
تتضح النظرية الذاتية في القيمة ابتداء من أعمال كارل منجر مؤسس المدرسة. يذهب منجر إلى أن ما يحدد القيمة ليس الشئ النافع أو السلعة ذاتها بل علاقة الفرد بها، وهذه العلاقة تدخل فيها محددات كثيرة مثل الفرص المتاحة للحصول عليها والمعلومات المتوافرة للفرد عنها. القيمة عند منجر علاقة بين الأفراد والسلع؛ ومعنى هذا أنه يحدد القيمة باعتبارها قيمة استعمالية ويحدد القيمة التبادلية للسلع على أساس استعمالها أو فائدتها. هذه النظرية تمكن المدرسة النمساوية والاتجاه النيوكلاسيكي كله من تجاوز قضية القيمة الزائدة التي يضفيها العمل على المادة الخام في إنتاجه للسلعة، ذلك لأنهم يؤسسون القيمة، التي يفهمونها على أنها هي السعر، على فائدتها الاستعمالية متجنبين بذلك القيمة الأخرى الزائدة التي لا تتلقى العمالة المنتجة لها أجرا مقابلها. عندما تساوي بين القيمة الاستعمالية للسلعة بقيمتها التبادلية وتنظر إلى هذه الأخيرة على أنها سعر السلعة فكأنك بذلك تقول أن سعر السلعة وقيمتها هي ذاتها فائدتها للمستهلك؛ وبذلك تلغي علاقة أخرى بين السلعة ومنتجيها المباشرين وما يضفون عليها من قيمة زائدة بفضل عملهم على المادة الخام.

وتعد النظرية الذاتية في القيمة هي السبب وراء نجاح المدرسة النمساوية في بداياتها ووراء عودة الاهتمام بها في النصف الثاني من القرن العشرين، ذلك لأنها كانت جذابة بالنسبة للاقتصاديين الانجليز والأمريكان، إذ جعلتها نظريتها الذاتية في القيمة أداة نظرية ناجحة وفعالة في إقامة اقتصاد سياسي للمستهلك وللسوق الاستهلاكية، وهو ما يناسب الطموحات العلمية لأساتذة الاقتصاد الراغبين في إقامة نظريات اقتصادية في تجنب للاقتصاد الماركسي. فعندما حدد منجر القيمة بمعايير ذاتية واستهلاكية وأدخل فيها مفاهيم التفضيلات والقرارات الفردية والفرص المتاحة أمام الأفراد..إلخ، أصبح من الواضح أنه يقيم نظرية في القيمة على أساس معيار السوق الاستهلاكي.
أما يوجين فون بوم بافرك Eugen Von Bohm-Bawerk (1851-1914) فهو يعد الشخصية الأهم في المدرسة النمساوية بعد منجر وفيزر، وقد أكمل عملهما في وضع نظرية ذاتية في الفيمة. وما دفعه لوضع مثل هذه النظرية اعتقاد منهجي لديه بأننا إذا أردنا فهم الاقتصاد الكلي ووضع نظرية اقتصادية عامة فيجب أن نبدأ بما هو بسيط وأولي، والبسيط والأولي عنده هو المستهلك، ذلك لأن القيمة محددة عن طريقه. ويتضح من ذلك أن الأساس المنهجي لبوم بافرك هو الفردية المنهجية Methodological Individualism والتي تميز الاتجاه النيوكلاسيكي كله، مضاف إليها نزعة تحليلية وذرية تجعله يبدأ بالقيمة الذاتية باعتبارها بسيطة وأولية. والحقيقة أن البساطة والأولية التي يدعيها بوم بافرك زائفة، لأن القيم الذاتية تحددها عوامل موضوعية. ليس التقييم الفردي والاستهلاكي للسلع متغيرا مستقلا نستطيع الاعتماد عليه في تأسيس نظرية اقتصادية بل هي مشروطة دائما بعوامل أخرى تحدد السلوك الاستهلاكي للأفراد وتفضيلاهم السلعية.

تظهر نظرية القيمة لدى النمساويين على أنها تعطي الأولوية للقيمة الذاتية واختيارات وتفضيلات المستهلك والمنتج الصغير، إلا أنها في حقيقتها طريق جانبي لتناول إشكالية السلع. إن ما يهم النيوكلاسيك حقيقة هو السلع ووضعها في السوق، وهم يتحدثون دائما عن القيمة الذاتية التي هي تفضيلات واختيارات المستهلك وهم في الحقيقة بقصدون السلع وأسعارها. إنهم لا يهتمون بالمستهلك كما يظهر من أعمالهم بل بالسلعة وكيفية تحديد سعرها، ولا ينشؤون نظرية ذاتية في القيمة إلا رغبة منهم في الربط بين سعر السلعة وآليات العرض والطلب في السوق باعتبارها المحدد النهائي للسعر، وهم بذلك يحذفون العوامل الأخرى في تحديد القيمة مثل القيمة الزائدة التي يضفيها العمل على المنتج.
2. نظرية المنفعة الحدية:
أقام النيوكلاسيك على أساس نظريتهم الذاتية في القيمة نظرية أخرى عرفت بنظرية المنفعة الحدية Marginal Utility Theory وتذهب إلى أن أول وحدة من السلعة تحوز على أعلى قيمة، إذ يكون الاحتياج لها شديدا وبالتالي يكون سعرها أعلى، ويقل احتياج الفرد مع الوحدة الثانية والثالثة من نفس السلعة، وبالتالي تقل قيمة كل وحدة زائدة حتى نصل إلى وحدة أخيرة تحوز على أقل نفع وبالتالي أقل سعر ممكن تصوره. ويقول النيوكلاسيك إن الإنتاج ينظم حسب أقل سعر وفقا لهذه النظرية. لكن يخلط النيوكلاسيك بذلك مجال الإنتاج مع مجال التوزيع. إن نظرية المنفعة الحدية يمكن أن تكون صحيحة ونافعة لتاجر التجزئة، لكنها لا تصلح أساسا لصياغة نظرية اقتصادية. إنها تصلح لتفسير سلوك البقال، لكنها لا تصلح لتفسير سلوك المنتج. صحيح أن فائدة الوحدات المتتالية لنفس السلعة تتناقص، لكن هذا لا ينطبق إلا على المستهلك وفي حالات خاصة، ولا ينطبق على المنتج.
تعطينا نظريات النمساويين وهما بأنهم يعطون الأولوية للقيمة الاستعمالية (الفائدة والنفع الفردي الاستهلاكي) ويلحقون بها القيمة التبادلية (سعر السلعة في السوق)، وهم بذلك كأنما يصدرون وعدا بألا يعاملوا السوق على أنه مجرد وسيط للحصول على قيمة تبادلية وحسب، أي على أرباح وتراكم رأسمالي بالتالي، بل على أنه كذلك وسيلة لإشباع حاجات الأفراد. وهم بذلك إنما يحاولون وضع بديل عن التحليلات الماركسية للقيمة الزائدة التي تختفي تماما من أعمالهم اختفاء مقصودا ومنهجيا، نظرا لأن مناقشة قضية القيمة الزائدة سوف يجرهم رغما عنهم إلى الأرضية الماركسية، وهو ما كانوا يتجنبونه بحذر.
وقد تعرضت هذه النظرية لنقد حاد على يد عالم الاقتصاد والاجتماع الأمريكي ثورشتاين فبلن. يذهب فبلن إلى أنه إذا كانت كل وحدة جديدة من نفس السلعة تقل في منفعتها عن الوحدة السابقة لدى المستهلك، فإن المنتج تزيد لديه قيمة كل عنصر جديد مضاف لعملية الإنتاج. لكن يطبق النيوكلاسيك المنفعة الحدية على الإنتاج ويقيمون نظرية في الإنتاج الحدي، ويعتقدون أن كل عامل مضاف إلى العمال السابقين يكون إسهامه أقل في الإنتاج وبالتالي يكون أجره أقل، وهم بذلك يبررون خفض الأجور بحيلة نظرية. في العالم الحقيقي يتم خفض الأجور لا لأن إسهام العامل المضاف يكون أقل من سابقه بل للمحافظة على هامش ربح مناسب لرأس المال. ويتم التعبير عن المحافظة على الأرباح في علم الاقتصاد لا بنفس الاسم الصريح بل بإسم آخر يصرف النظر عن الربح ويوجه الانتباه للسعر، إذ تصبح "المحافظة على الأرباح" "محافظة على الأسعار" Maintaining Prices ، لأن المحافظة على الأسعار السائدة يضمن المحافظة على الأرباح التي حددها رجال الأعمال.
يكشف فبلن عن مسلمة ضمنية في نظرية المنفعة الحدية بتناوله لصيغتها لدى المدرسة النمساوية وخاصة لدى مؤسس المدرسة كارل منجر، إذ افترضت أن المنتج بائع مباشر للمستهلك، والشاري مستهلك مباشر وأخير للسلعة. وهذا في نظر فبلن يلغي دور السوق وينظر إلى المعاملات النقدية على أنها مجرد وسيط للتبادل، وبالتالي تأتي نظرية المنفعة الحدية وتقول إن سعر السلعة، بما يتضمنه هذا السعر من تكاليف إنتاج، يتحدد بالقياس على أقل سعر لآخر وحدة منها، وأقل سعر هو أقل ما يمكن أن يدفعه المستهلك فيها، وهي بذلك تفترض أن المنتج هو الذي يباشر عملية البيع مباشرة للمستهلك، وهذا غير صحيح. هذا الإلغاء للسوق باعتباره وسيطا بين المنتج المباشر والمستهلك الأخير يتم على مستوى النظرية فقط والواقع عكس ذلك تماما.
لكننا نستطيع تطوير وجهة نظر فبلن هذه ونقول إن الاحتكار يعمل على اختزال المسافة بين المنتج المباشر والمستهلك الأخير، لأنه يعمل على السيطرة على كل مراحل دوران السلع، فالاحتكار هو أن يسيطر المنتج، الذي هو الشركة الاحتكارية، على السوق وعلى حركة النقود، والسيطرة الاحتكارية على السوق تعني إلغائه باعتباره مجالا محايدا لتحديد السعر، وتعني كذلك أن يمارس المنتج الاحتكاري دور تاجر التجزئة ولا يترك أي مرحلة في دورة السلع لغيره؛ ولذلك لاقت نظرية المنفعة الحدية رواجا مذهلا ابتداء من العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، وهي نفس فترة ظهور الاحتكارات، لأن هذه النظرية تخدم الاحتكار جيدا بكشفها عن مبدأ جديد لإدارة السوق والسيطرة عليه، فهي تلغي السوق المحايد على المستوى النظري بإعطائها توجيها للمنتج بكيفية تحديد سعره إذا أراد أن يسيطر على السوق. لقد ألغت المسافة بين المنتج المباشر والمستهلك الأخير على مستوى النظرية، وكان هذا الإلغاء هو ما تحاول الاحتكارات الناشئة القيام به بالفعل، وبذلك تلاقت النظرية مع الواقع في نوع من التشابه العضوي أو المختار Elective Affinity . ولذلك تبنى علم الاقتصاد السائد تلك النظرية وهو مدعم بسند واقعي مما كان يحدث بالفعل. لا يمكن أن تُلغى المراحل الوسيطة بين المنتج والمستهلك إلا في ظل السيطرة الاحتكارية عليها، أي على السوق. وهكذا أصبحت نظرية المنفعة الحدية هي الأداة النظرية والحسابية الأساسية لعلم الاقتصاد المعاصر الذي هو اقتصاد احتكارات في الأساس.
تعبر نظرية المنفعة الحدية عن الوعي العام الشائع لرجال الأعمال، إذ يمكن التعبير عنها بكلمات عامة كما يلي: المنتج ينتج سلعا بهدف الربح، لكنه يحسب هذا الربح على أساس القدرة الشرائية للمستهلك، وكلما كان المستهلك مستعدا لدفع سعر أعلى في السلعة كان ربح رجل الأعمال أعلى؛ ويستعد المستهلك لدفع سعر أعلى في السلعة كلما كان أكثر احتياجا لها. وأخشى ما يخشاه رجل الأعمال هبوط الأسعار لأنه يعني هبوط أرباحه، وهبوط الأسعار يأتي من زيادة عرض السلع، وبالتالي يمنع رجل الأعمال هبوط الأسعار بحبسه للإنتاج والسيطرة عليه. ولأن هدف رجل الأعمال الربح فإن القضية التي تشغله هي أقل سعر يمكن أن تباع به السلعة في السوق. ولأن السوق حر ويسير نفسه بنفسه فيجب بالتالي البحث عن السبب الذي يجعل سعر السلعة يهبط إلى أدنى حد لها. وأدنى حد لسعر السلعة هو أدنى حد لاحتياج المستهلك لها. عندما لا تكون سلعة معينة نافعة للمستهلك فلن يشتريها أصلا، وبذلك لن تتصف تلك السلعة بالمنفعة الحدية لأنه ليس لها نفع من البداية؛ سلعة المنفعة الحدية هي السلعة ذات المنفعة لكنها المنفعة القليلة للغاية التي تؤدي إلى هبوط أسعارها.
وهنا تتحول النظرية الاقتصادية إلى الرياضيات؛ فعن طريق المسائل الرياضية والرسوم البيانية وخطوطها المنحنية الصاعدة والهابطة توضح النظرية اتجاه الأسعار نحو الصعود أو الهبوط بالتناسب مع الكمية المعروضة من السلع والطلب عليها، ذلك الطلب الذي هو الاسم الآخر للمنفعة الحدية. وهنا بالضبط يكمن خطأ الاقتصاد النيوكلاسيكي، لأن المنتج في العالم الحقيقي لا ينتج سلعته ويبيعها حسب منفعتها الحدية، أي حسب أقل سعر لها في السوق. إن المنفعة الحدية هي الكارثة التي يتجنبها المنتج باستمرار لأنها تعني أقل سعر لسلعته وبالتالي تقلص واختفاء هامش ربحه، إذ يمكن أن تصل المنفعة الحدية للسلعة إلى أقل من سعر إنتاجها. تعبر نظرية المنفعة الحدية عن النقطة التي يخسر عندها رجل الأعمال، وكأنها تقول له: "هنا تخسر ولذلك تجنب الوصول إلى هذه النقطة"، ويتم تجنب الوصول إلى المنفعة الحدية بحبس الإنتاج خوفا من أن يؤدي الإنتاج الوفير إلى هبوط في الأسعار. إن نظرية المنفعة الحدية هي في حقيقتها توجيه لرجال الأعمال.

3. نظرية سلوك المستهلك:
على أساس النظرية الذاتية في القيمة أقام النيوكلاسيك نظرية أخرى عرفت بـ"نظرية سيادة المستهلك" Consumer Sovereignty ، والتي تعرف أيضا باسم "نظرية سلوك المستهلك" Consumer Behavior ، وتنص على أن الهدف النهائي لنظام الإنتاج هو بيع السلعة للمستهلك، وبذلك يكون هو النقطة الأخيرة والمحطة النهائية لكل العملية الاقتصادية. والسعر يتحدد بناء على درجة احتياج المستهلك للسلعة، وبالتالي تتحدد تكاليف الإنتاج بناء على السعر الذي يقبل أن يدفعه المستهلك. المستهلك بقراره الشرائي هو الذي يحدد كل عملية الإنتاج، وبذلك تكون له السيادة • .
الحقيقة أن المستهلك في ظل الإنتاج الصناعي ليست له تلك السيادة المدعاة، لأنه مجبر على تطويع احتياجاته مع ما يطرحه الإنتاج، إذ تتعرض السلع الاستهلاكية لتوحيد المقاييس Standardization ، وعلى المستهلك أن يتكيف معها، وسلوكه تابع دائما لهذه العملية ولكل تجديد أو تغيير في السلع، وليس سلوكه مستقلا أبدا تجاه الانقلابات التي تحدثها فنون الإنتاج على السلع. يقول فبلن عن السلع: "إن درجتها ودوامها ومستواها وتتابعها ليست مسألة اختيارية لدى الأفراد، بل إن العملية الإنتاجية هي المتحكمة في ذلك، إذ تجبر السلع وبالتالي منتجيها ومستهلكيها معا على الالتزام بمقاييس واحدة.. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة من التنميط والتحول الآلي لتفاصيل الحياة اليومية". لا معنى بعد ذلك للحديث عن حاجات بشرية أولية سائدة لدى كل الأفراد، فالحاجات أصبحت خاضعة لما تقدمه الصناعة من سلع.
إن فكرة سيادة المستهلك خرافة، لأن السيادة الحقيقية للمؤسسة الاحتكارية وما تنتـجه من سلع. ليس المستهلك سوى نتاج الممارسات التسويقية للشركات من دعاية وإعلان وما يصاحبها من دراسات في علم النفس وعلم التسويق. عندما يتحدث النيوكلاسيك عن سيادة المستهلك ويتخذونه النقطة الأساسية للتحليل الاقتصادي فهم بذلك يسيرون في نفس الطريق الأيديولوجي الذي رسمه النظام الرأسمالي، إذ يتم نفاق المستهلك وإيهامه بأنه هو السيد. إن اتخاذ المستهلك عنصرا أساسيا في التحليل يعني أن النيوكلاسيك قد أخذوا صنيعة أيديولوجية زائفة للنظام الرأسمالي كمبدأ في التحليل. صحيح أن المستهلك موجود بالفعل، وصحيح أن سلوكه قابل لأن يقاس ويحلل، إلا أنه السطح الظاهري الأيديولوجي للمجتمع الرأسمالي كما ذهب ماركس من قبل، لا حقيقته الباطنة.
ويوضح فبلن أن نظرية سلوك المستهلك تكشف عن التحيز الفردي للاقتصاد النيوكلاسيكي ونزعته النفعية، ويقول في ذلك: إن نظرية دقيقة للسلوك الاقتصادي لا يمكن استقائها من الفرد ببساطة، حتى للأغراض الإحصائية –كما هو الحال في اقتصاديات المنفعة الحدية- لأنها لا يمكن أن تـُستنج بمفردات الطبيعة البشرية؛ ذلك لأن الاستجابة التي تشكل السلوك الإنساني تحدث في ظل معايير مؤسسية (إجتماعية) وتحت مثير ذي طابع مؤسسي". ينقد فبلن في هذا النص الآتي:
1. رد الأداء الاقتصادي إلى سلوك الأفراد.
2. النظر إلى سلوك الأفراد على أنه يصدر عن طبيعة بشرية سابقة في وجودها على المجتمع ومؤسساته.
3. تصوير هذه الطبيعة البشرية على أنها نفعية وأنانية.
4. تجاهل السياق المؤسسي أو الاجتماعي الذي يشرط السلوك الفردي ويشكل له مثيرا.
5. اعتماد سلوك الأفراد باعتباره دالة إحصائية بحجة أنه يمكن حصره وقياسه، حيث يقام على هذه الدالة نظرية في الأداء الاقتصادي لمجتمع بأكمله.
وبناء على أن سلوك المستهلكين يمكن حصره وقياسه فقد وجدت ظاهرة ترييض الاقتصاد Mathematization of Economics طريقها لعلم الاقتصاد الحديث. إن هذه الظاهرة مستندة هي الأخرى على أيديولوجيا سلوك المستهلك. إذا كان المستهلك يكشف في سلوكه عن انتظام ما يمكن حصره وقياسه والتعبير عنه بالأرقام ولغة المعادلات الرياضية فما ذلك إلا لأن سلوكه خاضع هو نفسه للتقنين والسيطرة الإعلامية ولنظم إدارة السوق في الشركات الكبرى. هذه النظم تضع للأفراد قواعد تفرض عليهم قيامهم بسلوك المستهلك، وبالتالي فليس سلوك المستهلك مبدأ أوليا يمكن الانطلاق منه للتحليل الاقتصادي، لأنه نتاج النظام الذي ينبغي دراسته.
ما لم ينتبه إليه النيوكلاسيك وهم يصوغون نظرية سلوك المستهلك أن هذا المستهلك هو في نفس الوقت منتج، إنه ينخرط في إنتاج نفس السلع التي يستهلكها. فسواء كان المرء منشغلا بعمل إنتاجي أو خدمي فهو يساهم بنصيب في مجموع ثروة المجتمع كله، لأن العمل في ظل العصر الصناعي عمل اجتماعي يسهم فيه الكل. الفرد منتج ومستهلك في نفس الوقت، لكن يعتم علماء الاقتصاد على هذه الحقيقة ويعزلون جانب الإنتاج عن الفرد ولا يركزون إلا على كونه مستهلكا، أي يستبعدون ثلاثة أرباع ساعات يقظة المرء التي يقضيها في الإنتاج ويركزون على الساعة الواحدة التي يكون فيها مستهلكا. إذا نظرنا إلى أفراد المجتمع على أنهم منتجين ومستهلكين في نفس الوقت فسوف يتبين أن من حقهم نصيبا أكبر من السلع التي ينتجونها، لأن ما يحصلون عليه من سلع لا يتناسب مع الكمية التي ينتجونها.
وعلى أساس نظرية سيادة المستهلك يقيم النيوكلاسيك نظرية أخرى في سلوك المنتج، وتتضح هذه النظرية ابتداء من بوم بافرك، إذ يذهب إلى أن نفس القواعد التي تحكم المنتج هي التي تحكم المستهلك، والسبب أن المنتج ينتج السلع التي يستهلكها المستهلك ويقيمها ويحدد أسعارها بسلوكه الشرائي. وهذا أسلوب مراوغ لإعطاء الأولوية لنظرية القيمة الذاتية. الحقيقة أننا بالربط بين سلوك المنتج وسلوك المستهلك إنما نقف على السطح الظاهري للمجتمع الرأسمالي، ففي هذا المستوى الظاهري نجد أن المنتج ينتج بالفعل تلك السلع التي يستعد المستهلك لدفع سعرها، وهذا مستوى جزئي في التحليل لا يصلح إلا لوصف سلوك المنتج الصغير وللإنتاج السلعي في كل نظام اقتصادي سابق على الرأسمالية. أما الإنتاج السلعي في النظام الرأسمالي فلا يحتل فيه المستهلك تلك الأهمية المدعاة، لأن المستهلك كما قلنا نتاج لنظام الإنتاج، ذلك النظام الذي لا ينتج السلع وحسب بل ينتج مستهلكيها في نفس الوقت.
إن أفعال المنتج لدى المدرسة النمساوية يحددها سلوك المستهلك، بحيث يصبح الإنتاج كله مشروطا بالاستهلاك، وهذا ما يتيح للمدرسة أن تعالج تكاليف الإنتاج في ضوء منفعة السلعة. ويعد هذا تغييرا كبيرا في أفكار الاقتصاد الكلاسيكي، لأنه يجعل الإنتاج مشروطا ومحددا بالقيمة الإستعمالية، ورابطا القيمة التبادلية أو السعر بنفس تلك القيمة الاستعمالية. إن الإسهام الأساسي للمدرسة النمساوية يتمثل في أنها خرجت عن الكلاسيك في تحديدهم للإنتاج على أساس القيمة التبادلية، فالسعر لدى الكلاسيك يتحدد على أساس القيمة التبادلية للسلع في السوق، أما النمساويون والنيوكلاسيك من بعدهم فعلى العكس، إذ حددوا الإنتاج بالقيمة الاستعمالية، والقيمة التبادلية ذاتها بالفائدة أو المنفعة وذلك في اتفاق مع نظريتهم الذاتية في القيمة والمنفعة الحدية. لكنهم لا يزالون معرضين للنقد الماركسي رغما عن ذلك، لأن القيمة الاستعمالية ذاتها من إنتاج النظام الرأسمالي ومشروطة به ولا يمكن أن تكون متغيرا مستقلا. فكما قال ماركس في "معالم نقد الاقتصاد السياسي"، فإن رغبات وتفضيلات واختيارات المستهلك تخلقها السلع، تلك السلع التي يخلق مجرد ظهورها في السوق حاجات جديدة، وكأن السلع تأتي معها بالحاجة إليها في السوق: لا تنشأ الرغبة في الشئ ما لم يكن هذا الشئ معروضا في السوق من قبل.
4. نظرية التوازن:
من أشهر نظريات الاقتصاد السياسي النيوكلاسيكي نظرية التوازن Equilibrium Theory، وتهدف هذه النظرية في صياغاتها المختلفة إثبات أن السوق الحر المتروك لقوانينه الخاصة سوف يصل إلى استقرار ما في الأسعار وتوازن بين العرض والطلب وبين الموارد المتاحة والقدرة على تعبئتها وتشغيلها، وبين أرباح المجالات الصناعية المختلفة، وبين قدرة المجتمع على العمل وقدرة رأس المال على تحقيق الربح.
تظهر نظرية التوازن ابتداء من منجر مؤسس المدرسة، وقد بدأت النظرية حسب صياغته لها باعتبارها إعادة طرح للتناول الليبرالي التقليدي لمشكلة النظام وكيف ينتج تلقائيا عن أفعال الأفراد دون تخطيط مقصود، ولمشكلة الخير العام الذي يتحقق من خلال الأفراد. يتسائل منجر: "كيف يمكن للمؤسسات التي تخدم الرفاهية العامة والضرورية لنمو هذه الرفاهية أن تظهر إلى الوجود دون إرادة عامة موجهة نحو تأسيس مثل هذه المؤسسات؟". ويجيب منجر على نفسه قائلا أن الرفاهية العامة تتحقق عن طريق إشباع الأفراد لاحتياجاتهم، والإشباع متبادل بين الأفراد، بحيث يشبع الواحد منهم احتياجاته عن طريق الآخر، وهذا الإشباع المتبادل يتم عن طريق السوق. السوق إذن هو المؤسسة العامة التي تحقق الخير العام، ولضمان هذا الخير العام يجب ضمان عمل هذا السوق حرا من أي تدخل لأنه بطبيعتته مجال محايد ووسيط لتحقيق الإشباع المتبادل للحاجات ويجب أن يظل محايدا للمحافظة على طابعه العام والكلي. السوق حسب منجر إذن ليس في حاجة إلى تنظيم Regulation لأنه ذاتي التنظيم، بل هو في حاجة إلى تنسيق Co-ordination بين عملياته والأطراف الفاعلة فيه. ثم يتوصل منجر إلى صياغة سؤال جديد: "كيف يكون التنسيق المتبادل للسوق ممكنا؟"، ويجيب قائلا أن هذا التنسيق المتبادل هو النتيجة التي يحققها السوق إذا ما ترك حرا وليس أبدا البداية التي يبدأ منها. ويحقق السوق التنسيق المتبادل إذا ما ترك حرا وظل يعمل في ظل حرية كاملة. وكانت فكرة التنسيق المتبادل Mutual Coordination كنتيجة لآليات السوق الحر هي بداية صياغة المدرسة النمساوية لمفهومها عن التوازن Equilibrium .
سميت نظرية التوازن في بدايات الاتجاه النيوكلاسيكي بنموذج التوازن العام General Equilibrium . ظهرت بدايات هذا النموذج عند والراس ثم فيزر وفون ميسز في أواخر القرن التاسع عشر، وفي بداية القرن العشرين سادت الاتجاه النيوكلاسيكي كله. وينص هذا النموذج على أنه في عالم يحتوي على تجار يحاولون الحصول على أقصى ربح تجاري ومالكي موارد يحاولون الحصول على أكبر عائد من مواردهم (وهؤلاء يشملون من يملكون سواعدهم كمورد وحيد لهم)، فمن الممكن "تخيل" نظام في "أسعار" الموارد والسلع يتيح الآتي:
1. يتيح لكل الأطراف الداخلة في التبادل أن تبادل كل ما تملكه دون أن يبقى لديه شئ، وبالتالي استبعاد خطر فرط الإنتاج Over-Production.
2. يتيح لكل أطراف التبادل أن تحسن من رفاهيتها معا وفي نفس الوقت ودفعة واحدة، أي دون أن يكون مكسب الواحد منهم على حساب خسارة الآخر كما يحدث في العالم الحقيقي.
ويستند هذا النموذج في التوازن العام على عدة افتراضات، منها أن المستوى القائم من التطور التكنولوجي متاح للجميع ومفتوح بالكامل أمام الكل، أي مشاعية التكنولوجيا وعدم تمكن طرف ما من احتكارها ومنعها عن الآخرين بحجة حق الملكية الفكرية كما يحدث في العالم الحقيقي، واستبعاد نهائي للملكية الخاصة للاختراعات العلمية والتكنولوجية وما يحكمها من قوانين السوق الاحتكارية؛ كذلك افتارض ثبات في الطلب يعتمد على ثيات في خيارات المستهلك؛ وافتراض بأن الموارد متاحة للجميع في ظل منافسة عادلة وليس احتكارا لها عن طريق الملكية الخاصة لمصادرها كما يحدث في العالم الحقيقي.
وبالإضافة إلى الانتقادات المتضمنة لهذا النموذج من خلال افتراضاته السابقة فإن لنا ملاحظات أخرى عليه:
1. يعامل النموذج المنتجين باعتبارهم تجارا ولا يميز بينهم، أي يساوي بينهم باعتبارهم داخلين مباشرة في عملية التبادل بعد أن ينتجوا منتجاتهم، وهو يفترض أن المنتج يمارس البيع المباشر للمستهلك دون وسيط، ويفترض تساوي بائع الموارد وبائع السلع وبائع قوة العمل بما أنهم جميعا يدخلون في علاقة تبادل، لاغيا بذلك الفروق الجوهرية بين الرأسمالي والعامل وتاجر الجملة وتاجر التجزأة..إلخ.
2. تتسع في هذا النموذج فئة مالكي الموارد حتى أنها تشمل العمال بما أنهم يملكون موردا هائلا هو قوة العمل، وبالتالي فالنموذج يعامل قوة العمل على أنها من موارد الإنتاج مثلها مثل المواد الخام والطاقة، ومن ثم ينظر إليها على أنها سلعة تتم مبادلتها نظير سعر؛ وفي النهاية يعامل العمال كما لو كانوا طرفا من أطراف التبادل، وكما لو كان الجميع تجارا.
3. يحاول النموذج الإيحاء بأن التوازن المرتجى يمكن أن يتحقق عن طريق نظام متوازن في أسعار السلع. فبما أن الجميع تجار، وبما أن العمال أيضا يملكون سلعة هي قوة عملهم، فإن الكل لديه شيئا يبادله، وبالتالي فالتوازن بينهم يمكن أن يتحقق عن طريق نظام متوازن في أسعار السلع الداخلة في عملية التبادل.
4. وبالتالي يتحقق التوازن العام عن طريق سياسة نقدية في التسعير. ولا تتمثل هذه السياسة النقدية في فرض أسعار معينة على السوق، بل في ترك السوق حرا من أي تدخل حتى يثبت أسعاره بنفسه، وبالتالي يكون توازن الأسعار علامة على توازن المجتمع والنظام الاقتصادي كله. السياسة النقدية إذن هي السبيل نحو إحداث توازن عام في المجتمع. تحولت هذه النتيجة إلى إحدى العقائد الثابتة لليبرالية الجديدة وللمؤسسات المالية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فالأداة الناجعة لحل جميع مشكلات المجتمعات البشرية حول العالم في نظر هذه المؤسسات هي تطبيق توصياتها في مجال السياسات النقدية فيما يخص أسعار الصرف والفائدة.
إن ما يسيطر على النيوكلاسيك وهم يبحثون في موضوع التوازن هو رغبتهم في التركيز على مجال التبادل وعلى السوق، فما يراد له التوازن عندهم هو السوق، عمليات البيع والشراء، وما يخشونه هو الكساد أو فرط الإنتاج: وجود بضاعة لا يتمكن الناس من شرائها، أي أن يكون معدل الإنتاجية أعلى من احتمال السوق وقدرته الاستيعابية. ومن هذا المنطلق يأخذون في بحث كيفية حدوث توازن، وهذا ما يجعلهم يتناولون الأسعار والدخول والتقييم الذاتي للسلع واختيارات المستهلك. وهم يسلمون بأن التوازن في مجال الإنتاج نفسه وبين مجال الإنتاج ومجال التوزيع يتحقق إذا ما توصلنا إلى توازن السوق.

5 -النظرية الكينزية:
يقول الطيب بوعزة:جاءت الأزمة "العالمية" سنة 1929 لتشكل ضربة هائلة اهتز لها الاقتصاد الرأسمالي إلى درجة الانهيار. وكانت هذه الأزمة مناسبة لانطلاق التفكير الليبرالي إلى محاولة فهم مكمن المشكلة وإيجاد المعالجات الكفيلة بإنقاذ الوضع.
وكان من الملحوظات التي أثارت انتباه منظري الاقتصاد السياسي الليبرالي هو أن هذه الأزمة الهائلة لم تمس الاقتصاديات التي تخضع لسيطرة الدولة (الاقتصاديات الاشتراكية)، بل عصفت فقط بالاقتصاديات الليبرالية الرأسمالية، والمرتبطة بها عضويا بعلاقات وثيقة.
وبناء على هذه الملحوظة المقارنة ستظهر النظرية الكينزية كمحاولة لتعديل النمط الاقتصادي الرأسمالي، حيث سيقترح الاقتصادي البريطاني اللورد جون كينز في كتابه الشهير "النظرية العامة" سنة 1936 حلا مرتكزا على وجوب تدخل الدولة.
وقد أسس حله هذا على تحليل شامل للاقتصاد السياسي الليبرالي وتطبيقاته، وذلك بناء على دراسة مشكلتين رئيستين هما البطالة والنقد؛ منتقدا النظرية الليبرالية الكلاسيكية في نظرتها إلى سوق الشغل، حيث لم تنتبه إلى مشكل البطالة، ولم تبلور معالجات كفيلة بالتقليل منها، إذ اعتقدت خطأ أن كل شخص يستطيع إذا رغب أن يجد العمل الذي يناسبه.
وضدا على هذه الرؤية الحالمة استقرأ كينز النظام الاقتصادي الليبرالي منتهيا إلى التوكيد على أن البطالة ظلت ملازمة له، الأمر الذي يدفع نحو وجوب اعتبارها مشكلا حقيقا بالتفكير والمعالجة.
أما النقد فإن كينز أخذ أيضا على النظرية الليبرالية الكلاسيكية قصور فهمها له؛ حيث قدمت رؤية جد سطحية لمسألة النقود، رؤية لا تجاوز كون النقد مجرد ظاهرة ثانوية لا أهمية لها في العملية الاقتصادية، فالناس لا يتبادلون نقودا بل بضائع ببضائع، وما النقد إلا واسطة. في حين يرى كينز أن ليس هناك شيء في الواقع الاقتصادي أهم من النقد.
وعلى مستوى الرؤية الاقتصادية عاب كينز على الليبرالية افتقارها إلى الرؤية الكلية للواقع الاقتصادي، فهي بسبب فردانيتها تنظر إلى المجتمع بوصفه مجموعة من الأفراد ينبغي أن تعطى لهم حرية مطلقة في الفعل، أما المجتمع فإنه سينتظم تلقائيا بناء على تلك العلاقات الناظمة بين أفراد أحرار في سلوكهم.
اأثبتت الأزمة، التي عصفت بالاقتصاد الرأسمالي، أنه لابد من تدخل الدولة لترشيد السلوك الاقتصادي، هذا فضلا عن أن النظرية الكينزية أكدت من الناحية المنهجية ضرورة قيام رؤية علمية تحدد الكم الكلي للمداخيل والاستهلاك والاستثمار وسعر الفائدة، ليتم ضبط وترشيد العملية الاقتصادية في مستوياتها العامة.
"اقتصاديات ما بعد الحرب العالمية أخذت في عمومها بالنظرية الكينزية، فاعتمدت التدخل الفعلي للدولة في ترشيد العملية الاقتصادية. وقد حقق هذا التدخل وقتئذ إنقاذا ومعالجة لكثير من الإشكالات الخانقة التي عصفت بالاقتصاد الليبرالي."في هذا السياق اتجهت المدرسة الكينزية إلى إنجاز تعديل كبير في النظرية الليبرالية، حيث نادت بوجوب تدخل الدولة بدل ترك الفعل الاقتصادي مرتهنا بفردانية "دعه يعمل دعه يمر"، مبلورة بذلك رؤية تقلل من استقلالية وحرية الفعل الاقتصادي. وهذا ما أسماه البعض بإنقاذ الليبرالية من فوضى الحرية، وإخضاع الفعل الاقتصادي لمنطق الدولة لا للمنطق التحرري الإطلاقي للسوق.
لقد كان النقد الكينزي للنظرية الليبرالية أعمق وأوسع مشروع نقدي صدر من داخل المذهب الليبرالي. وقد حظي بانتشار كبير، ففي الوسط الاقتصادي الأكاديمي كان للكينزية أتباع عديدون تبنوا مقولاتها النظرية وجددوا فيها مثل نيقولا كالدور، وغوردن، وبلاندر، وعلى مستوى التطبيق حظيت بالأولوية في السياسات الاقتصادية التي انتهجها الكثير من الدول الرأسمالية.
والواقع أن الكف عن حياد الدولة في الشأن الاقتصادي كان إجراء عمليا اضطرت إلى الالتجاء إليه دول عديدة مباشرة عقب أزمة 1929، ويمكن أن نشير هنا على سبيل المثال إلى "النيو ديل"، أي السياسة الاقتصادية الجديدة التي انتهجها الرئيس الأميركي روزفلت، وفكرة ضبط القوة الشرائية التي قامت بها حكومة ليون بلوم في فرنسا عام 1936.
ويمكن القول بلغة التعميم إن اقتصاديات ما بعد الحرب العالمية قد أخذت في عمومها بالنظرية الكينزية، فاعتمدت التدخل الفعلي للدولة في ترشيد العملية الاقتصادية. وقد حقق هذا التدخل وقتئذ إنقاذا ومعالجة لكثير من الإشكالات الخانقة التي عصفت بالاقتصاد الليبرالي."

وفي الحقيقة لم يكن الباعث على أفكار كيـنز أزمـة 1929 وحدها ، وإنما أيضا فزع الرأسمالية من نمو الفكر الاشتراكي الذي بات يهدد الرأسمالية ، والذي كان يسانده الترابط المنطقي لفكر كارل ماركس الذي تنبأ بانهيار النظام الرأسمالي ، والذي أخذته الدوائر الرأسمالية مأخذ الجد. كما أن قبول الدول الرأسمالية بأفكار كينز وسعيها لتطبيقها كان من دواعيه أيضا هاجس الخوف من الشيوعية في ظل الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والسوفييتي (لم يكن النظام السوفييتي في حقيقة أمره سوى نظام رأسمالي ، ويعد بالتالي أكبر خدعة في العصر الحديث. حيث لم تكن الدولة سوى مؤسسة رأسمالية يملك رأسمالها منذ أمسك لينين بزمام الحكم مجموعة من الروس محدودة العدد من أبناء المرابين القدامي الذين سلموا أموالهم للينين. وتم تشغيل الشعب بأكمله أجراء لديها بإسم الشيوعية لمدة سبعين عاما ، وعندما تعرض الاقتصاد السوفييتي لمتاعب مالية وخافوا على رؤوس أموالهم قاموا بسحبها فجأة من البنوك وهربوها إلى إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا فانهارت الدولة ، ثم عادوا بأموالهم مرة أخرى لشراء مؤسسات الدولة المفلسة بأرخص الأثمان ) .وكذلك الخوف من ازدياد البطالة في فترة الكساد والتذمر الاجتماعي . أي أن الدول الرأسمالية وجدت نفسها في حاجة لآفكار كينز ومضطرة إليها. وبعد أن زالت الضرورة وانهار الاتحاد السوفييتي ، عادت للأمبريالية طبيعتها المتوحشة وتنكرت للأفكار التي أمنت لها البقاء والاستمرار والازدهار ردحا من الزمن.

وتتلخص أفكار كينز وأنصاره من المدرسة الكلاسيكية الحديدة في الآتي:
1- كلما زاد دخل الدولة زاد حجم مدخراتها ، فينقص الطلب ، ويتراجع الانتاج، وتزيد البطالة . ويمكن الحيلولة دون تحقيق هذه النتائج الغير مرغوبة بتوظيف المدخرات في شراء السلع الرأسمالية المنتجة ، وهو ما يتطلب كذلك خفض أسعار القائدة لتكون أدني من مستوى الكفاية الحدية للإستثمار.(وهو ما يعني في الواقع ،على نحو ما ، إخلال بالتوازن بين الفائدة والاستثمار لصالح الاستثمار) .
2- يتوقف مستوى التشغيل على مستوى الطلب الكلي الفعال على السلع الذي يتوازن مع العرض الكلي الناتج عن انتاج السلع. ولكي يتحقق التشغيل الكامل ، فيجب أن يتساوى الطلب على الاستثمار مع حجم الادخار , وهذا لا يتحقق إلا في ظروف استثنائية ، أما في الظروف العادية فينتج قدرا متزايدا من البطالة ينتج عن تدني طلب الاستثمار عن المستوى المطلوب. أما التشغيل الكامل الذي تنتفي فيه البطالة ، فلا يمكن أن يتحقق دون تدخل الدولة في الشئون الاقتصادية كمنظم ومشغل.
3- ينتج الركود الطويل المدى نتيجة لتناقص عدد السكان في الدول الصناعية الرأسمالية ، وإذ يطل التوظيف الكامل للموارد ، فيترتب على ذلك نقص الاستهلاك ، وبالتالي انخفاض الطلب على الاستثمار ، وقد بدأت حاليا الرأسمالية الغربية تعاني من هذا الركود الطويل لهذا السبب وأسباب أخرى قد تكون أهم منه.
4- إن تزايد البطالة يشكل خطرا كامنا على النظام الرأسمالي ، لما يحمله من احتمال انفجار الطبقة العامـلة فـي ثـورة عليـه ، مما يتطلب إلغـاء سياسـة الحرية الاقتصادية الموروثة عن الطبيعيين والمعروفة ب:”دعه يعمل ، دعه يمر” .ويتطل تدخل الدولة لتحقيق التشغيل الكامل بزيادة الطلب على الاستهلاك والاستثمار معا والذي يجدث بإقامة المشروعات الصناعية والاستثمارات الكبرى التي يحجم عنها القطاع الخاص ، وتأميم المنشآت المتعثرة القديمة التي تراجع انتاجها وفقا لقانون تناقص الغلة (الربح) والتوسع في مشروعات البنية الأساسية والخدمات التي يمكنها استيعاب عمال كثيفة تزيد من حجم الاستهلاك، فيزيد الطلب على الاستثمار ، وبالتالي الطلب على العمالة بما يترتب عليه ضمان التشغيل الكامل لأطول مدي ممكن مع ضرورة أن يتلازم مع هذه الإجراءات خفض أسعار الفائدة لزيادة الطلب على الاستثمار ، وإتاحة التقنيات الجديدة لجميع المستثمرين. والقضاء على الاحتكـارات لتـحقق المنافسة الحـرة فـي الأسـواق،ضمـانا للأسعـار العـادلة . واتباع سياسة حمائيـــــة تجعلهـا منافسـة للسلـع المنتـجة في الخارج . والحـد من الاستيراد، وقصره على السلع الاسثثمارية.
5- يجب علىالدولة لتجنب مغبة التذمر الاجتماعي الناتج عن غياب الـعدالة الاجتماعية في حدها الأدني ، إن تعمل على إعادة توزيع الدخل لتقليل الفوارق الطبقية ، وذلك بفرض ضرائب تصاعدية على ثروات ودخول الأثرياء تقوم الدولة بجمعها وانفاقها على تقديم إعانات وخدمات اجتماعية للمواطنين الفقراء ومحدودي الدخل بما يؤمن الاحتياجات الضرورية للعائلات ، ويضمن حصولها على حد الكفاية منها.
ولم يتم تبرير هذه الاجراءات أخلاقيا(والتي عرفت بعد إقرارها والعمل بها بنظام التأمين أو الضمان الاجتماعي) وإنما تم الترويج لها بمنطق الاقتصاد التحليلي على أساس أن التفاوت في الدخول يركز الدخول في أيد قليلة بلغت المستوى الحدي في استهلاكها الذي كفل لها حد الإشباع ، بينما تتراجع معدلات استهلاك الأغلبية لضعف قدرتها الشرائية المتزايدة، مما يترتب عليه تناقص الطلب الكلي وتراجـع الاستثمـارات والعـرض الكلـي فـي آن واحد. وينذر ذلك بالركـود وإفلاس المؤسسات الاقتصادية.ونقص ريع الممتلكات الخاصة الفردية الذي يرتبط بالرواج الاقتصادي.

النظرية الماركسية:
سسه المفكر الاقتصادي كارل ماركس الذي نادى بضرورة القضاء على مظاهر الملكية الفردية من خلال ثورة الطبقة العاملة والمستغلة على الأقطاعيين والطبقة الأرستقراطية، وتحقيق المساواة في توزيع الموارد والناتج القومي على الناس كافة، وهذهِ أحد ركائز قيام الفكر الشيوعي في روسيا.

إلا أن الفكر الماركسي لم يمت بتفكك الاتحاد السوفييتي وإنما أخذ منحي مختلف في تطوره بعد ذلك إذ انتقل الإنتاج النظري بأوربا الغربية بالتدريج من أيدي حكام وقواد ثوريين (لينين، غرامشي، روزا لوكسمبورغ، تروتسكي...) إلى أيدي فلاسفة محترفين وإلى متخصصين في العلوم الاجتماعية (أدورنو، ماركوز، ألتوسير، بولانتزاس...).كما عرف تطبيقات جديدة في الصين وفيتنام تختلف جذريا عن سابقتها وتحولات محتشمة في كوبا التي ظلت الدولة الوحيدة في العالم التي حافظت عليه ، وبدأت تتأثر بكوبا دون استنساخ نظامها دول في أمريكا اللآتينية على رأسها فنزويلا.وتقوم حاليا أحزاب شيوغية في دول أوروبا الشرقية التي تحولت عن النظام الاقتصادي الشيوعي بإجراء مراجعات هامة عليه.
ومن المراجعات الفلسفية للماركسية في أوروبا الغربيةكما يقول جان بودوان: الفلسفة التحليلية وهي مدرسة فلسفية ظهرت بإنجلترا خلال الثلاثينيات، وتدعى أيضا فلسفة اللغة، وهي قريبة من المنطق الصوري واللسانيات لدى برتراند راسل، ج. إ. مور ولودفيغ ج. فتجنشتاين، والفلسفة التحليلية ترفض الزعم بمعرفة العالم أو العثور على حقيقة كونية، وهي تهتم بدل ذلك بقضايا اللغة. إن القضايا "التحليلية" هي قضايا منطقية تحمل على اللغة بخلاف القضايا التركيبية التي تحمل على الوقائع. وتحليل القضايا اللسانية يمكن في نظر التيار التحليلي من زيادة المعرفة من خلال توضيح معاني اللغة. والفلسفة التحليلية ممثلة بإنجلترا من طرف "مدرسة أوكسفورد": جون ل. أوستين (1960-1911)؛ جيلبير ريل (1976-1900)؛ ألفريد جولس آيير (1989-1910).
• نظرية العدالة: نشر سنة 1971، وقد حقق هذا العمل الكبير للفيلسوف الأمريكي جون راولس (المزداد سنة 1921) تأثيرا استثنائيا على الفلسفة الأنجلو سكسونية. وهدف هذه المحاولة الفلسفية السياسية والأخلاقية هو تأسيس عقد اجتماعي عادل، أما منهجه فيتمثل في الانطلاق من وضعية افتراضية يكون فيها أفراد أحرار و وحيدون مكلفون بتحديد قواعد مجتمع قيد البناء مع جهلهم كل شيء عن المكانة التي سيحتلونها في هذا المجتمع. ولأنهم موضوعون هكذا تحت "غشاوة الجهل" فإنهم لن يستطيعوا الاختيار انطلاقا من مصالح خاصة. وانطلاقا من وضعية كهاته استنتج راولس أن كل إنسان سيروم نحث النظام الأكثر عدالة والأكثر إنصافا ما أمكن. ويستجيب هذا النظام لمبدأين اثنين:
1. "مبدأ الحرية" الذي يؤكد المساواة في الحقوق عند التمتع بالحريات الأساسية؛
2. "مبدأ الاختلاف" الذي يتسامح مع الفوارق، لكن في ظل شروط معينة: أن تؤمن المساواة في الحظوظ وأن يجهد المجتمع ذاته ما وسعه الحال في تحسين ظروف الأفراد الأكثر حرمانا وخصاصة.
لقد صيغت العديد من الانتقادات التي وجهت لجون راولس ونظريته في العدالة؛ فعن يساره واخذه الجماعيون على كونه جعل من الفرد القاعدة الأولى للمجتمع وعلى تقليله من شأن دور الخلايا القاعدية الذي تلعبه الجماعات من وجهة نظرهم. وعلى العكس من ذلك واخذه عتاة منظري الليبرالية على كونه برر السياسات الاجتماعية التي تذهب في غير طريق الليبرالية. وقد تشبث راولس بالرد على هذه الانتقادات في "الليبرالية السياسية" (الترجمة الفرنسية بنفس العنوان، 1993).
• نظرية الفعل التواصلي: يشكل هذا العمل المنشور سنة 1981 مآل العمل الذي انصب على "إعادة بناء نقدية للمادية الديالكتيكية" والمنجز من قبل "الوريث الطبيعي" لمدرسة فرانكفورت؛ السوسيولوجي الألماني يورغن هابرماس (المزداد سنة 1929). المساهمة الرئيسية لإعادة البناء هاته تقيم في نقد مفهوم الهيمنة؛ فغياب علاقة الإكراه تفترض قل أي شيء حسب هابرماس "تواصلا بدون إكراه" أو أيضا "وضعية مثلى للكلمة" حيث يقبل الأفراد بإخضاع آرائهم لعمليات حجاج متنافسة. وفي المجتمعات المعاصرة الموسومة بتوسع الإدارة النظامية واقتصاد السوق، فإن الحفاظ على "فضاءات للتفاهم المشترك" (ومن ضمنها العائلة) يشكل حسب هابرماس الوسيلة الأفضل لمقاومة فقدان الأمل.
ومازال للفلسفة الماركسية تأثير على المفكرين الغربيين كما هو الحال بالنسبة لبول كيندي على النحو الذي يوضحه عفيف فراج والذي يقول :
محور كنيدي مؤلفيه الشهيرين صعود وسقوط القوى العظمى والاستعداد للقرن الحادي والعشرين على قانونين ركنيين من قوانين الجدل الماركسي:
1 - قانون التفاعل الجدلي بين الاقتصاد والاستراتيجيا، الثروة والقوة، البنية التحتية (الاقتصادية) والبنية الفوقية (العسكرية).
2 - قانون التفاعل الجدلي بين الاقتصاد والاستراتيجيا معاً من جهة، وبين الاكتشافات العلمية وتطبيقاتها التقانية من جهة ثانية.
ذلك ان الجدلية القائمة بين الاقتصاد والاستراتيجيا تترافد كما يؤكد كنيدي تكراراً مع قطب العلم والتقنية، وهو قطب يفعل فعل الوسيط أو المحول الكيميائي الذي يحدث تحولات نوعية في البنيتين الاقتصادية والعسكرية، واستطراداً في جميع البنى الاجتماعية والثقافية.
ان التقانة الأكثر تقدماً تفجر الطاقات الإنتاجية الأكثر ضخامة، وتنتج الأسلحة الأكثر فاعلية، والقيم الثقافية الأكثر دينامية؛ فتكون السيادة الإمبراطورية من نصيب الأمة التي تقلب موازين القوى الاقتصادية والاستراتيجية لما تحققه من سبق في مجال الكشوفات العلمية وتطبيقاتها التقانية في الصناعة والهندسة الزراعية والجينات الوراثية. "ان التغيير في شؤون العالم إنما يجري طبقاً لعملية جدلية تحولية تدفعها التقنية الموضوعة حيّز التطبيق في العملية الإنتاجية؛ ذلك ان التحولات في البنى السياسية والاجتماعية كافة مصدرها التقانة".
وبهذا المقياس يرى كنيدي ان تفوق أوروبا على الإمبراطوريات الشرقية التي تقدمتها يكمن في تطويرها الذي لم يتوقف لتقنياتها العسكرية، يستحثها إلى ذلك تجارة السلاح المزدهرة منذ عصر النهضة، أما الإمبراطوريات الشرقية (الصينية، اليابانية، الهندية، العثمانية) فقد حاقت بها الهزيمة حين توقفت عن تطوير أدواتها القتالية.
ان كنيدي لا يقدم إذن تاريخاً عسكرياً أحادي الجانب وإنما هو "يبحث القوة العسكرية في إطار اقتصادي" (كما يذكر في الصفحة الأولى من مقدمته) لكون الثروة هي صانعة القوة. "ان التغيير في موازين القوى العسكرية كان يجيء دائماً عقب التغيرات التي تطرأ على موازين القوى الإنتاجية. وإذ يعرض نتائج المواجهات العسكرية الكبرى على خلفية المؤشرات الإنتاجية الإحصائية للقوى المتصارعة على سيادة العالم يقرر "ان نتائج الحروب التي خاضتها الدول والقوى العظمى تثبت ان النصر كان حليف أصحاب الموارد الاقتصادية الأعظم".
وهذا يعني ان أداء الأمم العسكري خلال الحرب يحدده ويقرره أداؤها الاقتصادي في زمن السلم. وإذا كانت القوة العسكرية هي رهينة القدرات الاقتصادية فان دراسة الناتج القومي السنوي للقوى العظمى المتنافسة في زمن السلم تصبح مؤشراً استباقياً لما سيكون عليه أداؤها العسكري في زمن الحرب.
من هنا يكتنز مؤلَّفا كنيدي بالجداول الاقتصادية الإحصائية والتخطيطات البيانية التي تظهر هزائم الإمبراطوريات القديمة والوسيطة والحديثة بوصفها نتائج محتمة لمقدمات التراجع الاقتصادي والتخلف التقاني.
"الحقيقية الباقية هي ان جميع التحولات الكبرى في موازين القوى العسكرية العظمى كانت تجيء دائماً عقب التحولات في الموازين الإنتاجية". وكنيدي يرجّح هذا القانون الموضوعي على عنصر العبقرية القيادية. فحين تتراجع العائدات وتتخلف التقنيات تعجز العبقريات العسكرية عن ردّ الهزائم الميدانية وان كانت في مستوى نابليون أو هيئة الأركان الهتلرية. ان الذي هزم نابليون في النهاية هو المحرك البخاري البريطاني والثورة التي أحدثها في العملية الإنتاجية كما في وسائل الانتقال براً وبحراً.
وقد هزمت أدوات إنتاج أميركا وروسيا وبقية الحلفاء هيئة أركان الحرب الألمانية والروح القومية القتالية اليابانية. "فالحرب لا تدور فقط بين المتبارزين بالسيوف" كما يقول كلاوزفيتز، "وإنما بين الحدادين صانعي السيوف كذلك". وهكذا يخلص كنيدي إلى ان القاعدة الإنتاجية المتفوقة للحلفاء هي التي حسمت الصراع ضد دول المحور في النهاية. وهذا كله يعيدنا إلى موضوعة كلاوزفيتز القائلة إن "فن المبارزة (مثل فن الحرب) يتطلب مهارة وخبرة من جانب المتبارزين؛ لكن ذلك لا يجدي كثيراً إذا نفدت السيوف من أيدي المتبارزين. وفي معركة الحدادين كان الحلفاء يتقدمون خصومهم على نحو واضح".
وبما ان الصراع يدور بين قوى تتنافس على اجتياز أوسع لمساحات السوق العالمية، فان رصد مسارات ومصائر القوى المتصارعة على مدى الكوكب يستدعي، بالضرورة، دراسة مقارنة لاقتصادات هذه القوى ووتائر نموها. ذلك ان أسباب صعود إمبراطورية ما يعتمد أيضاً على أسباب ضعف إمبراطورية أخرى. فالإمبراطورية المتراجعة ليست بالضرورة تلك التي يتوقف أو يتراجع فيها الناتج القومي عن النمو بل تلك التي لا يتكافأ نموها الإنتاجي مع وتائر نمو قوة إنتاجية أخرى تعاصرها.
فصعود الولايات المتحدة إلى سدة القيادة الإمبراطورية على حساب الإمبرياليات الأوروبية العريقة لم يتحقق لأن دولاً مثل بريطانيا وفرنسا كانت تنتج بعد الحرب العالمية الأولى أقل مما كانت تنتجه هاتان الدولتان في الحقبتين الفيكتورية والنابليونية، وإنما لأن الناتج القومي الأميركي السنوي بات يساوي عام 1919 "مجموع الناتج القومي السنوي لدول أوروبا الغربية مجتمعة". وبالمقياس عينه فان إنتاجية الاتحاد السوفياتي التي بلغت في نهاية الثمانينات أضعاف ما كانت عليه خلال الحقبة الستالينية لم تكن كافية لتدرأ السقوط عن الإمبراطورية السوفياتية في الوقت الذي كانت الدول الرأسمالية تحقق تقدماً اقتصادياً وتقنياً ثابتاً على الاتحاد السوفياتي على مدى السبعينات والثمانينات. ولا يكفي الولايات المتحدة، استطراداً، ان تقصي منافسها السوفياتي كي تنفرد بالزعامة الإمبراطورية العالمية في الوقت الذي تحقق دول مثل ألمانيا والصين واليابان تقدماً ثابتاً عليها منذ الثمانينات في وتائر النمو الاقتصادي، في حين تحقق اليابان تفوقاً نسبياً في مجال التقنيات العالية وتفوقاً مطلقاً في مجال التراكم الرأسمالي والفائض المالي.

كنيدي والماركسية
هذه المقابلات التي يجريها كنيدي لإظهار التفاوت في مقدرات القوى العظمى تستند إلى قانون "النمو اللامتكافئ"الذي كان لينين سباقاً إلى وضعه حيز الممارسة المعرفية في سياق دراسته للتحولات في موازين القوى الاقتصادية - العسكرية للأمم الأوروبية المتناحرة بين عامي 1917 و 1918. وكنيدي لا يجحد مرجعيته اللينينية، كما لا يخفي مديونيته لقوانين علم الاجتماع الماركسي، لكن هذه القوانين لا تحظى بمرتبة الأدوات المعرفية والمقدمات المنهجية المرشدة للبحث، ذلك ان كنيدي في حرصه على إثبات منهجيته الاستقرائية الامبيريقية يحيل هذه القوانين إلى شواهد ختامية يذيّل بها أبحاثه بحيث تبدو قوانين علم الاجتماع الماركسي العامة وكأنها خلاصات استنتاجية تتحصل من قراءة كنيدي الاستقرائية الخاصة. وهكذا يبدو التلاقي مع علم الاجتماع الماركسي وكأنه حدث عارض.
والحقيقة هي ان مديونية كنيدي النظرية للماركسية لا تظهر بكامل ثقلها إلاّ إذا عمد القارئ إلى جمع قوانين علم الاجتماع الماركسي الموزعة في ثنايا خلاصات المؤلف الاستنتاجية.
ان كنيدي مؤمن أولاً بالقانون الماركسي القائل إن البنية الاقتصادية هي "بنية تحتية مقررة لماجريات الأحداث".
وهو يأخذ قانون التفاعل الجدلي بين الاقتصاد والاستراتيجيا، عن انجلز مقتبساً قوله: "لا شيء يعتمد على الأوضاع الاقتصادية كالجيش والبحرية على وجه التحديد". كما يقتبس عن ستالين نصاً يؤكد جدلية الثروة والقوة: "ان الموازين العسكرية العالمية تتوزع على نحو يتوافق مع مقدرات الدول الاقتصادية". وهو يأخذ قانون "النمو المتفاوت" وانعكاساته على موازين القوى السياسية والعسكرية عن لينين الذي لاحظ بين العامين 1917 و 1918 أنه "كان محتماً أن تؤدي معدّلات النمو الاقتصادي المتفاوت (بين المانيا وانكلترا واليابان وروسيا) إلى صعود قوى معينة وانهيار قوى أخرى". وكنيدي يفسر أسباب صعود روسيا الامبراطورية وهبوطها بالأسباب التقنوية عينها التي ذكرها ستالين في دراسة له نشرت عام 1931: "ان روسيا كانت تخرج منتصرة في جميع المواجهات العسكرية وفي كل المعارك التي كانت مستويات التقنية العسكرية فيها متقاربة بينها وبين خصومها، بينما كانت تنهزم كلما اتسعت الهوة التقنية لمصلحة الخصوم".
يؤكد ستالين في البحث الذي يذكره كنيدي ضرورة ردم الهوة التقنية بين روسيا والغرب، "لأن أي تباطؤ في وتائر سرعة اللحاق بالغرب سيعني التخلف في السباق، والمسبوقون هم الذين تدركهم الهزيمة. فقد تلقت روسيا القيصرية ضربات متتالية لأنها تخلفت في ميداني الانتاجية الصناعية والتقانات العسكرية".
ويذهب كنيدي مع ماركس إلى حد اعتبار الثقافة بنية فوقية ترتكز على بنية تقانية - انتاجية تحتية. فالتقانات لا تثوّر أدوات الإنتاج وحسب، بل هي تحدد نوعية الثقافة الاجتماعية نفسها كذلك. وكنيدي يصوغ علاقة التوافق بين التقانة والثقافة على النحو التالي:
"إن كل نمط من أنماط التقانة يولد نمطه الثقافي الخاص به والمميز له". وهي صياغة معدلة لإحدى الطروحات التي نجدها في نصوص ماركسية عديدة، منها نص انجلز الذي طالما يردده غارودي في كتابيه ماركسية القرن العشرين ومنعطف الإشتراكية الكبير: "إن على الفلسفة المادية ان تغير من صورتها كلما حصل اكتشاف بارز في مجال العلوم". وقد اعاد الفيلسوف الشيوعي الفرنسي ألتوسير صوغ هذه الموضوعة بقوله: "ان العلم يأتي في الصباح وتتبعه الفلسفة في العشية". وكل ذلك يذكرنا بطائر مينرفا الفلسفي الهيغلي الذي لا يبسط جناحه إلا بعد حلول الغسق، أي بعد وقوع التحولات العلمية والتقانية.
إضافة إلى هذه القوانين المادية الجدلية التي يتقرى كنيدي صعود وهبوط القوى الامبراطورية في ضوئها فهو يعبر عن موقف ماركسي فلسفي من التاريخ في كليته، حيث يقول مستعيداً ماركس: "ان البشر هم الذين يصنعون تاريخهم حتماً، لكنهم يصنعونه ضمن شروط تاريخية يمكن ان تحدّ من قدراتهم على صناعة التاريخ كما يمكن ان تطلق هذه القدرات".
كما يستعيد كنيدي المفهوم الذي حدّد به ماركس العلاقة بين العنصرين الذاتي والموضوعي في صناعة التاريخ: "ان البشر هم صانعو تاريخهم وان كانت هذه الصناعة تتم ضمن ظروف تحمل مؤثرات الماضي كما يذكرنا ماركس".
وهو ينقل عن القائد الالماني بسمارك استعارة شاعرية تجسم المفهوم الماركسي عينه للتاريخ:
"ان جميع القوى الكبرى الفاعلة في التاريخ إنما تجري فوق تيار الزمن، وهو تيار ليس في استطاعة البشر خلقه أو توجيهه، وكل ما يستطيعونه هو توجيه الدفة فوق المجرى بدرجة من المهارة والخبرة تقل أو تكثر".
ومن المعلوم ان ماركس سبق أن أكد في رأس المال تحول العلم والتقانة إلى قوة تنتج القيمة وفائض القيمة. »
وفي الحقيقة فإن المنظمات التي تقاوم الإمبريالية اليوم تستمد من الماركسية ومن الأفكار التي تعتمد عليها زادها الفكرى وتساعد المراجعات والكتابات الماركسية الجديدة ، أن صح التعبير ، وتجارب الشعوب مثل الصين وفيتام على وضع تصورات لنظم اقتصادية جديدة مخالقة للرأسمالية الامبريالية والتي توصف بالمتوحشة كما ساهمت الأزمة العالمية المالية الجديدة التي ظهرت مؤخرا في الولايات المتحدة وبدأت تظهر تداعياتها على أقتصاديات أوروبا والعالم في زعزعة الثقة فيما أطلقت عليه الولايات المتحدة بالنظام العالمي الجديد أو العولمة.

المدرسة الحدية”
اهتمت المدرسة الحدية بتقديم تحليلات نظرية فائمة على فكرة المنفعة الحدية ، واستخدام الطرق الرياضية (المنطق الرياضي والرسوم البيانية للدالات) في الاثبات والعرض وظهر روادها مع مطلع القرن العشرين مثل كارل منجر وجوزيف شمبيتر في النمسا وليون فالراس وبارتو في سويسرا. وتتلخص فكرة المنفعة الحدية في أن قيمة السلعة بالنسبة لكل شخص تتوقف على وجود رغبة في إشباع حاجته إليها من ناحية وقدرته الشرائية من ناحية أخرى. وتتحدد قيمة السلعة عندما تلتقي فيها دالة الإشباع مع دالة كمية المال التي يمكن للشخص توظيفها في إشباع حاجته والتي تمثل المنفعة الحدية. وبالتالي فسرت هذه النظرية لماذا يباع الخبز مثلا وهو سلعة ضرورية، أي أكثر نفعا للمستهلك، بأقل من أسعار السلع الكمالية الأقل منفعة منه. واستخلصوا من النظرية أن الليبرالية تتيح لكل فرد أن يحقق أكبر إشباع ممكن لحاجاته في حدود دخله وامكاناته المادية. وتم تصوير العلاقات الاقتصادية وتوازناتها بصيغ رياضية . ولما كان سلوك الأفراد يختلف من شخص إلى آخر بالنسبة للاستثمار والادخار والاستهلاك فقد اضكرهم ذلك إلى التجريد ، وافتراض وجود شخص اقتصادي تصرفاته منضبطة مع المتطلبات الاقتصادية مما يعد افتراضا غير واقعي ولكنه ضرورى لاستقامة منهجهم رياضيا. بصيغة أخرى فإنه يمكن البرهنة على صحة النظرية نظريا ، ولكن هذا لايعني أن الواقع سيتتطابق مع معطياتها النظرية.
6 -النيوليبرالية أوالامبريالية:
وكمـا بدأت الكلاسيكية القديمة بظهـور كتـاب أدم سميث:ثروةالأمم،بدأت الكلاسيـكية الجديدة بظهوركتاب للمفكر الانجليزى “جون مينارد كينز” يحمل إسم :” النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود” عام 1936. وقد أخذت الحكومات بأفكار كينز وقامت بتطبيقها . وخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (عام 1945) مما وفر لها استقرارا اجتماعيا جيدا ،ونموا اقتصاديا بوتيرة شبه ثابتة ، إلا أن جشع الرأسمالية وظهور الشركات متعدية الجنسية واحتكاراتها وضغوطها دفع للآنصراف عن أفكار كينز والعودة للإلتزام بأفكار دافيد ريكاردو. وخاصة فيما يتعلق بسياسات الدول الاستعمارية الخارجية . ويمكن أن تعزي أزمة النظام المالي الحالية ، والأزمات السابقة عليها نتيجة لذلك. وقد بلغت درجة التبعية والاستلاب الفكرى لدي بعض اقتصاديينا وأساتذة الاقتصاد لدينا أن تبنوا الدعوة لأفكار ريكاردو بحجة أن الدول الرأسمالية قد أهملت أفكار كينزوعادت إلى الفكر الكلاسيكي القديم.
و قادت العودة لأفكار ريكاردو والتطرف في تطبيقها لما يعرف الأن بالنيوليبرالية أو الإمبريالية الجديدة أو العولمة . والعولمة في حقيقة أمرها ليس نطرية علمية اقتصادية وإنما هي أيديولوجيا أفرزها تغول الشركات المتعدية الحنسية وخاصة الأمريكية منها ، وتأثيرها المتزايد على السياسة الاقتصاديةوالمالية العالمية ، والذي تزامن مع الثورة الإليكترونية والمعلوماتية وخاصة انتشار الانترنيت الذي تحتكره على مستوى العالم الشركات ألمريكية وترقض أي شراكة غير أمريكية فيه أو السماح بشبكة دولية منافسة له.

يكشف الاقتصاد النيوليبرالي أو النيوكلاسيكي عن عدد من الملامح المنهجية السائدة لدى أعلامه والمنتشرة بينهم على الرغم من القليل من الاختلافات النوعية بين عالم وآخر. ولأن الاقتصاديين الينوكلاسيك تسيطر عليهم الأيديولوجيا، وهي المتمثلة في تحويل العلم الاقتصادي إلى مبرر للنظام الرأسمالي كما رأينا في الصفحات السابقة، فإن هذا الطابع الأيديولوجي لعلمهم ينعكس على المنهجية التي يسيرون عليها ويؤدي إلى تشويهها في النهاية، وذلك بأن تسيطر عليها نزعات صورية وفردية ووضعية كما سيتضح فيما يلي.
أ. الإبستمولوجيا الوضعية:
نتيجة لسعي علماء الاقتصاد الينوكلاسيك نحو جعل العلم الاقتصادي علما دقيقا منضبطا، وضعوا أمام أعينهم نموذج العلم الطبيعي الذي حاز على الدقة ودرجة الصدق العالية استنادا على اعتماده على الرياضيات، وهو الفيزياء النيوتونية. لكن محاولة التشبه بالعلم الطبيعي في إقامة علم اجتماعي إنساني مثل الاقتصاد تؤدي في النهاية إلى نزعة وضعية تختزل الحياة البشرية في قوانين تشبه القوانين الفيزيائية، وهذا ما حدث بالفعل مع النيوكلاسيك.
يستند الاقتصاد النيوكلاسيكي على ابستمولوجيا مستقاة من نموذج العلم الطبيعي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أو ما يعرف بالفيزياء النيوتونية. يتكون هذا النموذج من قوانين حول حركة الأجسام واتجاهات وسرعات هذه الحركة بناء على قوانين الجاذبية والكتلة والطاقة. واعتماد الاقتصاد النيوكلاسيكي على هذا النموذج يجعله يعامل موضوعه كما لو كان أجساما وطاقة ومادة، وكما لو كان يشكل نسقا مغلقا ينـزع دائما نحو التكامل، والملاحظ أن مفهوم التكامل ظهر لأول مرة في فيزياء نيوتن لوصف ما يحدث داخل نسق جاذبية مغلق مثل المجموعة الشمسية. يصرف الاقتصاد النيوكلاسيكي نظره عن أن موضوعه الحقيقي ليس حركة فيزيائية لأجسام داخل نسق مغلق بل هو حركة البشر التي لا يمكن فهمها بالتوازي أو التشبيه بحركة الأجسام الفيزيائية.
وتظهر نتيجة هذه المنهجية في تعامل الاقتصاد النيوكلاسيكي مع الإنتاج كما لو أنه طاقة، ومعاملة دوران السلع باعتبارها تسير في قنوات مثل سريان الطاقة والتي تنـزع دائما نحو التكامل، أي نحو التوزع العادل حسب قوانين الطاقة. والملاحظ أن نموذج الفيزياء النيوتونية هذا قد تجاوزه العلم المعاصر عن طريق النظرية النسبية ونظرية الكوانتم، ولذلك فإن العلمية التي يدعيها الاقتصاد النيوكلاسيكي كاذبة، نظرا لتجاوز العلم المعاصر للنموذج العلمي الذي يقلده النيوكلاسيك. لكن يظل النيوكلاسيك متمسكين بالنموذج العلمي للفيزياء النيوتونية نظرا لحاجتهم الأيديولوجية إليها، إذ تخدمهم جيدا في هدفهم الأساسي وهو إضفاء العقلانية على نظام غير عقلاني، وإضفاء الطابع العلمي على ما ليس إلا تبريرا أيديولوجيا للرأسمالية.
ب. النـزعة الصورية والهوس بالرياضيات:
يسعى النيوكلاسيك نحو جعل علم الاقتصاد علما تصنيفيا Taxonomic مولع باختراع الفئات والأصناف والمقولات، وبتقسيم وتوزيع كل الواقع بتنوعاته الهائلة على هذه الفئات: الإيجار العقاري والفائدة وأجر العمل، الأرض ورأس المال وقوة العمل، مقاول الأعمال والسوق الحر..إلخ. صحيح أن هذه الفئات تعبر عن شئ من الواقع، إلا أنها لا تعبر عنه كله وبدقة. فغالبا ما يعمل علماء الاقتصاد على فهم الواقع الاقتصادي بناء على هذه التصنيفات المسبقة لا بناء على البحث الواقعي، وبذلك فهم يحشرون الواقع في هذه التصنيفات المقولية بصرف النظر عما إذا كانت تستجيب للواقع أم لا. تكشف تلك النـزعة التصنيفية عن فلسفة في الماهيات وعن مفهوم عن طبيعة إنسانية ثابتة ذات حاجات بيولوجية فردية، وعن تبنيهم لمفهوم عن قانون طبيعي ثابت وأزلي عبر التاريخ غير خاضع للتغيرات الاجتماعية والتاريخية.
ومن هذه الخلفية يسعى علماء الاقتصاد الكلاسيك والنيوكلاسيك على السواء نحو البحث عن انتظامات Uniformities ، وعن قوانين أزلية تحكم السلوك الاقتصادي، ونحو وضع نظرية في التوازن الاقتصادي Equilibrium يدَّعون أن الواقع يكشف عنها. وهذا التوازن الذي يتكلمون عنه ليس سوى توازن وتكامل نظريتهم الاقتصادية نفسها لا توازن وتكامل الواقع، وفي النهاية تعبر فكرة التوازن لديهم عن التوازن النظري باستخدام المعادلات الرياضية والمسائل الحسابية. وبذلك ينغلق علمهم على نفسه ولا ينفتح أبدا على التنوع الاجتماعي للطبيعة الإنسانية و البعد التاريخي للنظم الاجتماعية.
كما يختزل النيوكلاسيك مفهوم الثروة في مفهوم الثروة النقدية وينظرون إلى المنفعة Utility على أنها الربح المالي لا الوفرة والرخاء الإنتاجي. وهذا ما يؤدي بهم إلى التعامل مع الإنتاج والتوزيع والتبادل ودوران رأس المال بلغة الأرقام، تلك الأرقام التي يدخلونها في معادلات رياضية وجداول ورسوم بيانية. واعتقادهم أن ما توصلوا إليه من معادلات رياضية هو القوانين الاقتصادية الحاكمة لحياة البشر يجعلهم يختزلون غنى وتعقد الحياة البشرية والتتابع السببي التاريخي للحوادث إلى تتابع منطقي لخطوات البرهان الرياضي معتقدين أن هذا هو العلم في حين أنه هو الوهم بعينه.
سعى النيوكلاسيك، وخاصة في الولايات المتحدة، نحو تطوير التحليلات الرياضية الاقتصادية، وكان الموجه لهم في ذلك رغبتهم في إثبات أن التكاليف الفردية والتكاليف الاجتماعية متساوية، على الرغم من عدم تساويها واقعيا. وبكلمات أخرى سعى هؤلاء نحو توضيح أن المجتمع ليس سوى مجموع أفراده المكونين له، وبالتالي ليس في حاجة إلى ترتيبات اقتصادية خاصة به مختلفة عن الآليات التلقائية للسوق والتي تضمن رفاهية الأفراد؛ وكانوا في ذلك يكشفون عن التمسك بالعقيدة الليبرالية التقليدية عن السوق الحر وعن عدم استقلال المجتمع عن الأفراد المكونين له وعدم تشكيله لكيان مختلف عن الأفراد.
إن السبب الذي يجعل علماء الاقتصاد النيوكلاسيكي يلجأون إلى الرياضيات هو أنه كلما اتخذت النظرية الاقتصادية طابعا صوريا رياضيا كلما ظهرت كما لو أنها ابتعدت عن الأيديولوجيا، لأنها بذلك تركز على الشكل و لاتنطوي على أي مضمون يمكن أن تشوبه الأيديولوجيا. إن هذا النوع من النظريات بذلك يصبح منعزلا عن الواقع وعن كل ما هو خارج المعادلة الرياضية. فالنظرية الاقتصادية الرياضية ليست إلا معادلات لا تقول لنا الكثير عن العلاقات السببية بين الأحداث، كما أنها لا تقوم بشئ إلا أن تعطي وصفا لحالة من الاعتمادات المتبادلة بين متغيرات.

إن ظاهرة الاعتماد الداخلي المتبادل بين عناصر نظام اقتصادي مصاغ بلغة رياضية مثل نظرية “والراس “على سبيل المثال لا تنشأ إلا لأن هذا النظام هو نظام في التوازن الثابث Static Equilibrium ، ومثل هذا النظام يقوم بتثبيت المتغيرات الاقتصادية الحقيقية التي لا تعرف توازنا ثابتا أبدا بل تشهد تغيرات دائمة؛ وإذا ما شهد الواقع شيئا من التوازن فلن يكون إلا توازنا مرحليا ومؤقتا بين تغيرين، أي توازنا ديناميا ينتقل بين تغيرات.
ومن بين الأسباب التي مكنت علماء الاقتصاد من التعامل مع الاقتصاد رياضيا تطور الاقتصاد نفسه إلى الدرجة التي جعلت التعامل الرياضي معه ممكنا. وقد جاء هذا التطور في شكل مزيد من الاستقلال للمجال الاقتصادي عن مجالات الحياة الأخرى وعن الإرادة الإنسانية، مما جعل الاقتصاد عصيا على التحكم البشري الواعي وأصبحت له قوانينه الخاصة التي يخضع لها البشر أنفسهم. فمع ازدياد استقلال العملية الاقتصادية عن الإرادة البشرية، ومع ازدياد انغلاق عالم الإنتاج الرأسمالي أمام التحكم البشري الواعي يجد البشر أن ما صنعته أياديهم استقل عنهم وأصبح متحكما فيهم. وعندما ينعزل الاقتصاد عن الإرادة البشرية تتخذ قوانينه شكل القوانين الطبيعية، وعندئذ فقط تتمكن الرياضيات من التعامل معه. إن كثرة استخدام الرياضيات في التحليلات الاقتصادية يقف دليلا على اغتراب البشر عن شروط حياتهم المادية حتى أنها أصبحت تشكل كيانا مستقلا عنهم وتتحكم فيهم كما لو كانت قوانين الاقتصاد بحتميتها وضرورتها القاهرة تشكل طبيعة ثانية.
ومن الأسباب التي تجعل الاقتصاد الينوكلاسيكي يحول العلم الاقتصادي إلى علم رياضي هدف أيديولوجي يتمثل في أن اللغة الرياضية الصورية والرمزية تمكن النيوكلاسيك من التعامل مع الاقتصاد شكليا وصوريا عازلين بذلك المضمون العيني لعلمهم والذي يتمثل في الحياة الحقيقية للبشر. فعلى سبيل المثال، يعتم العلم الاقتصادي الرياضي على التناقض الطبقي، بل ويلغيه تماما؛ ذلك لأن الأطراف الاجتماعية الداخلة في العملية الإنتاجية لا تظهر إلا باعتبارها رموزا متساوية القيمة؛ فيتم التعبير عن رأس المال والعمل المأجور بـ (س) و(ص). تعامل اللغة الرياضية هذه الرموز على أنها تنتمي إلى فئة واحدة، فئة المتغيرات، وبذلك ينظر من يتعامل مع الواقع إلى هذه الرموز على أنها متساوية الدلالة في حين أنها تعبر عن أوضاع طبقية مختلفة تماما بينها تراتب سلطوي وخضوع طرف للآخر. إن التعبير عن رأس المال والعمل بـ(س) و(ص) يخدم أيديولوجيا الاقتصاد النيوكلاسيكي جيدا لأنه يتفق مع الوهم الذي تنشره هذه الأيديولوجيا والقائل بالتساوي بين رأس المال والعمل المأجور باعتبارهما طرفين متساويين في علاقة تعاقد حرة وقانونية.

وقيما يلي زيادة أيضاح ما سبق فيما يتعلق بتطور الفكر الرأسمالي الأوروبي :
فبعد ظهور آدم سميث والمدرسة التقليدية أو الكلاسيكية استكمل كل من ذافيد ريكاردو اليهودي الأصل والنشأة والفس ما لتوس أقكار سميث . كما ساهمت فيها كتابات جون ستيواربت ميل والفرد مارشال في انجلترا، وجان باتيست وشارل جيد وشارل ليست في فرنسا . بما جعلها مدرسة انجليزية نشأت لمواكبة الثورة الصناعية التي بدأت وقتئذ فيها قبل أن تمتـد منها لألمانيا فيما بعد. وتحديدا الاستجابة لمتطلباتها . ويتلخص فكرها الذي يرجع في معظمة لدافيد ريكاردو في الآتي:
1- الفرد هو أساس النشاط الاقتصادي إنتاجا واستهلاكا وادخارا واستثمارا . وأنه يسعي لتحقيق أكبر منفعة شخصية له. فيحقق بذلك أكبر منفعة ممكنة للمجتمع . باعتبار أن المصلحة العامة هي مجموع المصالح الخاصة للآقراد في نظرهم.
2- يخضع علم الاقتصاد إلى قوانين تحكمة ومهمة الفكر الاقتصادي هي البحث عنها واكتشافها والقطـاع الرأسمـالي نظـام طبيـعي لتوافقـه مع طبيعة الأفراد ونزوعهم إلى الحرية وحبهم للتملك وسعيهم وراء المصلحة والمنفعة الشخصية.
3- تقسيم العمل ينتج مردودية إنتاجية أكبر، إلا أن هذه الإنتاجية تخضع لقانون الغلة المتناقصة بعد وصولها إلي حد معين من التشغيل.
4- قيمة السلـعة تتحـدد بقيمة العمل المبذول في إنتاجهـا . والأجر مثل باقي السلع يخضع لقانون العرض والطلب. أي إذا زاد عدد طالبي العمل عن فرص العمل المتاحة انخفضت أجورهم ، وإذا زادت فرص العمل وقلت الأيدى العاملة زادت أجور العمال.
5- التعامل بالربا من أساسيات الاقتصاد . ويعتبر سعر الفائدة في سوق الرأسمال من أهم الآليات التي تضبط توازن النظام وتحل أزماته. ويتوقف سعر الفائدة على أساس عرض وطلب الإدخار.
6- ترتبط تقلبات الأسعار في أسواق السلع ورأس المال بكمية النقد المتداولة. بمعني إذا زادت كميات النقد المتداولة عن كمية السلع المعروضة في السوق زادت أسعارها وحدث التضخم ، وإن زادت كمية السلع عن النقد انخفضت الأسعار. وبالتالي يمكن في الحالة الأخيرة التحكم في عرض السلع لزيادة أسعارها.
7- يتوقف نشاظ التجارة الدولية على حريتها وإزالة الحواجز الجمركية المعوقة لها . وتخصص كل دولة في إنتاج السلع والخدمات التي تحقق ميزة نسبية فيها.
8- ينظم الإقتصاد نفسه بأليات وفق قانون العرض والطلب بالسوق وأي تدخل من الدولة يعظل هذه الآلية ويفسد النظام.
9- إن سوق العمل ينظم نفسه بنقسه بما يحقق التشغيل الكامل للموارد البشرية بسبب التناسب العكسي بين عدد العمال وقمية الأجور المدفوعة.
10- النقود وسيلة للتبادل ومعيار لقياس القيم . ولكنها محدودة القيمة كمخزن للقيم. لأنها لا تحافظ على قيمتها بمرور الزمن.

وتعرضت هذه الأفكـار إلى انتقادات موضوعية خاصة من المفكرين الألمان كشفت عيوبها وعدم اتساقها . سواء فيما يتعلق بالقيمة ووظيفة النقود أوالتشغيل أو التوزيع . كما تعرضت الرأسماليات الغربية في ظلها لأزمات دورية طاحنة بلغت ذروتها عام 1929 . وعجزت مفاهيمها وآلياتها عن منعها ، أو إيجاد حلول لها.وبرزت في كل من أزمات النظام الرأسمالي مشكلة البظالة واحتدمت وأصبحت تهدد النظام برمته . فضلا عن التفاوت الطبقي الذي ازداد اتساعا وخطورة ، وتعرضت الرأسمالية الغربية منذ عام 1814 لتعاقب الرواج والكساد كل 11 عاما تقريبا حتي عام 1929 . وظهر على إثر ذلك ما عرف فيما بعد بالمدرسة الكلاسيكية الجديدة في محاولة ترقيعية لإنقاذ وحماية النظام الرأسمالي وإجاد علاج لأدوائه الخطيرة التي تهدد وجوده. ونحجت بالفعل في المحافظة على استمرارهوإن لم يتم هدم النظرية الكلاسيكية القديمة ، إذا تم الاحتفاظ بمعظم أفكارها. وإنما اعتبرت الجديدة بمثابة عملية ترقيع لها. وترتب العمل بأفكار المدرستين إلى عودة الأزمات الدورية التي يتعاقب فيها الرواج والكساد لدي الدول الصناعية الكبرى. ولو أنه يحدث حاليا كل 20 عاما بعدما كان يحدث كل 11عاما من قبل.

ويقول الطيب بوعزة: » في بداية السبعينيات ومع حرب أكتوبر سنة 1973 شهد الاقتصاد العالمي أزمة أخرى عقب ارتفاع سعر النفط. حيث برزت أزمة اقتصادية جديدة لم تكن معروفة بناء على ما هو معهود على مستوى الأزمات الدورية، وتتمثل جدة هذه الأزمة في اقتران التضخم بالبطالة. وهو اقتران نادر الحدوث في تاريخ الاقتصاد الرأسمالي، ولم يسبق أن تمت مواجهته بالثقل الذي ظهر به.
وفي هذا الظرف الدقيق والحرج –أي ظرف الأزمة- كان لابد من انطلاق مراجعة نقدية للنظرية، وبالفعل برزت رؤى اقتصادية عملت على بلورة إطار نظري مغاير للإطار النظري الكينزي، حيث زعمت هذه الرؤى أن سبب الأزمة لا يكمن فقط في ارتفاع سعر النفط، بل في ارتفاع نفقات الدولة على الخدمات العامة التي تقدمها للطبقات الفقيرة والمتوسطة.
وكان الحل المقترح هو التقليل من هذه النفقات، والتراجع عن المقاربة الكينزية بالعود إلى المنطق الليبرالي القاضي بوجوب إطلاق الفعل الاقتصادي من كل قيد خارجي، واختزال سلطات الدولة بالتقليل من مهماتها ونفوذها، وجعل السوق كينونة مستقلة بذاتها.
إذا كانت النظرية الكينزية تراجعا عن الإطلاق الليبرالي للسلوك الاقتصادي، ورفضا لحياد الدولة بقصد معالجة أزمة سنة 1929؛ فإن النيوليبرالية هي محاولة لمعالجة أزمة 1973، على أساس رفض المنظور الكينزي، والمناداة بالعودة إلى الانتظام وفق الرؤية الليبرالية في أشد تمظهراتها المطلقة.
في بداية التسعينيات من القرن العشرين هيمنت الرؤية النيوليبرالية لتكون المرجعية النظرية للعولمة، والفلسفة التي تستهدي بها المؤسسات التي تتحكم في الأرض ومن عليها، على تعدد واختلاف أقطارها وثقافاتها ونظمها!
"ولقد كان للنيوليبراليزم حضور كبير في الفكر الاقتصادي الأميركي، وخاصة في مدرسة شيكاغو مع أتباع فريدمان، ثم بوشانان وراند ونوزيك. وستجد في فكر هايك hayek ولوباج وروزا وأفتاليون مرجعية نظرية تستلهم منها المفاهيم والرؤى المنهجية لتحليل الإشكالات الاقتصادية والسياسية.
ومما يجدر ذكره أن هذه النظرية ظهرت ابتداء في حقل "الاقتصاد السياسي"، كتنظير مرتكز على أصول فكرية كانت قد تبلورت في مدارس أوروبية مثل مدرسة لوزان التي أسسها ليون والراس leon walras، والمدرسة النمساوية التي أسسها كارل منجر، والمدرسة الإنجليزية التي أسسها وليم ستانلي جيفنز.
بيد أن التيار النيوليبرالي نجح في تجاوز الحقل الاقتصادي إلى بلورة رؤية ليس فقط للمجتمع والدولة على مستواهما القطري، بل رؤية للعالم بكل تنوعه وتعقيداته. حيث تم تبني المقاربة النيوليبرالية من قِبَلِ المنظمات الاقتصادية الدولية كـ"صندوق النقد الدولي" الذي عمل وفق هذه الرؤية على إعادة رسم اقتصاديات الدول الفقيرة بالضغط على حكوماتها لتبني اختيارات نيوليبرالية.
وفي بداية التسعينيات من القرن العشرين حدث تحول كبير في الواقع الدولي، حيث انهار الاتحاد السوفياتي وباقي منظومته الاشتراكية، فتم الحديث عن إطار علائقي جديد يجب أن يسود الواقع الدولي، إطار يتسم بانفتاح الأسواق وزوال الحواجز الجمركية أمام تناقل السلع، وتقليص نفوذ الدولة، وهو الإطار الذي تم الاصطلاح على تسميته بـ"العولمة".
الأمر الذي زاد من توكيد هيمنة الرؤية النيوليبرالية، والدفع بها لتكون المرجعية النظرية للعولمة، والفلسفة التي تستهدي بها المؤسسات التي تتحكم في الأرض ومن عليها، على تعدد واختلاف أقطارها وثقافاتها ونظمها!
ـإذا كانت النظرية الكينزية تراجعا عن الإطلاق الليبرالي للسلوك الاقتصادي، ورفضا لحياد الدولة بقصد معالجة أزمة سنة 1929؛ فإن النيوليبرالية هي محاولة لمعالجة أزمة 1973، على أساس رفض المنظور الكينزي، والمناداة بالعودة إلى الانتظام وفق الرؤية الليبرالية في أشد تمظهراتها المطلقة.
"في بداية التسعينيات من القرن العشرين هيمنت الرؤية النيوليبرالية لتكون المرجعية النظرية للعولمة، والفلسفة التي تستهدي بها المؤسسات التي تتحكم في الأرض ومن عليها، على تعدد واختلاف أقطارها وثقافاتها ونظمها!»

Friday, January 16, 2009

عقيدة التوحيـــد الإسلاميــة: المعنى والمبنى الجزء الرابع عشر: أنظمة التكافل الإسلامي

التكافل الاجتمـاعي:
وضع الإسلام التكافل الاجتماعي لضمان التحرر الوجداني وتحقيق العدالة الاجتماعية. و التكافل الإجتماعى يقصد به إلتزام الأفراد بعضهم نحو بعض؛ فكل فرد عليه واجب رعاية المجتمع و مصالحه. و ليس المقصود بالتكافل الاجتماعي في الإسلام مجرد التعاطف المعنوى من شعور الحب و المودة، بل يتضمن العمل الفعلي الإيجابي الذي يصل إلى حد المساعدة المادية للمحتاج و تأمين حاجته بما يحقق له حد الكفاية. و ذلك يكون عن طريق دفع الزكاة، فإن لم تكفي فيؤخذ من الأغنياء ما يكفي للفقراء.تحقيقا للعدل الاجتماعي.

يقول الاستـاذ مصطفى الرافعي :"والعدل أوالعـدالة هـي واحـدة من القيم التي تنبثق من عقيدة الاسلام في مجتمعه. فلجميع الناس في مجتمع الاسلام حق العدالة وحق الاطمئنان إليها، عملاً بقول الله تعالى: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"..واسم العدل الوسط مشتق من المعادلة بين شيئين بحيث يقتضي شيئاً ثالثاً وسطاً بين طرفين. لذلك كان اسم الوسط يستعمل في كلام العرب مرادفاً لمعنى العدل. فقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن رسول .
والعدل في الاسلام لا يتأثر بحبّ أو بغض، فلا يفرق بين مسلم وغير مسلم، كما لا يفرق بين حَسَب ونَسَب، ولا بين جاه ومال.. بل يتمتع به جميع المقيمين على أرضه من المسلمين وغير المسلمين مهما كان بين هؤلاء وأولئك من مودة أو شنآن، بقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون".
فالعدل في الاسلام ميزان الله على الأرض، به يؤخذ للضعيف حقه وينصف المظلوم ممن ظلمه، وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا". وأبواب السماء مفتوحة أمام الإمام العادل وأمام المظلوم على سواء، يقول عليه الصلاة والسلام: "ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الإمـام العادل والصـائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم". فالله سبحانه يجيب دعوته، وينصف من يستغيث به، ويدفع عنه مظلمته. بل أباح للمظلوم فوق ذلك الدعاء على الظالم والتشهير به وقول السوء في حقه حتى يرجع عن ظلمه، مصداقاً لقول الله تعالى: "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم".

لقد دعا الاسلام إلى عدالة اجتماعية شاملة ترسيخاً لفكرة العدل كمبدأ، وتنمية لها كسلوك لأن العدل هو أهم الدعائم التي يقوم عليها كل مجتمع صالح. فالمجتمع الذي لا يقوم على أساس متين من العدل والإنصاف هو مجتمع فاسد مصيره إلى الانحلال والزوال.

وعدالة الاسلام ذات سمة خاصة تميزها عن سائر العدالات. فمجتمع الاسلام يقوم على توحيد الإله وتوحيد الأديان جميعاً في دين الله الواحد، وتوحيد الرسل في الدعوة بهذا الدين الموحد منذ نشأة الحياة: "إن الدين عند الله الاسلام" و "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون".ومجتمع الاسلام يقوم على الوحدة بين العبادة والمعاملة والعقيدة والسلوك والروحيات والماديات والقيم الاقتصادية والقيم المعنوية والدنيا والآخرة.
وعلى هذا، فإن عدالة الاسلام تتناول جميع مظاهر الحياة وجوانب النشاط فيها، وتسعى إلى تحقيق العدالة فيها بوسائل شتى .(...) إن كل عدل لا يقوم على اقتصاد منظم.. فهو عدل ناقص بل عدل ظالم ـ إن صحّ التعبير ـ فلن نكون عمليين حين نقول للجائع أو العاري أو المفلس أو العاطل عن العمل، لا ترتكب الجريمة قبل أن نحقق له مجتمعاً صالحاً لا يجوع فيه ولا يعرى ولا يتعطل عن العمل.

هذا وقد تشدد الاسلام في نظرته إلى العدالة من زاويتها الاقتصادية فحرّم ما نسميه نحن اليوم بلغتنا السياسيـة (الاستفادة غير المشروعة) عن طريق استخدام النفوذ والسلطان. ومن الأمثلة على ذلك سلوك عمر بن الخطاب مع ولده عبدالله حين رأى في طريقه إبلاً سمينة وسأل عمر عنها فقيل له إنها إبل عبدالله بن عمر، فغضب ابن الخطاب وقال: "ما سمنت إبل عبدالله إلا لأنه أرعاها بجاه أمير المؤمنين، ادفعوا بها إلى بيت المال" وأمر بمصادرتها.

ومـن أمثلـة العـدل الاقتصـادي في الاسلام: ضريـبة العشـور التي عرفتها معظم الشعوب القديمة كالفراعنة والفرس واليونان والرومان، وهي تشبه ضريبة الجمركية في أيامنا. فكانت تلك الشعوب قبل الاسـلام وبخاصـة الرومـان يجـبونها على حدود المناطق المتعددة من الدول الواحدة وكانوا يتقاضونها في العام الواحد مرات عديدة بعدد مرورهم على العاشر (أو الجمركي إذا جاز التعبير)، كما كانوا يتقاضونها على جميع سلع التجارة مهما بلغ ثمنها قليلاً أو كثيراً إلى ما هنالك من صعوبات ترهق كاهل المستوردأو التاجر المتجول على حين إذا ا قارنا نظام الضريبة هذه بنظامها في الاسلام نجد أن الاسلام امتاز فيها عن جميع الشعوب التي سبقته بأنه جمع العدل والرحمة والسماحة والحكمة في فرض تلك الضريبة وفي تقديرها وفي تقاضيها..
أ ـ لم يفرض الاسلام ضريبة العشور ما لم تبلغ قيمة البضاعة نصاب الزكاة الذي هو عشرون مثقالاً من الذهب أو مئتا درهم من الفضة.
ب ـ لا تستوفى في الاسلام ضريبة العشور إلا مرة واحدة في العام مهما تعددت رحلات التاجر عبر دياره.
ج ـ لا تدفع في أرجاء الدولة الاسلامية إلا مرة واحدة مهما تعدد العشار أو (الجمارك).
د ـ لا يتعرض التاجر حال مروره على العاشر للإساءة إليه بتفتيشه، بل يكتفي العاشر بإقراره، لأن عمر بن الخطاب أمر بعدم تفتيش التجار.
هـ ـ لم تكن الأعشار في بداية فرضها تؤخذ من المسلم إذا أدّى زكاته ومن الذميّ إذا أدّى جزيته، إنما كانت تضرب على المحاربيـن إذا استأذنـوا كي يتجروا في أرض المسلمين طبقاً لقاعدة المعاملة بالمثل، لأن ضريبة العشور هذه لم يعرفها الاسلام إلى على عهد عمر بن الخطاب حين كتب إليه أبو موسى الأشعري يستشيره في تجار من المسلمين يدخلون ديار الحرب فيأخذ منهم حكامهم العشور، فكتب إليه عمر بأن يأخذ من المحاربين على تجارتهم إذا دخلوا ديار الاسلام القدر الذي يأخذه هؤلاء من المسلمين وهذا مبدأ المعاملة بالمثل المطبق اليوم عند كافة الدول الراقية.

بالإضافة إلى أن الأوضاع الاقتصادية قد تغيرت في صدر الإسلام عنها في هذا الزمان حيث تنطلق فيه الصيحات من كل مكان من هذا العالم مطالبة بالمساواة والعدالة والمحافظة على حقوق الإنسان وحريته.والدين يعني العدالة، ويعني الحرية، ويعني المساواة. بل يعني الإنسانية في أنبل صورها وأقدس معانيها.

وفي ضوء هذه القيم الكبرى والمثل العليا، فإن للمجتمع أن يقرر ما يجلب له المنافع وما يدرأ عنه المفاسد بتحويل النظام الاقتصادي إلى ما يحقق للإنسانية حريتها وسعادتها ما دام المال في الأساس هو مال الله والناس وكلاء على هذا المال ومستخلفون فيهن ومعتبرون فيما يملكون بمثابة مديرين وموظفين عاملين على إصلاحه نائبين عن المجتمع في تنميته، وهذا هو معنى الاستخلاف عن الله في قوله:”وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه".
وقد سن الإسلام محموعة من المبادئ والأنطمة لتحقيق التكافل ولدعم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين منها:

تجريم كنز المال:
ومن الضـوابط الاقتصادية في الإسلام تحريم الكنز، لأنه تعد على حقوق المجتمع، حيث يقول رسول الله (ص): “مَن جمع ديناراً أو درهماً أو تبراً أو فضة، ولا يعده لغريم ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة”.
وفي موت رسول الله وأبي بكر وعمر وعلي وخالد بن الوليد وكثير غيرهم من أفاضل الصحابة، من غير أن يتركوا ميراثاً لوارث أو مالاً لخالف، أبلغ شاهد على ذلك. إن حبس المال عن التداول وكنزه في الصناديق والخزائن يؤدي إلى اختلال التوازن المالي والتجاري والاقتصادي وبالتالي إلى اختلال التوازن الاجتماعي. وإلى هذا هدف القرآن الكريم حين قال: “والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم”. وهذا يعني: أن الكنز ليس سلوكاً شخصياً مؤاخذاً عليه فحسب، بل جريمة اجتماعية، يجب على الدولة أن تستأصلها بما تضع من تشاريع واقية.
فحبس المال إن كان سببه البخل والتقتير، فقد ندد الله سبحانه بالبخلاء والمقترين: “ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك”، وإن كان سببه التهرب من الإنفاق في سبيل الله.. أي في سبيل حماية المجتمع ومصالحه، فأحرى به أن يحارب ويعاقب.
ويؤدي الاكتناز الى حجب الجزء المكتنز من الأموال النقدية عن التداول واخراجه من التوسط في انجاز العمليات التجارية ، وهو عكس الادخار الذي يشترك بشكل لاحق في تسهيل التبادل التجاري وتلعب الفائدة كدور محفز للافراد في ادخار اموالهم تقوم بهذه المهمة المصارف المؤسسات المالية ، لا يمكن تساوي الادخار مع الاكتناز لان الاول سيدخل السوق لاحقا عن طريق اعادته من قبل المصارف اما الاكتناز فانه يحجب عن السوق بشكل كامل وهو يسمى بالادخار السلبي ، وهذا عكس ما ذهب اليه بعض المفكرين الاسلامين بتساويهم بين الحالتين من هذه الناحية .

شيوع الموارد العامة :
ومن الضوابط التي تكفل بقاء التوازن الاقتصادي (ولايقصد بالتوازن هنا تعادل كفتي ميزان أو نقيضين وإنما المقصود هو أن تكون مكونات النظام الاقتصادي موزونة بقدر بما يحفظ انتظامه )قائماً في الإسلام مبدأ (شيوع الموارد العامة) وهو ما يسمى بلغة العصر (تأميم المرافق العامة) قياساً على شيوع (الماء والكلأ والنار) التي نصّ عليها الحديث الشريف بوصفها موارد عامة لا يجوز تحديدها بملكية خاصة، وبوصفها ضرورات حياتية يجب ن تظل مشاعة بين الناس جميعاً. وقد رتب المذهب المالكي على هذا شيوع (الركاز) فلا يؤول إلى ملكية خاصة. فليس في نظر المالكية ـ المعادن والسوائل في محالها ـ أي مناجمها ـ من الأموال المباحة حتى يتملكها مَن وجدها واستولى عليها ـ وإنما هي ملك للمسلمين كافة ـ أنى وُجدوا ـ لأن دار الإسلام واحدة.
وكل ما في الأرض من نعم وخيرات هي من عند الله وهي موهوبة للبشرية كلها وليس من العدل أن ينعم بها فريق من الناس ويحرم منها فريق أخر.قال سبحانه: «  ... وأمددناكم بأموال وبنين ... » (الإسراء/ 6.) وقال:“ويُمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً”( نوح/ 12.)وقال: “ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيماً”( الإسراء/ 66.) وقال:«... وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ... »( الحديد/ 25.) وقال:”ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ... »( الأعراف/ 10.)
“والأرض وضعها للأنام”( الرحمن/ 10).

ولا ريب أن رد الملكية العامة في هذه المرافق للجماعة فيه قضاء على سبب هام من أسباب فقدان التوازن المادي الاقتصادي في المجتمع، لأن هذه الموارد تمثل القسم الأكبر من الثروة العامة تملكه في النظام الرأسمالي شركات أو أفراد، وتنشأ من هذه الملكية آثار سيئة في المجتمع، كما تصبح سبباً من أسباب المنازعات الدولية ومبررات للطغيان والعدوان وأساليب الاستعمار. من تلك الضوابط مبدأ تحريم (الترف والإسراف).

والإسلام ليس بدين شظف وحرمان ولكنه دين يبيح لمعتنقيه أن يَنعموا بالحياة ويستمتعوا بطيباتها: “كلوا من طيبات ما رزقناكم”، “قل مَن حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق” غير أن ما ينكره الإسلام على معتنقيه، تعديهم حـدود الاعتدال وانغماسهم بالترف لما يورثه الترف من فساد وتعفن في كيان الفرد وكيان المجتمع، فلقد حدثنا القرآن الكريم أن المترفين كانوا عبر التاريخ علة انهيار المجتمعات وتقهقر الشعوب وانحلالها. قال تعالى: “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً”.
إن الترف الذي تغرق فيه طبقة يقابله بالضرورة حرمان تعاني شظفه طبقة أخرى، لأن المترفين يمتصـون دمـاء الجمـاهير، ويستغلون جهودها، ويتصرفون بخيراتها، ليرضوا شهواتهم ويحققوا رغباتهم.
ولا شك أن مثل هذا السلوك الاجتماعي يفقد الجماعة روح السلام والإخاء، لأنه يثير أحقاد النفوس ويوقظ حزازات الطبقية، فضلاً عما يخلفه هذا الوضع من آثار اجتماعية هي بنت الشهوات القذرة التي يتفانى في سبيلها المترَفون.

مـن هنـا كانت حكمة الإسـلام في تحريم التبذير والإسراف والترف: “إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين”، وذلك حفظاً للمجتمع من التفسخ والترهل الروحي والميوعة الخلقية.

منع الاحتكارات:
ومنها (منع الاحتكار)، لأن الاحتكار يخلق قوة طاغية في يد المحتكر لا يستمدها من الجودة والإتقان وحُسن الخدمة وكفايتها، وإنما يستمدها من وجود الامتياز في يده أو من احتكاره للسلعة في السوق. وهذه القوة الطاغية تستخدم دائماً ضد مصلحة المستهلكين، أي ضد مصلحة الجماهير. فالمحتكر أبداً مَناع للخير معتد أثيم مضيق لفضل الله على الناس، يقول له الله يوم القيامة: "اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك”.
لذلك حرّم الإسلام الاحتكار وندد رسوله الكريم بالمحتكر، فقال صلى الله عليه وسلم :"لا يحتكر إلا خاطئ. ومَن احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برئ من الله وبرئ الله منه" .

الاهتمام بالسوق:
إهتم المسلمون بدورالسوق في الاقتصاد حيث أن ثاني مؤسسة قامت بعد المسجد في المدينة المنورة هي السوق ولم ينه النبي محمد العديد من الصحابة عن التجارة بل حث عليها وقد اغتني العديد من الصحابة من التجارة مثل عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر الصديق وغيرهم.

تحريم الربا:
ومنها (تحريم الربا)، والربا في اللغة: هو الزيادة. قال الله تعالى: “فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ"[الحج:5], وقال تعالى:”أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ” [النحل:92]، أي أكثر عدداً يقال: ”أربى فلان على فلان، إذا زاد عليه“(2) وأصل الربا الزيادة، إما في نفس الشيء وإما في مقابله كدرهم بدرهمين، يقال: ربا الشيء إذا زاد.وأربى الرجل: تعامل بالربا أو دخل فيه ويطلق الربا على كل بيع محرم أيضاً . والربا المحرم في الأسلام هو مازاد عن قيمة الدين من مال أتفق على زيادته الدائن مع المدين.وعلة تحريمه مافيه من ظلم وأستغلال من الدائن للمدين ، والدين الإسلامي هو دين العدل والإحسان. قال تعالى فى حديث قدسى:" يا عبادى انى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما”. وقال تعالي :"إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهي عن الفحشاء والمنكروالبغي,,,”

وقد حرمه الله بقوله تعالي:"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون" [البقرة : 275-279].فجعلت الآية المتعامل بالربا في منزلة الكفار الآثم وأنذر الذين يصرون على التعامل بالربا بحرب من الله ورسوله لما فيه من ظلم الذائن للمدين,.وقال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّـقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُـونَ" (آل عمران : 130) .،وقال سبحانه وتعالى في شأن اليهود حينما نهاهم عن الربا وحرمه عليهم، فسلكوا طريق الحيل لإبطال ما أمرهم به : "وَأَخْذِهِـمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً" وقال عز وجل: "وَمَا آتَيْتُـمْ مِـنْ رِباً لِيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّـاسِ فَلا يَرْبُواْ عِنْدَ اللَّهِ وَمَـا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ".
وعن سلمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع يقول: ”ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون".وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».وعن جابر بن عبد الله قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» وقال: هم سواء.وقال رسول الله صلى كالله عليه وسلم: "ما ظهر الزنى والربا في قرية إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله".

حيث لا جزاء في نظر الإسلام إلا على الجهد المبذول وليس على المال المحمول أو المنقول. وبما أن رأس المال في ذاته ليس جهداً فهو لا يربح بذاته، إنما طريقة الربح الوحيدة هي العمل، فلا يجوز إذن أن يكون وجود المال عند صاحبه وسيلة لزيادة المال بإضافة فائدة إليه عند اقتراضه.فالدائن عندما يقرض سواه يعني أن لديه فضل مال هو غني به في الغالب ومستغن عنه أيضا بينما الدين فقير إلى هذا الدين وفي حاجة له وفي رد الفقير للغني مالا فوق المال الذي استدانه يعني تمكين للغني من أن يستولي على مال الفقير مستغلا حاجته وهو ما لا يمكن أن يجيزه دين الرحمة. كما ينتج عن التعامل بالربا انقطاع المعروف والإحسان الذي في القرض، إذ لو حل درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله.
فالمال لا يلد المال بذاته، والنقود لا تلد نقودًا . إنما ينمو المال بالعمل وبذل الجهد، والإسلام لا يحرم على الناس أن يملكوا المال، ويستكثروا منه، مادام يؤخذ من حله، وينفق في حقه، ولم يقل الإسلام ما قاله الإنجيل: لا يدخل الغني ملكوت السماوات حتى يدخل الجمل في سم الخياط . بل قال: (نعم المال الصالح للمرء الصالح) . والمال الصالح هو الذي يكتسب من حلال، وينمى بالحلال . أي بالعمل النافع المشروع، إما بنفسه أو بمشاركة غيره . وبهذا شرع الإسلام تعاون رأس المال والعمل لمصلحة الطرفين ومصلحة المجتمع أيضًا . ومقتضى هذه المشاركة أن يتحمل الطرفان النتيجة، أيًا كانت، ربحًا أو خسارة . فإن كان الربح كثيرًا كان بينهما على ما اتفق عليه، وإن قل الربح قل نصيبهما معًا بنفس النسبة، وإن كانت الخسارة أصابت كلاً منهما: رب المال في ماله، والعامل في جهده وتعبه . هذا هو العدل الكامل: الغرم بالغنم، والخراج بالضمان.

و هذا المبدأ الأساسي في الإسلام يحول دون تضاعف المال بذاته كما يقع في النظام الرأسمالي، ويحول دون تضخم الثروات على حساب حاجة الأفراد واضطرارهم للاستدانة بالربا..كما يمنع سبباً رئيسياً من أسباب الاستعمار والحروب الدولية، ويعطي العمل قيمة في مجال الإنتاج، ويحقق العدالة بين الجهد الحقيقي والجزاء على الجهد، ويمنع أن ينال القاعدون الكسالى جزاء ما لا يستحقـونه،وهـم ينالـونه فـي النظـام الرأسمـالي بمجـرد توظيــف أموالهم في المصارف وغيرها. فيضمنـون الربـح الحـرام وهم قابعون، وتتضاعف ثرواتهم وتتضخم وتخل بالتوازن الاقتصادي والاجتماعي معاً.

ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في الظلال شارحا ما جاء في سورة البقرة من أيات تحريم الربا :النظام الإقتصادي الإسلامي مقابل النظام الربوي الوجه الآخر المقابل للصدقة الوجه الكالح الطالح هو الربا الصدقة عطاء وسماحة وطهارة وزكاة وتعاون وتكافل والربا شح وقذارة ودنس وأثرة وفردية والصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لعمله هو وكده ومن لحمه إن كان لم يربح أو خسر أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئا ومن ثم فهو الربا الوجه الآخر المقابل للصدقة الوجه الكالح الطالح لهذا عرضه السياق مباشرة بعد عرض الوجه الطيب السمح الطاهر الجميل الودود عرضه عرضا منفرا يكشف عما في عملية الربا من قبح وشناعة ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع وفساد في الأرض وهلاك للعباد ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا في هذه الآيات وفي غيرها في مواضع أخرى ولله الحكمة البالغة فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره ولكن الجوانب الشائهة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية أشد مما كانت متكشفة في الجاهلية الأولى ويدرك من يريد أن يتدبر حكمة الله وعظمة هذا الدين وكمال هذا المنهج ودقة هذا النظام يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة وامامه اليوم من واقع العالم ما يصدق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتوكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها وتتلقى حقا حربا من الله تصب عليها النقمة والعذاب أفرادا وجماعات وأمما وشعوبا وهي لا تعتبر ولا تفيق وحينما كان السياق يعرض في الدرس السابق دستور الصدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد الله للمجتمع المسلم أن يقوم عليه ويحب للبشرية أن تستمتع بما فيه من رحمة في مقابل ذلك النظام الآخر الذي يقوم على الأساس الربوي الشرير القاسي اللئيم أنهما نظامان متقابلان النظام الإسلامي والنظام الربوي وهما لا يلتقيان في تصور ولا يتفقان في أساس ; ولا يتوافقان في نتيجة إن كلا منهما يقوم على تصور للحياة والأهداف والغايات يناقض الآخر تمام المناقضة وينتهي إلى ثمرة في حياة الناس تختلف عن الأخرى كل الاختلاف ومن ثم كانت هذه الحملة المفزعة وكان هذا التهديد الرعيب إن الإسلام يقيم نظامه الاقتصادي ونظام الحياة كلها على تصور معين يمثل الحق الواقع في هذا الوجود يقيمه على أساس أن الله سبحانه هو خالق هذا الكون فهو خالق هذه الأرض وهو خالق هذا الإنسان هو الذي وهب كل موجود وجوده وإن الله سبحانه وهو مالك كل موجود بما أنه هو موجده قد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض ; ومكنه مما ادخر له فيها من أرزاق وأقوات ومن قوى وطاقات على عهد منه وشرط ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى يصنع فيه ما يشاء كيف شاء وإنما استخلفه فيه في إطار من الحدود الواضحة استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وفق منهج الله وحسب شريعته فما وقع منه من عقود وأعمال ومعاملات وأخلاق وعبادات وفق التعاقد فهو صحيح نافذ وما وقع منه مخالفا لشروط التعاقد فهو باطل موقوف فإذا انفذه قوة وقسرا فهو إذن ظلم واعتداء لا يقره الله ولا يقره المؤمنون بالله فالحاكمية في الأرض كما هي في الكون كله لله وحده والناس حاكمهم ومحكومهم إنما يستمدون سلطاتهم من تنفيذهم لشريعة الله ومنهجه وليس لهم في جملتهم أن يخرجوا عنها لأنهم إنما هم وكلاء مستخلفون في الأرض بشرط وعهد وليسوا ملاكا خالقين لما في أيديهم من أرزاق من بين بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين بالله فيكون بعضهم أولياء بعض وأن ينتفعوا برزق الله الذي أعطاهم على أساس هذا التكافل لا على قاعدة الشيوع المطلق كما تقول الماركسية ولكن على أساس الملكية الفردية المقيدة فمن وهبه الله منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه مع تكليف الجميع بالعمل كل حسب طاقته واستعداده وفيما يسره الله له فلا يكون أحدهم كلا على أخيه أو على الجماعة وهو قادر كما بينا ذلك من قبل وجعل الزكاة فريضة في المال محددة والصدقة تطوعا غير محدد وقد شرط عليهم كذلك أن يلتزموا جانب القصد والاعتدال ويتجنبوا السرف والشطط فيما ينفقون من رزق الله الذي أعطاهم ; وفيما يستمتعون به من الطيبات التي أحلها لهم ومن ثم تظل حاجتهم الاستهلاكية للمال والطيبات محدودة بحدود الاعتدال وتظل فضلة من الرزق معرضة لفريضة الزكاة وتطوع الصدقة وبخاصة أن المؤمن مطالب بتثمير ماله وتكثيره وشرط عليهم أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين ولا يكون من جرائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد ودوران المال في الأيدي على أوسع نطاق كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وكتب عليهم الطهارة في النية والعمل والنظافة في الوسيلة والغاية وفرض عليهم قيودا في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلا تؤذي ضمير الفرد وخلقه أو تؤذي حياة الجماعة وكيانها وأقام هذا كله على أساس التصور الممثل لحقيقة الواقع في هذا الوجود ; وعلى أساس عهد الاستخلاف الذي يحكم كل تصرفات الإنسان المستخلف في هذا الملك العريض ومن ثم فالربا عملية تصطدم ابتداء مع قواعد التصور الإيماني إطلاقا ; ونظام يقوم على تصور آخر تصور لا نظر فيه لله سبحانه وتعالى ومن ثم لا رعاية فيه للمباديء والغايات والأخلاق التي يريد الله للبشر أن تقوم حياتهم عليها إنه يقوم ابتداء على أساس أن لا علاقة بين إرادة الله وحياة البشر فالإنسان هو سيد هذه الأرض ابتداء ; وهو غير مقيد بعهد من الله ; وغير ملزم باتباع أوامر الله ثم إن الفرد حر في وسائل حصوله على المال وفي طرق تنميته كما هو حر في التمتع به غير ملتزم في شيء من هذا بعهد من الله أو شرط ; وغير مقيد كذلك بمصلحة الآخرين ومن ثم فلا اعتبار لأن يتأذى الملايين إذا هو أضاف إلى خزانته ورصيده ما يستطيع إضافته وقد تتدخل القوانين الوضعية أحيانا في الحد من حريته هذه جزئيا في تحديد سعر الفائدة مثلا ; وفي منع أنواع من الاحتيال والنصب والغصب والنهب والغش والضرر ولكن هذا التدخل يعود إلى ما يتواضع عليه الناس أنفسهم وما تقودهم إليه أهواؤهم ; لا إلى مبدأ ثابت مفروض من سلطة إلهية كذلك يقوم على أساس تصور خاطىء فاسد هو أن غاية الغايات للوجود الإنساني هي تحصيله للمال بأية وسيلة واستمتاعه به على النحو الذي يهوى ومن ثم يتكالب على جمع المال وعلى المتاع به ; ويدوس في الطريق كل مبدأ وكل صالح للآخرين ثم ينشىء في النهاية نظاما يسحق البشرية سحقا ويشقيها في حياتها أفرادا وجماعات ودولا وشعوبا لمصلحة حفنة من المرابين ; ويحطها أخلاقيا ونفسيا وعصبيا ; ويحدث الخلل في دورة المال ونمو الاقتصاد البشري نموا سويا وينتهي كما انتهى في العصر الحديث إلى تركيز السلطة الحقيقية والنفوذ العملي على البشرية كلها في أيدي زمرة من أحط خلق الله وأشدهم شرا ; وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلا ولا ذمة ولا يراقبون فيها عهدا ولا حرمة وهؤلاء هم الذين يداينون الناس أفرادا كما يداينون الحكومات والشعوب في داخل بلادهم وفي خارجها وترجع إليهم الحصيلة الحقيقية لجهد البشرية كلها وكد الآدميين وعرقهم ودمائهم في صورة فوائد ربوية لم يبذلوا هم فيها جهدا وهم لا يملكون المال وحده إنما يملكون النفوذ ولما لم تكن لهم مبادىء ولا أخلاق ولا تصور ديني أو أخلاقي على الإطلاق ; بل لما كانوا يسخرون من حكاية الأديان والأخلاق والمثل والمبادىء ; فإنهم بطبيعة الحال يستخدمون هذا النفوذ الهائل الذي يملكونه في إنشاء الأوضاع والأفكار والمشروعات التي تمكنهم من زيادة الاستغلال ولا تقف في طريق جشعهم وخسة أهدافهم وأقرب الوسائل هي تحطيم أخلاق البشرية وإسقاطها في مستنقع آسن من اللذائذ والشهوات التي يدفع فيها الكثيرون آخر فلس يملكونه حيث تسقط الفلوس في المصائد والشباك المنصوبة وذلك مع التحكم في جريان الاقتصاد العالمي وفق مصالحهم المحدودة مهما أدى هذا إلى الأزمات الدورية المعروفة في عالم الاقتصاد ; وإلى انحراف الإنتاج الصناعي والاقتصادي كله عما فيه مصلحة المجموعة البشرية إلى مصلحة المملوين المرابين الذين تتجمع في أيديهم خيوط الثروة العالمية والكارثة التي تمت في العصر الحديث ولم تكن بهذه الصورة البشعة في الجاهلية هي أن هؤلاء المرابين الذين كانوا يتمثلون في الزمن الماضي في صورة أفراد أو بيوت مالية كما يتمثلون الآن في صورة مؤسسي المصارف العصرية قد استطاعوا بما لديهم من سلطة هائلة مخيفة داخل أجهزة الحكم العالمية وخارجها وبما يملكون من وسائل التوجيه والإعلام في الأرض كلها سواء في ذلك الصحف والكتب والجامعات والأساتذة ومحطات الإرسال ودور السينما وغيرها أن ينشئوا عقلية عامة بين جماهير البشر المساكين الذين يأكل أولئك المرابون عظامهم ولحومهم ويشربون عرقهم ودماءهم في ظل النظام الربوي هذه العقلية العامة خاضعة للإيحاء الخبيث المسموم بأن الربا هو النظام الطبيعي المعقول والأساس الصحيح الذي لا أساس غيره للنمو الاقتصادي ; وأنه من بركات هذا النظام وحسناته كان هذا التقدم الحضاري في الغرب وأن الذين يريدون إبطاله جماعة من الخياليين غير العمليين وأنهم إنما يعتمدون في نظرتهم هذه على مجرد نظريات أخلاقية ومثل خيالية لا رصيد لها من الواقع ; وهي كفيلة بإفساد النظام الاقتصادي كله لو سمح لها أن تتدخل فيه حتى ليتعرض الذين ينتقدون النظام الربوي من هذا الجانب للسخرية من البشر الذين هم في حقيقة الأمر ضحايا بائسة لهذا النظام ذاته ضحايا شأنهم شأن الاقتصاد العالمي نفسه الذي تضطره عصابات المرابين العالمية لأن يجري جريانا غير طبيعي ولا سوي ويتعرض للهزات الدورية المنظمة وينحرف عن أن يكون نافعا للبشرية كلها إلى أن يكون وقفا على حفنة من الذئاب قليلة إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم ; وهم قد نشأوا في ظله وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة الذين يعيبون هذا النظام من الناحية الاقتصادية البحتة دكتور شاخت الألماني ومدير بنك الرايخ الألماني سابقا وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام أنه بعملية رياضية غير متناهية يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين ذلك أن الدائن المرابي يربح دائما في كل عملية ; بينما المدين معرض للربح والخسارة ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد بالحساب الرياضي أن يصير إلى الذي يربح دائما وأن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل فإن معظم مال الأرض الآن يملكه ملكا حقيقيا بضعة الوف أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك والعمال وغيرهم فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف وليس هذا وحده هو كل ما للربا من جريرة فإن قيام النظام الاقتصادي على الأساس الربوي يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال وبين العاملين في التجارة والصناعة علاقة مقامرة ومشاكسة مستمرة فإن المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة ; ويظل يرفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة والصناعة أنه لا فائدة لهم من استخدام هذا المال لأنه لا يدر عليهم ما يوفون به الفائدة ويفضل لهم منه شيء عندئذ ينكمش حجم المال المستخدم في هذه المجالات التي تشتغل فيها الملايين ; وتضيق المصانع دائرة انتاجها ويتعطل العمال فتقل القدرة على الشراء وعندما
يصل الأمر إلى هذا الحد ويجد المرابون أن الطلب على المال قد نقص أو توقف يعودون إلى خفض سعر الفائدة اضطرارا فيقبل عليه العاملون في الصناعة والتجارة من جديد وتعود دورة الحياة إلى الرخاء وهكذا دواليك تقع الأزمات الاقتصادية الدورية العالمية ويظل البشر هكذا يدورون فيها كالسائمة ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية أما الديون التي تقترضها الحكومات من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات والمشروعات العمرانية فإن رعاياها هم الذين يؤدون فائدتها للبيوت الربوية كذلك إذ أن هذه الحكومات تضطر إلى زيادة الضرائب المختلفة لتسدد منها هذه الديون وفوائدها وبذلك يشترك كل فرد في دفع هذه الجزية للمرابين في نهاية المطاف وقلما ينتهي الأمر عند هذا الحد ولا يكون الاستعمار هو نهاية الديون ثم تكون الحروب بسبب الاستعمار ونحن هنا في ظلال القرآن لا نستقصي كل عيوب النظام الربوي فهذا مجاله بحث مستقل فنكتفي

بهذا القدر لنخلص منه إلى تنبيه من يريدون أن يكونوا مسلمين إلى جملة حقائق أساسية بصدد كراهية الإسلام للنظام الربوي المقيت الحقيقة الأولى التي يجب أن تكون مستيقنة في نفوسهم أنه لا إسلام مع قيام نظام ربوي في مكان وكل ما يمكن أن يقوله أصحاب الفتاوي من رجال الدين أو غيرهم سوى هذا دجل وخداع فأساس التصور الإسلامي كما بينا يصطدم اصطداما مباشرا بالنظام الربوي ونتائجه العملية في حياة الناس وتصوراتهم وأخلاقهم والحقيقة الثانية أن النظام الربوي بلاء على الإنسانية لا في إيمانها وأخلاقها وتصورها للحياة فحسب بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية وأنه أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقا ويعطل نموها الإنساني المتوازن على الرغم من الطلاء الظاهري الخداع الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنمو الاقتصادي العام والحقيقة الثالثة أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مترابطان تماما وأن الإنسان في كل تصرفاته مرتبط بعهد الاستخلاف وشرطه وأنه مختبر ومبتلى وممتحن في كل نشاط يقوم به في حياته ومحاسب عليه في آخرته فليس هناك نظام أخلاقي وحده ونظام عملي وحده وإنما هما معا يؤلفان نشاط الإنسان وكلاهما عبادة يؤجر عليها إن أحسن وإثم يؤاخذ عليه إن أساء وأن الاقتصاد الإسلامي الناجح لا يقوم بغير أخلاق وأن الأخلاق ليست نافذة يمكن الاستغناء عنها ثم تنجح حياة الناس العملية والحقيقة الرابعة أن التعامل الربوي لا يمكن إلا أن يفسد ضمير الفرد وخلقه وشعوره تجاه أخيه في الجماعة ; وإلا أن يفسد حياة الجماعة البشرية وتضامنها بما يبثه من روح الشره والطمع والأثرة والمخاتلة والمقامرة بصفة عامة أما في العصر الحديث فإنه يعد الدافع الأول لتوجيه رأس المال إلى أحط وجوه الاستثمار كي يستطيع رأس المال المستدان بالربا أن يربح ربحا مضمونا فيؤدي الفائدة الربوية ويفضل منه شيء للمستدين ومن ثم فهو الدافع المباشر لاستثمار المال في الأفلام القذرة والصحافة القذرة والمراقص والملاهي والرقيق الأبيض وسائر الحرف والاتجاهات التي تحطم أخلاق البشرية تحطيما والمال المستدان بالربا ليس همه أن ينشىء أنفع المشروعات للبشرية ; بل همه أن ينشىء أكثرها ربحا ولو كان الربح أتما يجيء من استثارة أحط الغرائز وأقذر الميول وهذا هو المشاهد اليوم في أنحاء الأرض وسببه الأول هو التعامل الربوي والحقيقة الخامسة أن الإسلام نظام متكامل فهو حين يحرم التعامل الربوي يقيم نظمه كلها على أساس الاستغناء عن الحاجة إليه ; ونظم جوانب الحياة الاجتماعية بحيث تنتفي منها الحاجة إلى هذا النوع من التعامل بدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطرد والحقيقة السادسة أن الإسلام حين يتاح له أن ينظم الحياة وفق تصوره ومنهجه الخاص لن يحتاج عند إلغاء التعامل الربوي إلى إلغاء المؤسسات والأجهزة اللازمة لنمو الحياة الاقتصادية العصرية نموها الطبيعي السليم ولكنه فقط سيطهرها من لوثة الربا ودنسه ثم يتركها تعمل وفق قواعد أخرى سليمة وفي أول هذه المؤسسات والأجهزة المصارف والشركات وما إليها من مؤسسات الاقتصاد الحديث والحقيقة السابعة وهي الأهم ضرورة اعتقاد من يريد أن يكون مسلما بأن هناك استحالة اعتقادية

في أن يحرم الله أمرا لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه كما أن هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيث ويكون في الوقت ذاته حتميا لقيام الحياة وتقدمها فالله سبحانه هو خالق هذه الحياة وهو مستخلف الإنسان فيها ; وهو الأمر بتنميتها وترقيتها ; وهو المريد لهذا كله الموفق إليه فهناك استحالة إذن في تصور المسلم أن يكون فيما حرمه الله شيء لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه وأن يكون هناك شيء خبيث هو حتمي لقيام الحياة ورقيها وإنما هو سوء التصور وسوء الفهم والدعاية المسمومة الخبيثة الطاغية التي دأبت أجيالا على بث فكرة أن الربا ضرورة للنمو الاقتصادي والعمراني وأن النظام الربوي هو النظام الطبيعي وبث هذا التصور الخادع في مناهل الثقافة العامة ومنابع المعرفة الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها ثم قيام الحياة الحديثة على هذا الأساس فعلا بسعي بيوت المال والمرابين وصعوبة تصور قيامها على أساس آخر وهي صعوبة تنشأ أولا من عدم الإيمان كما تنشأ ثانيا من ضعف التفكير وعجزه عن التحرر من ذلك الوهم الذي اجتهد المرابون في بثه وتمكينه لما لهم من قدرة على التوجيه وملكية للنفوذ داخل الحكومات العالمية وملكية لأدوات الإعلام العامة والخاصة والحقيقة الثامنة إن استحالة قيام الاقتصاد العالمي اليوم وغدا على أساس غير الأساس الربوي ليست سوى خرافة أو هي أكذوبة ضخمة تعيش لأن الأجهزة التي يستخدمها أصحاب المصلحة في بقائها أجهزة ضخمة فعلا وأنه حين تصح النية وتعزم البشرية أو تعزم الأمة المسلمة أن تسترد حريتها من قبضة العصابات الربوية العالمية وتريد لنفسها الخير والسعادة والبركة مع نظافة الخلق وطهارة المجتمع فإن المجال مفتوح لإقامة النظام الآخر الرشيد الذي إراده الله للبشرية والذي طبق فعلا ونمت الحياة في ظله فعلا ; وما تزال قابلة للنمو تحت أشرافه وفي ظلاله لو عقل الناس ورشدوا وليس هناك مجال تفصيل القول في كيفيات التطبيق ووسائله فحسبنا هذه الإشارات المجملة وقد تبين أن شناعة العملية الربوية ليست ضرورة من ضرورات الحياة الاقتصادية ; وأن الإنسانية التي انحرفت عن النهج قديما حتى ردها الإسلام إليه ; هي الإنسانية التي تنحرف اليوم الانحراف ذاته ولا تفيء إلى النهج القويم الرحيم السليم فلننظر كيف كانت ثورة الإسلام على تلك الشناعة التي ذاقت منها البشرية ما لم تذق قط من بلاء .

ويمكننا القول بأن علة تحريم الربا في الشريعة الإسلامية تعتمد أساسا على توقع الدور السلبي في ممارسة الدور الوظيفي غير التقليدي للنقود في النشاط التجاري الناتج من عملية المتاجرة في النقود ، وتمثل عملية المتاجرة بالنقد بالنشاط الربوي .فبموجب هذه المتاجرة يحصل التحول في وظيفة النقود في النشاط التجاري من دورها الوظيفي الطبيعي الى دور وظيفي غير تقليدي وتظهر على اثرها السلبيات والاضرار المتمثلة في تعطيل قانون العرض والطلب للسلع والخدمات في السوق حيث الدور التقليدي للنقود هو تحقيق عملية التقابل بين العرض والطلب في السوق اي تسهيل انجاز عملية البيع أي عرض السلعة من المنتجات و انتقال ملكية السلعة او الخدمة موضوع التعاقد لا تتم الا بعد تسديد ثمنها ( نقدا او عن طريق الائتمان ) ، فدور النقود يتمثل بكونها الوسيلة التي يستطيع بموجبها الطرفان من براءة ذمتهما اتجاه الطرف الاخر وانتقال الملكية بينهما ، فالعملية التجارية لايمكن ان تتم لولا الوظيفة التي توفرها النقود .

ذوحصول اي زيادة او نقصان بين احد الطرفين ( العرض او الطلب ) ينتج عنها حصول خلل في العمليات التجارية ، يتطلب معالجته باعادة التوازن بينهما لكي يتواصل التعامل الصحي في السوق.والبائع يحتاج للنقود لتنفيذ عملية شراء لاحقة وأي تعطيل لهذه العملية يعطل العمليات التالية.و حجب اي جزء من الاموال النقدية في فترة زمنية معينة يعني تعطيل جزء من العرض او الطلب حسب موقع العملية ، يعقب هذا التعطيل الجزئي حصول تعطيل مضاعف لعمليات تجارية كبيرة لاحقة .فبموجب هذا الحجب في احد طرفي العملية التجارية ( البيع او الشراء ) اوفي كليهما وما يعقبه من تأثير لعملية الحجب المضاعف يحصل الخلل في الدورة الاقتصادية في المجتمع .لان المال بكل انواعه يمثل العنصر الاساسي بالاشتراك مع العناصر الانتاجية الاخرى في نشوء وتحريك النشاط التجاري وتوازن الدورة الاقتصادية في المجتمع .وعندما يتجمع ويتراكم المال عند المرابين كان ذلك بمثابةحجب جزئي لهذا المال عن السوق قضلا عن أن هذا التراكم لديهم بمكنهم من التحكم في مقدار حجم النقد المتواجد في السوق لاغراض التداول لانجاز العمليات التجارية الجارية متي شاؤوا ، وفق مصالحها الذاتية الخاصة بها ، ولا يهمها عند قيامها بهذه الممارسة بتعطيل مصالح المجتمع الاساسية مما يجعل الخلل يتغلغل في كامل النشاط الاقتصادي في الدولة ، وقد يتوسع ليشمل منطقة اقليمية مرتبطة معها اقتصاديا ، او يتوسع ليشمل تاثيره الاقتصاد العالمي .وهذا ما حدث مؤخرا فعلا في ماعرف بالأزمة المالية التي ظهرت في الولايات المتحدة نتيجة القروض الربوية العقارية وانتشرت تداعياتها السلبية في أوروبا والعديد من جول العالم.

ولا يوجد ما يبرراجرة المال النقدي ( الفائدة ) من الناحية النظرية لان انتفاع المقترض في المال النقدي الذي استخدمه لا يتعرض الى الانتقاص ، ولا يؤدي استخدامه الى استهلاك اي جزء منه لان المال النقدي سوف يرجع الى صاحبه كما هو بدون نقص او زيادة ، لذلك لا يحق لصاحب المال النقدي اخذ بدل ايجار عنه لانه سوف يسترجع ماله كما هو بدون استهلاك . يضاف الي ذلك فقدان صاحب المال النقدي الفرصة الاستثمارية نتيجة تنازله عن هذه الفرصة الاستثمارية وتحويلها الى المقترض ، لان المال النقدي والعيني يمثل احد عناصر الانتاج الاساسية .
ومن الناحية الأخلاقية ،كما يرافق النشاط الربوي في الغالب جملة من الممارسات والعمليات المخلة بمفاهيم القيم المعنوية للمجتمع ، يؤثر الانحرافات في هذه القيم على مسيرة عمل النشاط التجاري واجاز عملياته بشكل سليم ، يمثل هذا الانحراف سلوكيات التجار باستخدام الاحتكار والغش والتدليس والبخل والجشع ... وغيرها .بما يتفق مع ا الدافع المادي في النظام الراسمالي الربوي يمثل المحرك الاساسي للانشطة ، ويعتبرالغاية والهدف الاساسي للافراد عند ممارسة نشاطهم الاقتصادي ، وبموجبه يتم صياغة المفاهيم والقيم الاجتماعية والسلوكيات الاخلاقية السائدة في المجتمع .
ولذلك يلاحط أنه غالبا ما تجتمع لدى الجهات المرابية القوة المالية والحماية القانونية والاجتماعية التي تمكنها من ممارسة انشطتها بفعالية عالية وليمتد تاثيرها مختلف الانشطة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في البلد . بل تعتبر هي المسيرة الفعلية للسياسات المحلية والخارجية في بعض الدول الرأسمالية الغربية بسبب ما منحه المال لها من نقوذ كبير وقوة مؤثرة.

نظام الوقف:
الوقف لغة يدل على الحبس والمنع يقال: وقف فلان داره على كذا: إذا حبسها ويجمع على وقوف.. عرف الفقهاء الوقف بأنه: (إعطاء عين لمن يستوفي منافعها والانتفاع بها، أو الانتفاع بها فقط على وجه التأبيد، وقد يكون على وجه التوقيت). كما عرفه ابن عرفة المالكي بأنه "إعطاء منفعة شيء مدة وجوده، لازما بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرا".
فقوام الوقف إذن : هو منع التصرف في رقبة العين التي يدوم الانتفاع بها ، فلا يجوز بعد وقفها وجعلها على حكم ملك الله تعالى أن تباع ، أو ترهن ، أو توهب ،أو تورث ، أما منفعتها فتصرف على وجوه الخير والمنفعة العامة تبعا للشروط التي يحددها الواقف بمعنى أن الوقف تعطى منفعته لا أصله..
ويستدل على مشروعية الوقف بأيات القرأن الكريم التي تحث على عمل الخير وإعطاء الصدقات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل كقوله تعالى: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون".، وقوله تعالى: " وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون".وقوله عز وجل " وما تفعلوا من خير، فلن تكفروه"،وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة" وقوله عز وجل: "لن تناولوا البر حتى تنفقوا مما تحبون". كما قال تعالى في موضع آخر:"وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون".ويعد الوقف صدقة جارية يستمر ثوابها بالنسبة للواقف بعد انتهاء حياته.وقال صلى الله عليه وسلم :"إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" .
كما أخرج ابن ماجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن مما يخلف المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما نشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لأبناء السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته".
أول صدقة موقوفة في الإسلام، كانت أراضي مخيريق اليهودي التي أوصى بها للنبي صلى الله عليه وسلم فأوقفها النبي .
روي عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "من احتبس فرساً في سبيل الله، إيمانا واحتسابا، فإن شبعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات"
ومما أخرجه البخاري "عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمرا أصاب بخيبر أرضا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء والقربى والرقاب، وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول فيه"
و روي عن جعفر بن محمد عن أبيه: " أن علي بن أبي طالب، قطع له عمر بن الخطاب ينبع ثم اشترى علي إلى قطيعة عمر أشياء، فحفر فيها عينا، فبينما هم يعملون، إذ تفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء، فأتى علي وبشر بذلك، قال: بشر الوارث، ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السبيل، القريب والبعيد، وفي السلم، وفي الحرب، ليوم تبيض وجوه، وتسود وجوه، ليصرف الله بها وجهي عن النار، ويصرف النار عن وجهي "أخرجه البيهقي.
وروي عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أنه قال: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أمر بالمسجد، وقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى" .

والوقف يعني إبقاء عين الأرض محبوسة على الجهة الخيرية المخصصة لها إلى قيام الساعة من دون أن يمسها أي تصرف، وبهذا نرى الإسلام وافق على حبس أصل الأرض، أمـا غلتها وثمارها فإنهـا تُبذل للمستحقين وفي مختلف وجوه البر الموجودة أو التي ستوجد.

نظام الوراثة:
ومنها أيضاً نظام (الوراثة)، الذي يعني في الإسلام تفتيت الملكية. وقد رأى حزب العمال الإنكليزي في برنـامجه الاشتراكي أن يتجه بالمواريث هذه الوجهة الإسلامية العادلة بدل أن تبقى الأموال عندهم من نصيب الابن الأكبر وحده.

فريضة الزكاة:
الزكاة هي أحد أركان الإسلام الخمسة وهي الركن الثالث بعد الشهادتين والصلاة وهي فريضة واجبة بالكتاب والسنة والإِجماع فَمُنْكِرُ وُجُوبِها كافرٌ مُرْتَدُّ عن الإِسلام.وهي واجبة على كل مسلم وتدفع سنويا وتتعدد مواردها ومحددة مصارفها ولها أهمية كبرى في تحفيز الافتصاد وفي أعادة توزيع الثروة وتحفيق التكافل الاجتماعي.
ويوجبها قول الله تعالى:" وأقيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ" (النور :56) ولقوله تعالى: " خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيْهِمْ بِهَا" (التوبة :103) ولقوله تعالى: " وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادهِا " (الأنعام :141) وقوله تعالى: " وَالَّذِينَ فِي أمْوَالِهِمْ حَقٌ مَعْلومٌ لِلسَّائِل و اْلمَحْرُومِ " (المعارج 24- 25).
ويعزز وجوبها ما جاء في شأنها في السنةالمطهرة حيث روى ابن عباس رضي اللّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن اللّه عز وجل افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم.. ". وجاء في صحيح مسلم عن رسول الله قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " .
وقد جعل الإسلام فريضة الزكاة حقاً مقدساً في أموال الموسرين يدفعونها للفقراء والمحتاجين لا كصدقة تذل كرامة الفقير وتطعن كبرياءه، بل كحق له مفروض ونصيب له معلوم. ولهذا كانت فريضة الزكاة في الإسلام ركيزة اجتماعية ضخمة للمجتمع الإسلامي بغية إقامة التوازن الاقتصادي بين جماهير الشعب.
و الإسلام، وإن التقى ـ في بعض الجوانب ـ مع الرأسمالية أو الماركسية، مع الديمقراطية أو الاشتراكية، أو سوى ذلك من النظم العالمية والنظريات السائدة في زماننا، فإنه يظل غيرها، ولا يجوز أن نصفه بها أو ننسبه إليها.وتعد العدالة الاجتماعية من أهم مكونات و أساسيات العدل في الإسلام. و أوضح الأستاذ سيد قطب في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” أن هناك ثلاثة ركائز تقوم عليها العدالة الاجتماعية في الإسلام. هذه الركائز هي التحرر الوجداني المطلق و المساواة الإنسانية الكاملة و التكافل الاجتماعي الوثيق حيث أن كل عنصر مبني على الآخر. و يعني بالتحرر الوجداني هو التحرر النفسي من الخضوع و عبادة غير الله لأن الله وحده هو القادر على نفع أو ضرر الإنسان. فهو وحده الذي يحييه و يرزقه و يميته دون وجود وسيط أو شفيع حتى لو كان نبي من الأنبياء. فلقد قال الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قل إني لا أملك لكم ضرا و لا رشدا" ( الجن: 21) كما قال: "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" ( آل عمران:64). و الهدف من التحرر النفسي من الخضوع لغير الله هو التخلص من الخوف و التذلل لغير الله لنيل رزق أو مكانة أو أي نوع من أنواع النفع عن يقين أن الله وحده هو الرزاق.
و لقد جاء الإسلام ليساوي بين جميع البشر في المنشأ و المصير. فلقد قال الله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء" (سورة النساء، آية 1) و قال: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (الحجرات: 13). كما قال: "و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" ( الإسراء:70). فالكرامة مكفولة لكل إنسان و الفرق بين الناس عند الله هي درجة تقواهم و ليس جنسهم أو لونهم.

وقد تحددت مصارف الزكاة بالآاية الكريمة في سورة التوبة حيث يقول الله تعالي:"إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"(التوبة:60), وتأتي موارد الزكاة من أنواع الأنشطة الاقتصادية المختلفة مثل: النقود(الذهب والفضة والعملات)والحلي وما في حكمهما وعروض التجارة والصناعة والزروع والثمار والأنعام والثروة لحيوانية والثروة المعدنية والمستغلات والأنشطة الأخرى المدرة للدخل.
وذهب الفقهاء الي القول بأنه موارد الزكاة تفسم بالتساوي على المصارف الثمانية وأرى أنها تقسم حسب الأولوية والترتيب الموجود في الآية على النحو التالي:
.بحيث تقسم الى 36 جزء توزع على النحو التالي:
-لِلْفُقَرَاء 8أجزاء ويمكن من هذا المصرف دفع قروض بدون فوائد لهم تساعدهم على أقامة مشروعات مدرة للدخل .
- ولْمَسَاكِينِ 7أجزاء ويمكن من هذا المصرف دفع قروض بدون فوائد لهم تساعدهم على أقامة مشروعات مدرة للدخل .
-الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا 6أجزاء وهي حصة مخصصة لرواتب الجهاز الإداري القائم على جمعها وتوزيعها
-الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم 5أجزاء ويمكن أن تخصص لتقديم خدمات اجتماعية مجانية.
-فِي الرِّقَابِ 4أجزاء ويمكن أن تسدد منه تعويضات مستحقة عمن لا يستطيع دفعها لتحريره منها,
-الْغَارِمِينَ 3أجزاء وتدفع للمدينين العاجزين عن دفع ديونهم
-فِي سَبِيلِ اللّهِ 2جزءان ويمكن تخصيصها للمنكوبين من الكوارث الطبيعية ولأقامة دور العبادة
_وَابْنِ السَّبِيلِ 1 جزء واحد وهي مخصصة للغرباء الذين انقطعت بهم السبل لاعادتهم الي بلادهم.

القضاء على الفقر:
هذا، وبالنسبة إلى ظاهرتي الغنى والفقر في الإسلام فإن القرآن الكريم لم يفته أن يعالجها على نحو سليـم وفعـال،فقـد قـدّم لتلك الظـاهرة علاجاً شافياً ينسجم مع كافة المتطلبات الإنسانية للمجتمع، ويشبعها، ويوفر لها أمنها وكفايتهـا في جو لا يسمح قط بأن تتدخل في شؤونها الجهات التي تسعى للهيمنة على المجتمعات الضعيفة أو استغلالها من قوى الاستعمار والامبريالية والصهيونية العالمية.
وليس أدل على ما أقول من أن الإسلام جعل الجماعة كفيلة للفرد من تاريخ ولادته إلى يوم مماته، وهذه الكفالة لا تقتصر على تأمين الغذاء وحـده لهذا الفرد، بل تتعداه إلى كفالته في جميع الحقوق الإنسانية، بل وجميع حرياته الشخصية والعقلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ونحوها.
صحيـح أن الإسـلام حَمَى الملكية الخـاصة، إلا أنه وضع من نـاحية أخرى ضوابط لهـا تكفل بقاء التوازن الاقتصادي قائماً بين سائر أفراد الأمة.وتسهم موارد الزكاة أيضا في الفضاء على الفقر.
ويمكن أن نستشف ذم الفقر من قوله تعالى: “لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا” (آل عمران:181).ثم تأتي الايات عديـدة للحث على مساعدة الفقراء والمساكين والإنفاق عليهم ومنها :
يقول تعالى: “يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين” (سورة البقرة:215)، وقوله :“وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون. للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض” (البقرة:272-273).وقوله “إنما الصدقات للفقراء والمساكين” ( التوبة:60)، وقوله:“فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير” ( الحج:28).
بل ويجعل الله الجوع وهو من لزوم الفقر كثيراً ما كان عقاباً من الله للإنسان جزاء إهماله وانحرافه. فيقول تعالى: “ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون"( الأعراف: 130)، “وضرب الله مثلا قرية كانت أَمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون"( النحل: 112).والنجـاة من الفقر والخلاص منه هو نعمة من الله وفضل منه ، يقول تعالى: “فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً. يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً” (نوح:10-11-12).
وفي ذم الفقر يقول صلى الله عليه وسلم: "كاد الفقر أن يكون كفراً” ، ويقول: صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل. وأعوذ بك من الفقر والكفر والفسوق وأعوذ بك من الصمم والبكم والحنون وسئ الأسقام" وبعض الروايات تذكر أن حواراً دار بين الرسول وبين الصحابة قائلين له لقد سويت بين الفقر والكفر أيتعادلان يا رسول الله؟ قال نعم.
ويقول أمير المؤمنين علي ابن إبي طالب رضي الله عنه : "الفقر الموت الأكبر" وقال لأبنه: "يا بني إني أخاف عليك الفقر فأستعذ بالله منه. فأن الفقر منفقة للدين، مدهشة للعقل داعية للمقت" ، ويروي عنه أنه قال: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته".

سد الذريعة:
من هذه الضوابط مبدأ (سدّ الذريعة)، ومعناه: أنه إذا كـان ثمة شيء مباحاً، وتجرُّ إباحته فساداً مؤكداً للمجتمـع جـاز منـع النـاس مـن هـذا المبـاح درءاً للمفسدة المؤكدة التي ستترتب عليه. مثال ذلك (التجـارة)،فهـي مباحة.. ولـكن التجـارة بالأسلحة مثلاً إذا كانت تعرض المجتمع لنوع من أنواع الخطر جـاز لولي الأمر منعها. وقراره حينئذ يعتبر قراراً من الشرع نفسه استناداً إلى القواعد العامة المقررة في كتب أصول الفقه.
كذلك (المبادلة بالنقد) هي من قبيل التجارة أيضاً، ومع ذلك فإن لولي الأمر أن يمنعها درءاً للمفسدة وتحقيقاً لمصلحة الأمة والجماعة.
وكذلك (مال الأغنياء)، فإنه يجوز لولي الأمر أن يأخذ منه ما تحتاجه الأمة بالغاً ما بلغ، لأن الجماعة فوق الفرد. ذكر (الشاطبي) في كتابه “الاعتصـام الجزء الثاني”، إنه: “ إذا قضت مصلحة عامة ضرورية للأمة بالحاجة إلى مال وليس في بيت مال المسلمين ما يقوم بهذه الحاجة، فإن للإمام العدل أن يرتب على الأغنياء ما يراه كافياً لذلك في الحال إلى أن يظهر مال في بيت المال”. وعلى هذا إجماع الأمة. وذلك استناداً إلى مبدأ (المصالح المرسلة)، يعني المصالح العامة التي تبيح تقييد الملكية الفردية وجعلها خاضعة لحاجات الدولة العامة (أي لحاجات الجماهير)، فضلاً عن أنها تحد من فورة الغنى ووطأة الفقر، وهي بالتالي عدل وكفاية وإنتاج ومشاركة وتعاون في مجالات التنمية. فالثراء الفاحش المستبد المتحكم في رقاب الناس والذي يقضي على تكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع الواحد، لا يبيحه الإسلام.
كما يوجد تعارض بين وجود الطبيعة بمواردها العديدة الكافية لإشباع كل حاجة، المهيأة للاستخدام وبين وجود الفقرإذ يعني هذا أن تلك الموارد معطلة مهملة، أو غير مؤدية لما خلقت من أجله وبذلك يكون خلقها عبثاً في تلك الحالة إذ لأي شيء خلقت والعبث غير منصور في أعمال الله عز وجل، يقول تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) (سورة الحجر/ 85) (أفحسبتم أَنما خلقناكم عبثاً) (سورة المؤمنون/ 115).
إن وجود الفقريتعارض مع توافر تلك الطيبات التي لا تقف عند حد إشباع الحاجة الضرورية فقط بل تزيد على التوسع والترفه، على حد تعبير الإمام الغزالي.

التصرف في المـــال:
المال في نظر الاشتراكية هو مُلك المجتمع، وهو في نظر الإسلام مُلك الله. فالنتيجة واحدة، لأن مال الله يعني مال المجتمع، مال المصلحة العامة، يتصرف به الفرد في حدود المصلحة العامة أولاً. فمصالحه الخاصة ثانياً. فإذا هو أساء التصرف بالبخل أو التبذير أو بأي لون من ألوان سوء الاستعمال يوجب الاسلام على الدولة مصادرة هذا المال، وإعادة توزيعه حسب المقتضيات والأحوال. ذلك لأن للمال أهميته في خدمة المجتمع، والإسلام حريص على عدم إضاعته عبثاً وسفهاً من مالك سيئ التصرف سيما وأن المال في الأصل مال الأمة يدل على ذلك قول الله: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ( يعني أموال الأمة) التي جعل الله لكـم قيـاماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً". فصريح هذه الآية يفيد أن الأموال لجماهير الأمة، الأفراد يستغلونها في مصلحة الأمة أولاً، ثـم في مصالحهم الشخصيـة لكونهم جزءاً من الأمة، بدليل قوله تعالى: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم". فاعتـبرت الآيـة القرآنية السفه ، أي سوء التصرف في الأموال،سبباً مشروعاً للحجر على صاحبه. لأن شـرط التصرف بالمال هو الرشد، حيث قال تعالى بعد ذلك مـباشرة:”حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم". من هذا يتأكد كون الأموال في الأساس للأمة، يتصرف بها الفرد في حالة الرشـد، بدليـل قولـه تعـالى: (فادفعوا إليهم أموالهم). كانت (أموالكم) في حالة السفه، وصارت (أموالهم) في حالة الرشد.

ومن هذه القبيل الأرض الميتة، فإنها في الأساس للأمة والفرد يستغلها في مصلحة الأمة. فإذا أهملها وتركها من غير زرع واستثمار جاز لولي الأمر نزعها وتسليمها إلى مَن يحسن إدارتها واستغلالها، بدليل الحديث الشريف: “لا حق لمتحجر فوق ثلاث”، بمعنى أن مَن بيده الأرض الميتة إذا تركها على هذه الحالة مدة ثلاث سنوات ينزعها الحاكم منه ويسلمها إلى غيره.

ويقاس على الأرض الميتة كل أرض يملكها الإنسان لأن ملكيته لها مقيدة باستغلالها لصالح الأمة، إذ الملكية الأصلية لله: “ لله ملك السموات والأرض” فإذا أهملها هذا الإنسان حتى تعطلت جاز نزعها منه وإعطاؤها إلى مَن يُحسن استثمارها.

وما دامت الأرض أرض الله (يعني أرض الجماعة وتستغل لمصلحة هذه الجماعة)، فليس ثمة ما يمنع من وضعها في أيدي القادرين على الإفادة منها لما يه مصلحتهم ومصلحة جميع إخوانهم إذا اقتضت حاجتهم ذلك، والأرض في هذه الحالة أي ما دامت أرض المجتمع تكون كالشمس تضيء الجميع لأنها للمجتمع وملك الجميع، لأنهـا ملك المجتمع. كما تغدو الأرض عند حاجة جميع أفراد المجتمع إليها بمثابة: “المـاء والكـلأ والنار” التي نصّ عليها الحديث النبوي الشريف، وفي رواية (والملح)، لحاجة جميع الناس إلى هذه الأشياء، حيث جعل الإسلام الناس فيها شركاء.

وجعـل النـاس كـل النـاس فـي هـذه الحاجـات الضـروريـة شركـاء، فـي نظـرالإسـلام،إنما كان بسبب الضرورة، فتلحق الأرض بها وتأخذ حكمها عند الضـرورة: "فالضرورة مجبرة"، "والضـرورات تبيح المحظورات".

ليس أدل على ذلك مما فعله رسول الله بالنخيل الذي كان يملكه سمرة بن جندب، فلقد أزال رسول الله (ص) ملكيتـه عنه عندمـا تحـقق من أنه يؤذي رجلاً من الأنصار، حيث قال للأنصاري:”اذهب واقلعه”
ومثَـل ذلك فعـل رسول الله بأرض البقيع، حيـن حمـاها ـ يعني صادرها ـ وجعلها مرعى لخيول المسلمين. الأمر الذي يتضح منه جواز نزع الملكية الخاصة لصالح الجماعة، لأن مصلحة الجماعة أولى بالاعتبار، أخذاً بقاعدة “المصالح المرسلة”. والأمثلة على ذلك كثيرة، نجتزئ منها:
1 ـ إن عمر بن الخطـاب صـادر أرضاً (بالربذة) وجعلها مرعى لعامة المسلمين وبخاصة الفقراء منهم. ومستنده الشرعي في هذا التصرف هو القاعدة الإسلامية التي تقول”يتحمل الضرر الأدنى دون الضرر الأعلى”. فحمي الأرض من فرد (أي اقتطاعها منه) يضر ـ ولا شك ـ بمصلحة ذلك الفرد، ولكنه أهون وأقل ضرراً من تعريض كافة المسلمين للضرر.
2 ـ ولعل من هذا القبيل، ما فعله عمر نفسه بأرض العراق، حين امتنع عن توزيعها على الفاتحين، للراجـل سهم وللفـارس سهمـان،حسبمـا هـو معــروف مـن أحكـام الشرع الإسلامي.وأبقاها بأيدي أصحابها يقومون بزراعتها، ويأخذون كفايتهم لمدة عام كامل من ريعها، ويدفعون الباقي إلى بيت مال المسلمين خراجاً للدولة كي تنفق منه على إنعاش مرافقها المختلفة. إضافة إلى احتفاظها لنفسها بملكية الرقبة. وقال للمجاهدين الغانمين الذين عارضوه وناقشوه في إبائه توزيع الأرض عليهم قولته المعروفة:”أنا إن قسمتها بينكم فماذا أبقي لمن سيأتي بعدكم؟”. وقد انعقد إجماع المسلمين على تأييد عمر في تصرفه الحكيم، لأنه رضي الله عنه أدرك بثاقب نظره قبل إصدار حكمه عدة أمور، منها:
أ ـ أن الفاتحين لا خبرة لهم بالزراعة، وبتوزيع الأرض عليهم يشح عطاؤها وتبور زراعتها التي تعيش عليها جماهير الأمة.
ب ـ تخوف عمر من أن يُتخـم المحـاربون بسبب ما يصيبونه من ثراء سريع، فتقل مقدرتهم على الجهاد.
ج ـ حرصـه علـى عـدم خلـق “طبقة برجوازية” ـ إذا صحّ التعبير ـ بين جمـاعة المسلمين ـ فيختل التوازن الاقتصادي وتتعرض الأمة بسبب ذلك للاضطرابات والهزات.
الإسلام والاشتراكية:

يقول الأستاذ مصطفي الرافعي: .أهداف الاشتراكية على اختلاف نظرياتها وفئاتها، بل وعند جميع القائلين بها، تكاد تتلخص بما يلي:
ـ أولاً: إزالة طبقة الرأسماليين ونفوذهم.
ـ ثانياً: شخصية الجماعة فوق شخصية الأفراد.
ـ ثالثاً: تغيير نظام الملكية الخاصة بنظام ملكية جماعية.
ـ رابعاً: رفع مستوى المعيشة من جميع وجوهها لأفراد الشعب كافة.
ـ خامساً: إزالة نظام الملكية الزراعية والقضاء على الإقطاع.
ـ سادساً: كفالة الفرص المتكافئة للجميع دون تمييز طبقي.
ـ سابعاً: هيمنة النظام المركزي على الإنتاج، وإدارته طبقاً لخطة مرسومة توفر الحرية والطمأنينة والرفاهية للجميع على السواء.

وقد وقف الناس في شرقنا العربي من الاشتراكية مواقف مختلفة:
فمنهـم مَـن تعـامى عن حسناتها كلها واعتبرها شراً محضاً، وهؤلاء هم الرأسماليون وأنصاف الرأسماليين.
ـ ومنهم مَن أرادها متطرفة جارفة حاقدة، بل شيوعية بكل الظلال العلمية للكلمة، وهؤلاء هم الذين لا يؤمنون بالاعتدال.
ـ ومنهم مَن تحزّب واعتبرها جوهر الدين الإسلامي، وأنه قبل (ماركس وإنجلز وهيغل ولينين وسان سيمون) وغيرهم من فلاسفة الاشتراكية كان الإسلام أباً للاشتراكية، وكان محمد بن عبدالله إمامها الأول.
ـ ومنهم مَن ذهب إلى العكس تماماً فاندفعوا يحاربونها باسم الدين ويناهضونها زاعمين، أنها تناقض جوهر الإسلام ولا تأتلف مع تعاليمه.
ونحن لا نريد أن نتعرض إلى مواقف أولئك الفرقـاء جميعاً، ومناقشة فلسفاتهم بشأن الاشـتراكية، فأدلتهم جميعاً معروفة لدى خواص الأمة، وهي مثبوتة في كتبهم ومؤلفاتهم.
ويقول في المقارنة بين الاشتراكية والاسلام:"المال في نظر الاشتراكية هو مُلك المجتمع، وهو في نظر الإسلام مُلك الله. فالنتيجة واحدة، لأن مال الله يعني مال المجتمع، مال المصلحة العامة، يتصرف به الفرد في حدود المصلحة العامة أولاً. فمصالحه الخاصة ثانياً. فإذا هو أساء التصرف بالبخل أو التبذير أو بأي لون من ألوان سوء الاستعمال يوجب الاسلام على الدولة مصادرة هذا المال، وإعادة توزيعه حسب المقتضيات والأحوال. ذلك لأن للمال أهميته في خدمة المجتمع، والإسلام حريص على عدم إضاعته عبثاً وسفهاً من مالك سيئ التصرف سيما وأن المال في الأصل مال الأمة يدل على ذلك قول الله: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ـ يعني أموال الأمة ـ التي ج عل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً”. فصريح هذه الآية يفيد أن الأموال لجماهير الأمة، الأفراد يستغلونها في مصلحة الأمة أولاً، ثم في مصالحهم الشخصية لكونهم جزءاً من الأمة، بدليل قوله تعالى: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم”. فاعتبرت الآية القرآنية السفه سبباً مشروعاً للحجر على صاحبه. لأن شرط التصرف بالمال هو الرشد، حيث قال تعالى بعد ذلك مباشرة: “حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم”. من هذا يتأكد كون الأموال في الأساس للأمة، يتصرف بها الفرد في حالة الرشد، بدليل قوله تعالى: “فادفعوا إليهم أموالهم”. كانت “أموالكم” في حالة السفه، وصارت “أموالهم” في حالة الرشد.
ومن هذه القبيل الأرض الميتة، فإنها في الأساس للأمة والفرد يستغلها في مصلحة الأمة. فإذا أهملها وتركها من غير زرع واستثمار جاز لولي الأمر نزعها وتسليمها إلى مَن يحسن إدارتها واستغلالها، بدليل الحديث الشريف: “لا حق لمتحجر فوق ثلاث”، بمعنى أن مَن بيده الأرض الميتة إذا تركها على هذه الحالة مدة ثلاث سنوات ينزعها الحاكم منه ويسلمها إلى غيره.
ويقاس على الأرض الميتة كل أرض يملكها الإنسان ـ لأن ملكيته لها مقيدة باستغلالها لصالح الأمة، إذ الملكية الأصلية لله:”لله ملك السموات والأرض” ـ فإذا أهملها هذا الإنسان حتى تعطلت جاز نزعها منه وإعطاؤها إلى مَن يُحسن استثمارها.

وما دامت الأرض أرض الله (يعني أرض الجماعة وتستغل لمصلحة هذه الجماعة)، فليس ثمة ما يمنع من وضعها في أيدي القادرين على الإفادة منها لما يه مصلحتهم ومصلحة جميع إخوانهم إذا اقتضت حاجتهم ذلك، والأرض في هذه الحالة أي ما دامت أرض المجتمع تكون كالشمس تضيء الجميع لأنها للمجتمع وملك الجميع، لأنها ملك المجتمع. كما تغدو الأرض عند حاجة جميع أفراد المجتمع إليها بمثابة: (النار والماء والكلأ) التي نصّ عليها الحديث النبوي الشريف، وفي رواية (والملح)، لحاجة جميع الناس إلى هذه الأشياء، حيث جعل الإسلام الناس فيها شركاء.
وجعل الناس ـ كل الناس ـ في هذه الحاجات الضرورية شركاء، في نظر الإسلام، إنما كان بسبب الضرورة، فتلحق الأرض بها وتأخذ حكمها عند الضرورة: (فالضرورة مجبرة)، ( والضرورات تبيح المحظورات).

ليس أدل على ذلك مما فعله رسول الله بالنخيل الذي كان يملكه سمرة بن جندب، فلقد أزال رسول الله صلـى الـله عليـه وسلـم، ملكيـته عنه عندمـا تحقـق من أنه يؤذي رجلاً من الأنصار، حيث قال للأنصاري: "اذهب واقلعه".
ومثَـل ذلـك فعل رسول الله بأرض البقيع، حين حماها ـ يعني صادرها ـ وجعلهـا مرعى لخيول المسلمين. الأمر الذي يتضح منه جواز نزع الملكية الخاصة لصالح الجماعة، لأن مصلحة الجماعة أولى بالاعتبار، أخذاً بقاعدة (المصالح المرسلة). والأمثلة على ذلك كثيرة، نجتزئ منها:
1 ـ إن عمر بن الخطاب صـادر أرضاً (بالربذة) وجعلها مرعى لعامة المسلمين وبخاصة الفقراء منهم. ومستنده الشرعي في هذا التصرف هو القاعدة الإسلامية التي تقول :(يتحمل الضرر الأدنى دون الضرر الأعلى). فحمي الأرض من فرد (أي اقتطـاعها منه) يضر ـ ولا شك ـ بمصلحة ذلك الفرد، ولكنه أهون وأقل ضرراً من تعريض كافة المسلمين للضرر.
2 ـ ولعل من هذا القبيل، ما فعله عمر نفسه بأرض العراق، حين امتنع عن توزيعها على الفاتحين، للراجـل سهـم وللفـارس سهمان، حسبمـا هـو معـروف من أحكـام الشرع الإسلامي وأبقاها بأيدي أصحابها يقومون بزراعتها، ويأخذون كفايتهم لمدة عام كامل من ريعها، ويدفعون الباقي إلى بيت مال المسلمين خراجاً للدولة كي تنفق منه على إنعاش مرافقها المختلفة. إضافة إلى احتفاظها لنفسها بملكية الرقبة. وقال للمجاهدين الغانمين الذين عارضوه وناقشوه في إبائه توزيع الأرض عليهم قولته المعروفة: "أنا إن قسمتها بينكم فماذا أبقي لمن سيأتي بعدكم؟". وقد انعقد إجماع المسلمين على تأييد عمر في تصرفه الحكيم، لأنه رضي الله عنهأدرك بثاقب نظره قبل إصدار حكمه عدة أمور، منها:
أ ـ أن الفاتحين لا خبرة لهم بالزراعة، وبتوزيع الأرض عليهم يشح عطاؤها وتبور زراعتها التي تعيش عليها جماهير الأمة..
ب ـ تخوف عمر من أن يُتخـم المحاربون بسبب ما يصيبونه من ثراء سريع، فتقل مقدرتهم على الجهاد..
ج ـ حرصـه عـلى عـدم خلـق (طبقة برجوازية) ـ إذا صحّ التعبير ـ بين جماعة المسلمين فيختل التوازن الاقتصادي وتتعرض الأمة بسبب ذلك للاضطرابات والهزات..
ويرى الطاهر بن عاشور أن للإسلام مقاصد خمسة في الأموال؛ هي: رواجها ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدل فيها . ونتناول هذه المقاصد بشيء من التفصيل فيما يلي:

1. مقصد التداول والرواج: ويراد بهذا المقصد تداول ورواج الأموال بين عامة الناس، وألا يكون ذلك قاصرا على الأغنياء فقط أو على فئة معينة من المجتمع دون الفئات والشرائح الأخرى، ويكون ذلك في مجالات الاستثمار والاستهلاك، ومن هنا شرعت العقود والبيوع والشركات في الفقه الإسلامي ونظمت معاملاتها، لتيسير وتسهيل حركة الأموال بين الناس.
ويدخل ضمن ذلك التكسب والاستثمار. ويراد به ما أوجبه الإسلام على الأفراد من السعي للكسب، واستثمار الأموال، فلا يعطل المال ولا يكتنز ولكن يدفع به لدوائر الأعمال لينمو ويعم خيره على المجتمع؛ فالحق تبارك وتعالى يقول: "فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الجمعة: آية 10) وهذا دليل وجوب السعي للرزق والكسب، ويقول عز وجل محذرا من اكتناز المال: "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" (التوبة: آية 34).
2. مقصد الوضوح: والمراد بهذا المقصد هو شفافية المعاملات والتصرفات المالية من حيث تدوينها وتوثيقها والإشهاد عليها، وذلك دفعا للضرر والغرر والغش والتدليس، وإن كانت آية الدين هي الأشهر في هذا المجال، فإن كتابة جميع المعاملات والتصرفات المالية معمول به من باب حفظ وبيان الحقوق.
3- مقصد الحفظ : ويقصد به حماية أموال الناس من الغصب وقد نهى الله عن أكل أموال الناس بالباطل أيّا كانت صورته، ويقول الحق تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً" (النساء: آية 29).ومن التبديد ومنه قوله تعالي :"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم" وقد اعتبر الإسلام التعامل بالربا فيه إضاعة للمال وليس فيه حفظ له ، قال تعالي :"يمحق الله الربا ويربي الصدقات"
4. مقصد الثبات: ويعنى بهذا المقصد الاختصاص وحرية التصرف في الملكيات والأموال الخاصة وعدم انتزاعها بغير رضا مالكها بالطرق المشروعة من بيع أو هبة أو تبرع،
5.مقصد العدل: والعدل المراد في هذا المقصد، جعل المال في نصابه الذي جعل من أجله فلا يستثمر ولا ينفق في حرام، وإنما في قنوات أمر بها الله عز وجل، تعود بالنفع على صاحبها وعلى من حوله من أفراد مجتمعه.


تحقق العدالة الاجتماعية لا يغني عن دوامها:
إن ما يجب أن تستهدفه وتلتزم به أية نظرية اقتصـادية لنظام اقتصادي للمسلمين إلى جانت تحقيق الوفرة الانتاجية والثروة الاجتماعية هو تحقيق العدالة الاجتماعية أيضا. ويجب أيضـا عدم حصـر الاهتمام في مجال العدالة الاجتماعية مجرد تحقيقها وإنما أيضـا ضمان دوامها وصمودها في مواجهة عاديات الزمن. في التاريخ الفرغوني يقول المؤرخون بأن النظام الاقتصادى ونظام الملكية للأراضي عرف عدة مرات ما يشبه النظم الاشتراكية التي تتحقق فيها العدالة الاجتماعية المنشودة منها ،ولكنه في كل مرة كان ينتكس ويتحول إلى نظام أقطاعي يتكرس فيه الظلم الاجتماعي وتهدر فيه كرامة الإنسان. وفي مصر الحديثة بدأ محمد على عملية بناء الدولة العصرية باصلاح زراعي قبل أسرة الميجي في اليابان. وسرعان ما انقلب اصلاح محمد على إلى نوع من النظام الإقطاعي بينما صمد النظام في اليابان. وشرع عبدالكريم قاسم في العراق وعبد الناصر في مصر فى نوع من الإصلاح الزراعي في وقت واحد . وكان كل منهما نزيها نقي الذمة ووطنيا مخلصـا ولكنه كان يفتقر إلى الثقافة الضرورية في السياسة والاقتصاد. لم يصمد إصلاح عبد الكريم قاسم وعجل بمقتله وسحله في شوارع بغداد بواسطة قتله جندتهم المخابرات البريطانية وبوساطة النظام الأردني وكان من بين المتآمرين على قتله :صدام حسين . ولم يجد القتلة في جيب سترته غير دينار عراقي واحد ، هو ما خلفه من وراءه في الدنيا . واتضح أن الرجل كان ينفق مرتبه على الفقراء والمساكين والمحتاجين في حياته .وحكم العراق من بعده مغامرون ولصـوص و انتهي أمره إلى ما انتهي اليه . وفي مصر استطاع عبد الناصر أن يقيم تنمية اقتصادية وكان من أمرها أنه في سنة تعرض مصـر لهزيمة ساحقة في سيناء عام 1967 كان الاقتصاد المصري من الاقتصاديات التي تحقق أكبر معدل تنمية في العالم. ومنذ وفاة عبدالناصر قبل حوالي 38 عاما بدء هدم النظام الاقتصادي الذي خلفه لبنة تلو لبنة وما زالت عملية الهدم مستمرة حتي اليوم ، وانتشر الفقر والظلم والفساد في ربوع مصـر . ليس المهم إذن تحقيق العدالة الاجتماعية في النظام الاقتصادي فقط وإنما ضمان استمرارها على طول المدى . وعلم المسقبليات والمعادلات الرياضية في تحليل الإقتصـاد الكلي لا تـساعد كثيرا في هذه الحالة وإنما الذي يمكن أن يكون مفيدا هو التحليل التاريخي لحالات العدالة الاجتماعية في التاريخ التي تعرضت لانتكاسات ومعرفة أسباب انتكاستها.