Monday, April 30, 2012

علم السياسة أو علم العلوم والحاجة الى تأسيسه على قواعد جديدة


علم السياسة..أو علم العلوم..والحاجة الى تأسيسه على قواعد جديدة

السياسة ليست هي النظام السياسي واﻻننخابات والبرلمان وإنما هذه كلها آليات لممارسة السياسة، وليست السياسة ذاتها. السياسة هي العلم الذي يبحث في كيفية أدارة معاش الناس ومصالحهم وأمنهم وتحقيق السلام والوفاق اﻻجتماعي داخل مجتمعهم. وهو اﻷمر الذي ﻻ تحققه المزايدات والخطب الحماسية.علم يحتاج إلى العقول وليس الحناجر.
 علم السياسة
 هذا العلم ، الذي يتم الحديث عنه هناوالذي سبق تعريفه بإدارة معاش الناس ،وله تعريف مشابه لذلك استخدمة الكواكبي بأنه :إدارة الشئون المشتركة بمقتضي الحكمة ،يعتمد ، في تصوري ، على ثلاثة أركان أو عوامل تؤثر فيه وتحدده.
 أولها : اﻻنسان الذي استخلفه الله في اﻷرض لتعميرها باعتباره محور اهتمام العلم ، وكل ما توصل اليه من علم ومعارف ويحكمه من قيم أخلاقية ودينية،
 وثانيها المكان: أي خصائص اﻷرض والموقع وكيفية التعامل مع ثرواتها الظاهرة والباطنة، أو بكلمة أخرى الجغرافيا،
 وثالثها الزمان : أي التاريخ والحاضر وما تتطلبه ظروف العصر. ومن ﻻ يحيط علما بتلك اﻷركان أو العوامل الثلاثة، وتأثيرتها على السياسة ، ﻻ يعرف شيئا عن حقيقة السياسة ومتطلباتها. الحاجة الى علم جديد للسياسة إن معظم من عالجوا موضوع السياسة كانوا يعملون في خدمة الحكام أو الدول أو يتقدمون إليهم بالنصح، ولذا تركزت اهتماماتهم وأبحاثهم حول الدولة وكيفية تنظيمها وتسييرهالصالح حكامهاودوام حكمهم ، وليس على السياسات التي على الدولة اتباعها لخدمة مواطنيها، والتي هي أساسا السبب أو مدعاة أقامة وإنشاء الدولة، ومؤسساتها، والدور الذي يجب أن تلعبه كل مؤسسة منها ، سواء كانت مؤسسة تشريعية أو تنفيذية أو قضائية.وصار لذلك الفقه الدستوري هو أهم مافي علم السياسة حسب تلك اﻻهتمامات التي انصبت على الدولة.وفي أحسن الحالات صارت أبحاثهم تتركز الي حد كبير على كيف يسوس الحكام حكامهم لكي ينالوا رضاهم؟أي كيفية تحقيق مصالح الحاكمين لكي تتواصل سيطرة الحكام عليهم، وكيف يقيمون العلاقات مع الدول الخارجية؟ أو ما شابه ذلك.ثم انقسم العلم ضمن هذا التوجهالذي حصره في الدولة الى علوم مثل : علم اﻻقتصاد السياسي ، وعلم اﻻجتماع السياسي وعلم النفس السياسي، والعلاقات الدبلوماسية وغيرها مما أطلق عليه : العلوم السياسية. وإذ يحتاج علم السياسة الى كل هذه العلوم ،فإنه في الواقع يمكن أن نطلق عليه : علم العلوم . وهو ما يعني أن السياسي عليه أن يعرف وظيفة كل علم في تخطيط سياسته ، سواء تلك العلوم التي وصفت بالعلوم السياسية أو غيرها من العلوم.وفي نفس الوقت يجب أن تتغير الفلسفة التي يقوم عليها علم السياسة أو علومها الحالية لكي تبني على فلسفة جديدة يكون فيها الحاكمون هم المحكومين أنفسهم. ولقد استفادت الرأسمالية اﻷوربية في أوربا من الفلسفة الماركسية التي أظهرت لها عيوبها وتنبأت بزوالها، فقامت بالحد من تلك العيوب لكي تستمر في الهيمنة على الشعوب وﻻيتم استبدال ديكتاتوريتها بديكتاتورية البروليتاريا كما أنذتها الماركسية.
 الكثيرون يعتبرون أن أول كتاب في علم السياسة الحالي هو كتاب اﻷمير لمكيافيللي والذي كان بمثابة توجيهات للحاكم معتبرا أن القوى المحركة للتاريخ هي "المصلحة المادية" و"السلطة.وكتبه كموظف في حكومة جمهورية فلورنسافقد وظيفته ودخل السجن وتعرض للتعذيب بعد عودة الملكيةواتهامه بالتآمر عليها ، وراح بعد خروجه منه يحاول استخلاص الدروس السياسية مما حدث ومعالجة أخطاء الحكم التي تسببت في سقوطه وفقده وظيفته فيه.ونشر كتابه بعد وفاته. ولكن أيضا يمكن اعتبار كتاب كليلة ودمنة ﻻبن المقفع كتابا له علاقة بعلم السياسة وإن كان عبارة عن حكايات حول الحيوانات ، فكان يستهدف به انتقاد حكم الخلقاء العباسيين الذي كان يخفي معارضته لهم ،وفي نفس الوقت تقديم النصح للحكام.كما يمكن النظر الى كتاب : "الأحكام السلطانية والولايات الدينية:للماوردي المتوفي عام 450هـ بأنه يندرج ضمن هذا النوع من الفكر السياسي الموجه للحكام ، ولو أنها ﻻ تؤسس علما قائما بذاته.
 يحتاج اﻷمر في هذه الحالة الى إعادة صياغة العلوم السياسية لكي تتخذ اﻻنتاج وتحقيق رفاهية المجتمع وعدالة التوزيع فيه مركز الاهتمام لها، وليس الدولة وإدارتهاوأحزابها ومؤسساتها على النحو الذي ساد خلال القرنين الماضيين.بل قد تفضي هذه الفلسقة الجديدة المنشأة لعلم السياسة كما يجب أن يكون عليه إلى أشكال جديدة لنظام الحكم غير تلك النظم التقليدية التي عرفتها الدول حتى اﻵن. خاصة إذا ما أخذ في اﻻعتبار أن أشكال أو نظم الحكم التي يتم العمل بها في العالم حاليا هي من مفرزات الثورة الصناعية في أوروبا والتاريخ اﻷوروبي وأنه تظلنا اﻵن ثورة معلوماتية تعطي أمكانات أفضل لمشاركة الشعوب في تقرير مصيرها ومستقبلها والمشاركة اﻹوسع في الحكم لم تكن تتيحها ظروف الثورة الصناعية، وقد بدأ الحديث بالفعل على نطاق واسع في العالم الغربي عن احلال الديموقراطية الشاركية أو التشاورية محل الديموقراطية البرلمانية التقليدية الحالية. ويقترب من هذا الفهم الدكتور عبدالله الفقيه الدي وجدته يقول في مدونية حول علاقة علم السياسة والذي يطلق عليه : علم القوة، وهو محق في ذلك،بالعلوم الأخرى بأن العلوم الطبيعية تدرس. البيئة التي يعيش فيها الإنسان، وتدرس العلوم الإنسانية سلوك الإنسان. ومن الطبيعي ان تتقاطع العلوم المختلفة وخصوصا الإنسانية مع علم السياسة. وتركز الدراسات الإنسانية المعاصرة ومنها الدراسات السياسية على الاقتراب من الظاهرة التي يجري دراستها بتوظيف معطيات أكثر من حقل من حقول المعرفة وذلك لأن السلوك الإنساني يتصل ببعضه البعض. فلا يمكن مثلا الفصل بين سلوك الإنسان في السوق موضوع علم الاقتصاد) وسلوكه في المؤسسات السياسية (موضوع علم السياسة) وتاريخ ذلك السلوك (موضوع علم التاريخ) والقوانين المنظمة لذلك السلوك (موضوع علم القانون). ثم يضع جدوﻻ يذكر فيه العديد من العلوم التي لها علاقة بعلم السياسة والتي ﻻ تقتصر على العلوم اﻻنسانيةوحدها ، والتي يمكن تلخيصها في العلوم التي تدرس كل ما له علاقة باﻻنسان والمكان والزمان ، باعبارها محددات معرفة وثقافة ووجود ومصالح اﻻنسان والمجتمع الذي يعيش فيه..
 وسواء كان اﻷمر يتعلق بعلم السياسة الحالي الذي ينظم شؤون الدولة والحكم بما يتيح استمرارية القوى النافذة في المجتمع ومصالحها بعد توفيقها مع مصلحة الشعب أو كان متعلقا بعلم السياسة الذي تتم الدعوة اليه هنا والمبني على أساس فلسفي مغاير، يتلخص في أن مهمته تدبير شؤون الناس وليس المحافظة على مصالح الحكام، والذي يقود مباشرة الى تحقيق التنمية اﻻنسانية العادلة بأوجهها اﻻنسانية واﻻقتصادية والثقافية واﻻجتماعية والحضارية، فإن إقامة مشروع إنتاجي وفق علم السياسة كما هو عليه أو كما تتم الدعوة الى تغييره هنا،يحتاج الى استخدام العديد من العلوم مثل التخطيط واﻻحصاء والتنظيم واﻻدارة والطاقة وعلوم الهندسة أنواعها من مدنية ومعمارية وكهربائية وميكانيكية واﻻتصالات وإنتاج وتعدين والزراعة والتقنية والتسويق والتمويل...وماإلى ذلك. وليس مطلوبا من السياسي أن يتخصص في تلك العلوم أو أن يكون ملما بتفاصيلها وإنما يحتاج الى أن يعرف ما هي العلوم التي يحتاج المشروع الى اﻻستعانة بمتخصصين فيها، ودور كل علم في تحقيق المنتج القادر على المنافسة في اﻷسواق المحلية والخارجية أو في تحقيق مزايا نسبية تزيد من قدرته التنافسية، وهو ما يعرف بدراسة الجدوى اﻻقتصادية للمشروع والتي يفترض أن تتم بعد إنجاز الدراسات الفنية له. ومن هنا يأتي الفرق بين السياسي المنشغل بالسلطة والصراع عليها والسياسي الذي يبحث فيما يجب توظيف السلطة فيه بعد الحصول عليها. وفيما يلي بيان للغوامل الثلاثة المحددة للسياسة السابق ذكره ، وهي : اﻻنسان والمكان والزمان ،يظهر أهميتها وتأثيرها أيضا على علم السياسة وعلى تحديد أهداف السياسات اﻻنمائية، أيا كان نوعها، التي تستهدف صالح المجتمع بكل مكوناتها ، وليس تسخير أعلبية المكونات لمكون واحد أو أكثر في المجتمع دون بقية المكونات.
 أوﻻ : إﻻنسان :
 يحتاج اﻷمر لمعرفة ماهو اﻹنسان والفطرة التي خلق عليها والحاجات البيولوجية له وهو ما يدخل في اختصاص علم النفس والذي يسترشد فيه بالنسبة للمجتمع المسلم بما ورد بالقرآن الكريم عن اﻹنسان ودوره في اﻷرض ، على أساس أن الخالق هو اﻷعلم بمن خلقه، ولم خلقه؟. واﻹنسان كائن اجتماعي ، ﻻيمكنه أن يعيش اﻻ في مجتمع يحتضنه، وهنا تأتي الحاجة الى علم الاجتماع. وحاجة اﻻنسان الى الغذاء، وتلبية كافة احتياجاته، وإلى تبادل المنفعة مع الخير، وهو يدخل في اهتمام علم اﻻجتماع. ولكونه كائن اجتماعي فإن له عادات وتقاليد ومعارف وثقافة وهو مايبحثه علم اﻷنبروبولجيا. ويحتاج أن يعيش في تجمعات عمرانية تتوفر على خدمات التعليم والصحة والماء والطاقة والنقل وهو ما يختص به علم العمران والعلوم الهندسية المتنوعة من مدنية ومعمارية وكهربائية وميكانيكية واليكبرونية وغيرها. والسياسة التي تتمحور حول سد احتياجات اﻹنسان لن تكون في غني عن أي علم من العلوم التي حقق فيها اﻻنسان على مستوى العالم تقدما.وتعتبر أهم وظيفة لعلم السياسة هو كيفية توظيف كل تلك العلوم في خدمة اﻹنسان وتغزيز وجوده الحضاري وامتلاكه القوة الكافية لحماية مصالحها وأهم مضدر لتك القوة هو قوة المعرفة، أو ماسماه بول كيندي بقوة المعنى. علم السياسةإذن هو علم يتميز بطبيعته الأبيستمولوجية، إذ يتداخل مع العديد من العلوم الإنسانية والعلوم . وليست السياسة كما يفهمها العديد من السياسيين والعسكريين والأمنيين والإعلاميين وكافة المتدخلين فيها في عالمنا ضربا من الفهلوة لا يحتاج إلا إلى التمتع بقدر من الذكاء والدهاء. فالسياسة غير منفصلة عن التاريخ والجغرافيا (خاصة الاقتصادية) منها والاقتصاد والنفس والاجتماع وليست معزولة عن الثقافة السائدة في المجتمع (بما فيها الأيديولوجيات والدين) أو عن دراسة القانون (خاصة الشق الدولي والبحري والدستوري منه).
وقد خرجت من هذه العلوم علوم مستقلة عنها تعد حلقة وسطى بينها وبين السياسة، فظهر علم النفس السياسي وعلم الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي ....الخ. حيث تخضع عملية صنع القرار السياسي لمؤثرات عديدة. وطالما القرار السياسي يخضع عند كل من صناعه إلى مؤثرات متباينة أو متعددة، فيصعب الحديث عن سياسة رشيدة أو مثالية، وإنما يمكن وصف السياسة بأنها طبيعية أو براغماتيكية أو عقلانية أو مجدية...الخ، عندما نرغب في الإشادة بها أو التدليل على صلاحيتها، طالما تتوافق مع تاريخ وثقافة المجتمع وتحقق المصالح الحيوية التي استهدفها من يصنعون قراراتها.

 ثانيا : المكان:
تلعب خصائص المكان دورا هاما في تحديد السياسة والتي هي مضطرة للتعامل مع تلك الخصائص والمزايا أو العيوب التي تشوب المكان. ومن أهم خصائص المكان بالنسبة للدولة هو موقعها الجغرافي .وهو اﻷمر الذي أوﻻه اهتماما كبيرا العالم المصري الراحل جمال حمدان فيما بحثه عن فلسفة الموقع المصري. ولم يكن نابليون بونابرت مبالغا كثيرا عندما قال حسب ما ينقل عنه بأن من يستولي على مصر يحكم أو يسود العالم.وقد تكون مقولته تلك ذات مصدافية كبيرة في زمانه ولكن ﻻ يعني هذا أنها تحتفظ بنفس القيمة في كافة اﻷزمنة، وإنما أيضا ﻻتفقد قيمتها كلية.وإذا كان ﻷهمية الموقع مزايا فإن تلك المزايا تشكل أيضا مصدرا للمخاطر طالما أنها ستغري الغير للهيمنة عليه واستغلاله لمصالحهم ، وهو ما يعد سبب كل الغزوات التي تعرضت لها مصر في تاريخها القديم والجديث معا.وودود لمصر سواحل طويلة على البحر اﻷبيض المتوسط وعلى البحر اﻷحمر، يفرض على سياستها أن تعني بتلك السواحل وأن تعمرها وتكفل أيضا حمايتها من أي عدوان أجنبي عليها من الطامعين في السيطرة على الموقع المصري.ونفس الشيئ يمكن قوله على موقع المملكة المغربية التي لهاأيضا سواحل طويلة على البحر المتوسط والمحيط اﻷطلسي. بينما نجد دولة مثل السودان محاطة بتسع دول ، تتوسطها مثلما تتوسط جوهرة في عقد ، ومنها دول ليس لها منافذ على البحر ، وتحتاج للسودان.وهو ما يشكل ميزة للسودان ومصدرا أيضا للمخاطر عليه كدولة.وعندما نجد أن سبع دول منها تعد دوﻻ زنجية، ودولة واحدة هي مصر ذات أصول زنجية ولكنها لم تعد محسوبة ضمن المحيط الزنجي للسودان، فإن السياسة السودانية يفترض فيهاأن تولي أهمية للدول السبع اﻷخرة أكثر من مصر وليبيا. ولذا يعد القول بهوية السودان العربية اﻹسلامية، رغم صحة ذلك من حيث اللغة والدين، هو قول ليس في صالح السودان وقد أثبتت اﻷحداث اﻷخيرة ذلك ، سواء الصراع مع قبائل الجنوب التي انتهت بانفصال الجنوب أو الصراع في دارفور أو في الشرق مع قبائل البجة أو تململ النوبة وهي وضعية تهدد السودان بمزيد من اﻻنقسامات والتدخلات اﻷجنبية ولن تنفعة لحماية نفسه تلك الهوية العربية اﻻسلامية التي جعلها أغبياء فيه من المقدسات. إنني كمصري أحب السودان وأدرك العلاقات التاريخية به من أيام الفراعنة وأعرف أن ﻻحياة لمصر بدون السودان ولكن اﻷمانة الفكرية والعلمية كانت تقتضي مني دائما اعتبار إن اهتمام السودان بمحيطه الزنجي واﻻندماج فيه هو ما تقتضيه مصلحته ويصب في نهاية اﻷمر في صالح اﻹنسان المصري على المدي البعيد. بل يزيد من أهمية السودان للشعب المصري والدولة المصرية وزيادة اندماجها في النسيج اﻹنساني اﻷفريقي مما يزيد من تحصيلها المنافع. ويأتي ضمن ما يفرضه المكان على السياسة ما يختزنه المكان من ثروات أو فرص وكيفية استثمارها لصالح الشعب. ومن ذلك فإن كل ما يتعلق بتعمير واستقلال أراض في الصحراء الغربية المصرية أو سيناء أو السواحل المصرية الطويلة في الزراعة والصناعة وإعادة توزيع السكان على اﻷرض بعد مد المياه اليها ، تعد كلها مشروعات ذات أهمية بالغة يجب أن تتصدر اهتمامات أي سياسة مصرية طلبا للقوة وضمان أمن السكان. ونفس الشيئ يمكن قوله بالنسبة للصحراء الشرقيةوالغربية وساحل البحر اﻷحمر في السودان والتي تعد امتدادا لمثلها في مصر ، وهو ما يتطلب سياسة موحدة في هذا الشأن في كل من مصر والسودان معاومشاريع تستهدف التنمية المشتركة لكل من البلدين وتعود بالنفع على شعبيهما، بل وعلى الشعوب اﻷخرى المحيطة بالسودان والتي يفرض عليه موقعه الوسطي بينها والمركزي في نفس الوقت الى التعامل معها بروح اﻷخوة والمساواة والتخلي عن أي شوائب عنصرية أو عرقية. ويتحكم المكان أيضا في تلك السياسات حيث يكون لطبيعة التربة إذا كانت رملية أو طينية أو حمراء أو من اللتريت في أساليب التعامل معها، وأيضا تتحكم طبوغرافية اﻷرض كأرض سهلية أو جبلية واتجاه الميل فيها وإتجاه الرياح وكل ما يتناوله عادة علم الجغرافيا والهندسة المدنية وعلوم الزراعة والتعدين أو الجيوليوجيا.
 ثانيا : الزمان :
 ﻻ يعني الزمان هنا مجرد دراسة التاريخ واستخلاص الدروس منه وإنما يعني أيضا التخلص مما تراكم عبره من مفاسد ومن أوضاع معيقة للتغير والتقدم ، وأيضااﻻستفادة مماشهده العصر من تقدم في شتي العلوم والمعارف وبحيث تواكب السياسة مستجدات العصر ومتطلباته. لقد كنا نستورد من أوروبا ليس فقط التقنيات وإنما أيضا النظريات والفلسفات ونظم الحكم وغيرها التي ﻻ تدخل في نطاق الماديات ، وعلى الرغم أنها صيغت تحت ضغط متطلبات التحولاتالكبري التي شهدها تاريخها والتي لم تمر مجتمعاتنا بها. ومع ذلك فإننا لم ننتبه بعد بأن ما ينشغل به مثقفونا من مفرزات الحداثة الغربية كان ناتجا عن الثورة الصناعية بأوروبا وأن العالم اﻵن يشهد ثورة في المعلوميات تتطلب أخذها في اﻻعتبار وهذه الثورة من شأنها أن تقلب كل ميراث الثورة الصناعية ظهرا على عقب. وهو اﻷمر الذي اهتم بالتبشير له في مصر الدكتور راجي عنايت ، ولم يجد إذنا صاغية لما يدعو اليه. ولقد عملت النظم اﻻستبدادية الحاكمة في دول شمال أفريقيا على تحصين وجودها واستمراريتها بخلق أوضاع وأجهزة وطبقة منتفعة من حكمها، ونشر قيم فاسدة في مجتمعاتها ،تكفل لها استمرارية الحكم ونهب الثروات وحماية مصالحها.
 وعندما قامت ثورة 25 يناير الشعبية في مصر كتبت كثيرا بأن أي ثورة تروم تغيير اﻷوضاع لن تنجح في تحقيق أهدافها مالم يكن لها بنية تنظيمية موحدة لها ومغايرة لبنية النظام الحاكم وثقافة سياسية أيضا تكون على النقيض من ثقافة النظام الحاكم. ولعدم توفر قوى الثورة على تلك البنية التنظيمية وﻻ على تلك الثقافة ، فما أن ترك حسني مبارك مكانه تحت ضغط الشارع حتي حل محله أعوانه من العسكريين واﻷمنيين الذين كان يعتمد عليهم اﻻيتمرار حكمه وعملوا على إجهاض الثورة والحيلولة دون تحقيق أهدافها.بل إن المليارات التي هربتها أسرة مبارك والضالعين معه في حكم البلاد إلى الخارج لم يتم العمل على استرجاعها ، ﻷن استرجاعها سيتطلب بالضرورة إن تتم مصادرة واسترجاع كل اﻷموال التي هربها الشركاء في الحكم من العسكريين والمدنيين ورجال اﻷعمال وكشف ما هربوه وفضحهم ، وﻻ يمكن أن يطلب من الدول اﻷجنبية أن تصادر أموال البعض وترك أموال آخرين دون مصادرة طالما الأمر يتعلق بمن شاركوا مبارك وعائلته حكمهم وفسادهم ونهيبهم لثروات البلاد.
 وﻻيقف اﻷمر عند حد إرث النظام السياسي الذي قامت عليه الثورة وإنما يتطلب مواجهة ما أفرزته قرون من التخلف التي عرفتها شعوبنا بعد أن انتقلت الحضارة التي عرفتها المجتمعات المسلمة في القرون الوسطي الى أوربا في بداية العصر الحديث وعاش شعوب منطقتنا في ظلمات متراكمة من الجهل والتخلف أفسدت القيم المجتمعية والعقل الجمعي والفردي على حد سواء.وهي أمور مازالت تعاني منها مجتمعاتنا حتى اﻵن، ومنها على سبيل المثال ﻻ الحصر الظاهرةالسلفية وظاهرة الطرق الصوفية السابقة لها، وتشمل أيضا معتنقي المذاهب المنحرفة عن دين اﻷمةوالمعادية له ، والذين يريدون المحافظة على اﻷوضاع ومقاومة التغيير يعتبرون الكثير من موروثات الماضي الفاسدة من خصائص شعوبهم، ومن مقومات هويتهاوأصالتها المزعومة. دراسة التاريخ في هذه الحالة ﻻتقف عند الهزائم واﻻنتصارات وإنمافهم الواقع وتأثره بتاريخه ،
 وعلى سبيل المثال فإن القيم اﻷخلاقية الواردة في كتاب الموتى الفرعوني تعد هي القيم اﻷصيلة للمجتمع المصري وليست تلك القيم الصائدة في زماننا هذافيه. ونفس الشيئ قإن الشريعة اﻹسلامية ليس شعائر أو مناسك دينية أو حدود للجرائم فقد وإنما هي منهج حياة متكامل يكفل الحرية والكرامة والعدالة والمساواة للموطنين، وكافة حقوق اﻻنسان الوارد معظمها في المواثيق الدولية، ومحاولة حصر الشريعة في نظاق ضيق، أو الحد من حقوق اﻹنسان أو حرية الفكر واﻷخذ بالعلوم الجديثة وتطبيقاتها هو ضد الشريعة وأحكامها والقيم التي وردت بها والمقاصد التي استهدفتها. أمثلة من التاريخ المعاصر عن تأثير العوامل الثلاثةعلى السياسات الدولية كتبت في أول يناير 2008 مقالا بعنوان :"علم السياسة وتعدد مصادر التأثير على صناع القرار "يوجد في اﻻنترنيت بموقع صحيفة "التجديد "على الرابط التالي: http://www.attajdid.ma/affdetail.asp?codelangue=6&info=38171 :وكذلك في موقع "مغرس "على الرابط التالي :http://www.maghress.com/attajdid/38171 ويوضح أهمية التاريح في فهم سياسة الدول ،قلت فيه : . ولقد أشعلت الجغرافيا الحرب العالمية الثانية بعد أن ضاقت حدود ألمانيا باقتصادها المزدهر وتسببت طبيعة أرضها المجافية للإنتاج الزراعي في نشوء الحاجة إلى أراض خصبة في أوكرانيا شرقا تزرع القمح. واحتاجت الصناعة في ألمانيا أيضا إلى الخامات المعدنية في الإلزاس واللورين وبولندا كما احتاج الإنتاج الصناعي إلى أسواق عالمية لتصريفه ، تسيطر عليها الدول الاستعمارية الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال، فضلا عن تحكمها في الموارد الطبيعية للمستعمرات بينما لا يتبع ألمانيا الأكثر تقدما سوي مستعمرة ناميبيا وبضعة جيوب صغيرة في أفريقيا وهي الأكثر تقدما وحاجة إلى المواد الأولية. ورغم بروز هذا التطلع الذي يمكن تفهمه، والذي كان يمكن تحقيقه بدون التوسع في الحرب بعد الانتشاء بنشوة الانتصارات السريعة التي تحققت لألمانيا في بدايتها والذي انتهي بخسارة الحرب. فقد شاب قرار الحرب من بدايته عامل نفسي عبارة عن طلب ثأر قديم للألمان عند الممسكين بسلطة الحكم في الاتحاد السوفييتي، وليس عند شعوب الاتحاد ذاتها. أججه خسارة ألمانيا للحرب العالمية الأولى، وهو أمر يتجاهله معظم المؤرخين. فالثابت تاريخيا أن كل من فلاديمير اليتش لينين وتروتوسكي كانا يهوديين ألمانيين أرسلتهم ألمانيا إلى الاتحاد السوفييتي لإثارة الفوضى في أطرافه وإثارة النزعات القومية لدى الشعوب التي ضمتها الإمبراطورية الروسية قسرا إليها. فأرسلت ألمانيا لينين إلى أسيا الوسطى والذي كان بالفعل يثير شعوبها ويعدها بأنها لو ساعدت حزبه الشيوعي وانضمت إليه ستنال استقلالها التام وكانت كتاباته قبل ثورة 1917 تدور حول حقوق القوميات وحريتها واستقلالها ثم ارتد عن ذلك كله بعدما فشلت البورجوازية الروسية التي أنجزت ثورة 1917 في إدارة شؤون الدولة واضطرت بعد حوالي عامين تقريبا من إمساكها زمام السلطة للتنازل عنها للينين والذي وضع المرابون اليهود أموالهم وديعة في خزينة الدولة لكي تستثمرها لحسابهم وحساب ورثتهم من بعدهم مقابل فائدة سنوية تدفع في حساباتهم البنكية وعلي أن يتولوا هم إدارة الاستثمار. وبناء عليه، تحولت الإمبراطورية الروسية السابقة إلى شركة سوفييتيه يهودية مساهمة واحدة كبرى، وتحولت شعوب الإمبراطورية إلى بروليتاريا في خدمة تلك الشركة، مستغلة أسوء من الاستغلال في الدول الرأسمالية في انتاج فائض القيمة وليس لها الحق في تكوين نقابات تدافع عن حقوقها. وتم التنكر لحقوق القوميات وإن منح بعضها نظام حكم ذاتي شكلي يسيطر عليه الحزب الشيوعي. وهذا يفسر لم كان 99في المائة من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي من اليهود .ويفسر أيضا لم انهار اقتصاد الاتحاد السوفييتي السابق بمجرد أن قام عدد من اليهود بسحب مليارات الدولارات من خزينة الدولة وتهريبها الي اسرائيل والولايات المتحدة وسويسرا ودول أوروبا الغربية. ويفسر أيضا لما كان جميع رؤساء حكومات بوريس يلتسن من اليهود والذين أطلقت عليهم تسمية : الاصلاحيين ولم يكن أمامه سوى ذلك لكي يستعيدوا أموالهم المهربة والتى اعادوها ليشتروا بها جميع مؤسسات الدولة الإنتاجية الكبرى بأبخس الأثمان باسم الخوصصة والإصلاح الاقتصادي ، ومن هؤلاء المليونيرات العائدين تتكون مايطلق عليه حاليا بالأوليغارشيا في روسيا الاتحادية، والمسيطرة إلى حد كبير على الاقتصاد الروسي وبالتالي على السياسة الروسية الداخلية والخارجية، إلى جانب عصابات المافيا التابعة لها. لنفس الغاية أرسلت ألمانيا تروتسكي إلى فنلندا في شمال شرق روسيا إلا أنه بعد أن استولى رفيقه لينين على الحكم في موسكو انقلب من عميل ألماني إلى متطرف روسي. وانتهى أمره بعد أن هاجر إلى الأرجنتين بعدما خسر معركته على الزعامة مع لينين باغتياله هناك في ظروف غامضة. وقد اعتبرت ألمانيا آنذاك تصرف كل من لينين وتروتوسكي ومن لحق بهم من اليهود الروس بمثابة خيانة يهودية لهم دفع ثمنها بعد ذلك يهود ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية حيث تم حشرهم في المعتقلات باعتبارهم عناصر غير مأمونة الجانب على مصالح الدولة وهي في حالة حرب كإجراء احترازي تلجأ اليه كل الدول تقريبا في حالة الحرب . وقد اتبعته الولايات المتحدة بعد أن قصف اليابانيون من الجو أسطولها البحري في بيرل هاربر فقامت باعتقال جميع مواطنيها من أصول أسيوية طوال الحرب العالمية الثانية. لم تكن مصيبة اليهود الألمان نتيجة عنصرية النظام النازي فقط وإنما نتيجة ما ترسب في العقل الألماني من استحالة الثقة في اليهود. ولم يكن حرص الألمان على مد حربهم إلى الاتحاد السوفييتي خلال الحربين العالميتين الأولي والثانية نتيجة دوافع اقتصادية وإنما تحت تأثير عوامل نفسية لدي القادة الألمان سواء الإمبراطور غليوم في الأولى، أو هتلر في الثانية والرغبة في الثأر من القيادة اليهودية السوفييتية. وكان خلط الدوافع الاقتصادية أو الاستراتيجية بدوافع نفسية هو السبب الرئيس في خسارة الحربين. وسنلاحظ هنا أيضا بأنه نشأ في السياسة الألمانية في أوائل القرن العشرين ثقافة استراتيجية تتلخص في عبارة: الاتجاه شرقا وتعنى أن مصالح ألمانيا توجد في الشرق وليس في الغرب المنافس لها ورغم أن الألمان يرغبون في نسيان كل ما يمت بصلة إلى الحربين المدمرتين اللتين خاضوا غمارهما، سنجد أن سياسة الاتجاه شرقا مازالت تحرك الاهتمامات الاستراتيجية الألمانية خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، وأن معظم اهتمامات المانيا السياسية تتركز حاليا في دول شرق أوروبا ولا يستثني من تلك الاهتمامات روسيا الاتحادية أيضا. لا يمكن فهم السياسة الأمريكية أيضا مع إهمال ثقافتها السياسية والإستراتيجية الأنجلوسكسونية والموروثة عن الإمبراطورية البريطانية التي لفظت أنفاسها مع انتهاء الحرب العالمية الثانية لكنها سلمت رايتها للولايات المتحدة الأمريكية. ويتجلى ذلك فيما يعرف بالسياسة البحرية التي تتطلب نشر الأساطيل الأمريكية فيما وراء البحار ، والسيطرة على المضايق البحرية وخطوط النقل البحري عبر العالم . وعلى نحو ما كانت عليه البحرية البريطانية في سالف الأزمان،والتي كانت سببا في اعتبار بريطانيا سيدة البحار آنذاك. وأيضا نشر قواعد عسكرية في مناطق مختلفة من العالم وانتهاج أساليب الاستعمار البريطاني القديمة في شن الحروب واحتلال البلدان التي تشكل أهمية اقتصادية أو يشكل موقعها أهمية ستراتيجية وفق المفاهيم الجيوسياسية. بالإضافة إلى مصالح القوى السياسية المسيطرة المتعلقة بالسلطة أو المال ومصالح مجموعات (لوبيات) الضغط السياسية والاقتصادية والعسكرية المحلية والتى تعد أقوي المؤثرات علي توجيه السياسات وصناعة القرارات السياسية بما فيها قرارات الحرب باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف للسياسة،
 المؤثرات الخارجية
توجد أيضا مؤثرات ثقافية خارجية لمؤسسات دولية رسمية وعلنية أو غير رسمية وسرية تتدخل أيضا في توجيه سياسات الدول عن طريق صناع القرارات فيها مباشرة. مثال لذلك الوكالة اليهودية والمحفل الماسوني وأندية الروتاري والليونز التي تعد من روافده وكذلك على المستوى القاري نجد مجلس الكنائس العالمي الذي يتخذ من كينيا مقرا له يقف خلف معظم التوترات في القارة الأفريقية. وبينما يتحدث الغرب عن العلمانية كثيرا ، نجده يستخدم الكنائس التابعة له في الدول الأخرى والمنظمات التبشيرية أو ما يسمي بالمنظمات الإنسانية غير الحكومية لتحقيق أهداف سياسية أو استخباراتية محضة . ويظهرذلك أكثر في الدول التي توجد بها أقليات مسيحية مثل مصر والتي أرسلت لها الولايات المتحدة جماعات شهود يهوا وكنائس الأدفنشت وكنائس الله البروتوستانتية، والتي أهملت أنشطتها الحكومة المصرية على مدى قرن كامل ،باعتبارها شأن مسيحي لا يجب عليها التدخل فيه. ومع ذلك يمكن رصد تداعيات أنشطتها غير المباشرة على السياسة الداخلية. إذ أن تضرر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الوطنية من أنشطة هذه الكنائس الأجنبية جعلها تدخل في تحالف مع نظام الحكم لتبادل المنافع وكان من نتائج هذا التحالف توجيه أصوات كافة الناخبين الأقباط لصالح الرئيس في الانتخابات الرئاسية التي قاطعتها أحزاب المعارضة وباقي الشعب المصري فحقق الأغلبية بفضل أصواتهم. بينما يشتبه في أن يكون لتلك المؤسسات الدينية الأجنبية دور في إثارة ما يعرف بالفتن الطائفية من حين لآخر في مصر. ويمكن اعتبار تلك المؤثرات الخارجية مرتبطة أيضا بنفس العوامل الثلاثة السابق ذكرها على نحو أو آخر.  الخلاص
ة بسبب طبيعة علم السياسة المعقدة، اهتمت الدول المتقدمة بانشاء مراكر أبحاث سياسية، تقوم بتحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية داخل الدولة، وفي نطاقها الجغرافي ،وفي العالم الخارجي بأكملة واستخلاص الموجهات والمؤشرات التي يحتاج العقل السياسي إدراكها عند التخطيط لسياسات قصيرة أو متوسطة أوبعيدة المدي، أو عند اتخاذ القرارات السياسية . في المقابل نجد السياسة في الدول المتخلفة ليست أكثر من ردود فعل متشنجة أو انفعالية لفعل فوجئت به صدر من دولة أخرى أو حدث مفاجئ داخلي أو نحو ذلك. وهو مايتطلب اﻻهتمام بعلم السياسة ، وصياغة كافة السياسات وفق متطلباته والحاجة اليه لتحقيق أذارة مثلى للشأن العام.
 فوزي منصور

Monday, April 9, 2012

ما أمر الله به، وما نهى عنه في آية واحدة

يقول الله تعالي في سورة النحل:" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" ( 90 ) " فيأمر في هذه الآية الكريمة بثلاث أمور وينهي عن نقائضها الثلاثة. ولو أن اﻷمر بالشيء يحمل ضمنا في طياته نفي نقيضه. وإنما جاء النهي عن النقيض تأكيدا لما تم الأمر به ، ولتقبيح ما تم النهي عنه.

و ليس صحيحا ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن الله يأمر في تلك الآية بثلاثة أمور وينهي عن ثلاثة أمور أخرى. إذ لو أنه سبحانه أراد ذلك لزاد على ما أمر به أوامر أخرى تكون بمثابة نقائض لما نهي عنه.

وهذه الأوامر الثلاثة قد رتبت ترتيبا حكيما ودقيقا يبين تداخلها معا، فقد بدأت بالعدل، وبه تستقيم كل الأمور، ثم جاء من بعده الإحسان وفي فعله عدل مع خالقك الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة شاء ركبك، وما خلق الجنس والجن إلا ليعبدوه والإحسان يضم أفضل العبادات إلى الله، وتأتي ثالث الأوامر الأمر بإيتاء ذي القربى، وفي ذلك عدل معهم وإحسان لهم. ثم جاءت المنهي عنه ثلاث مذمومات هي نقيض الفعال المأمور بها ولذا اتخذت نفس الترتيب.

وتجمل هذه الآية كل ما أمر الله به وما نهي عنه، وتأتي الآيات في كتاب الله عن ما أحل وحرم بمثابة تفصيل لما جاء بها. ويروى جرير عن ابن مسعود قوله :"إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى.... ". وفي رواية أخرى عنه:" هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل وشر يجتنب".

واستيعاب هذه الآية الكريمة ، وفهم ما جاء بها حق الفهم، يتطلب تعقب كل ما ورد بكتاب الله من آيات بها ذكر للعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وعن الفحشاء والمنكر والبغي.

وعندما ألقيت هذه الآية وحدها على سمع أكثم بن صيفي كانت كافية لأن يطلب من قبيلته التعجيل بالدخول في الإسلام قبل أن يسبقهم إليه غيرهم من قبائل العرب.وكانت تلك الآية أيضا سبب إسلام عثمان بن مظعون عندما حضر نزول الوحي بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجلس بجواره.

وكلمة يعظكم تعني : ينصحكم ، وينبهكم ويوصيكم ، ولعلكم تذكرون تعني لعلكم تتذكرون ما أمركم به دائما ونهاكم عنه بواسطة اﻷنبياء والمرسلين منذ عهد آدم فتلتزمون به ولا تتعدوا حدوده.وﻻتغفلون عنه.ويشمل ما نهى عنه دوافعه من فجور النفس ، فداء اﻹثرة واﻷنانية يعد الدافع إلى الظلم والبغي والعدوان ، أي الفحشاء والمنكر والبغي وقطع صلات اﻷرحام، كما ينطوي الظلم أيضا على العنف المادي والرمزي، ويدخل كل ذلك فيما هو منهي عنه وهو أيضا نقيض للتقوى.فمن فضل مصلحة اﻷنا عن مصالح المجموع فقد أتي فجورا، ومن دمج مصلحته في مصلحة المجموع ، كان ذلك دليل على تقواه..

أ - الثلاثة المأمور بها:
العــــدل
والعدل هو الإنصاف والقسط، والحكم بالعدل: أن يعطى من حكم بين اثنين الحق لصاحبه، ويمنع منه الباغي عليه، أي من ظلمه في حقه واستولى عليه أو نازعه فيه. والإحسان في العدل يعود إلى من يرد ما عليه من حق لصاحبه ، وأريحيته وكرمه . فهو أما أن يزيد صاحب الحق على حقه إن كان مدينا له ، وهكذا كان يفعل رسول الله، أو تنازل الدائن لمدينه عن بعض أو كل حقه عليه طواعية لما يعرفه من عسره وحاجته أو تقديرا لظروفه أو حفظا على مودته، ومن ذلك قَوْله تعالى ” وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْره عَلَى اللَّه ” وَقَوله” وَالْجُرُوح قِصَاص فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ ”...وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن..". و العدل بين الأولاد هو المساواة لهم في العطاء والاهتمام بهم دون تمييز أحدهم عن الآخر. وأن تكون عادلا مع نفسك ولا تظلمها هي أن تؤمن بالله وتعبده وترجى رحمته وتشكره على نعمائه ولا تشرك معه في عبادته أحدا. و كذا العدل بين زوجاتك إن كان لك أكثر من زوجة في كل شيء. والعدل في الشهادة يقتضي الصدق فيها وعدم تحريفها مجاملة لأحد أو خوفا من غضبه، قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين " (الأنعام \ 135 ] ) وقوله تعالى في نفس السورة:" وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"(الأنعام::152).

الإحسان
الإحسان في اللغة مصدر، تقول أحسن يحسن إحسانًا، ويتعدى بنفسه وبغيره تقول أحسنت كذا إذا اتقنته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع. والإحسان: ضدُّ الإساءة. إحسانًا، أي: يَعلَمه ويُتقِنه. والحُسن: ضدُّ القبح، وحَسَّن الشيء تحسينًا زيَّنه. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} (النساء: 125). ويقول:"وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ". و"إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون".و "إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ".
.وفال صلي الله عليه وسلم :"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، أي أوجب على المؤمنين الإحسان في كل شيء.

ويكتمل بالإحسان مثلث العقيدة المكون من الإسلام والإيمان والإحسان . ويعد الإحسان الجانب العملي المتمم للإيمان باعتبار أن الإيمان هو الأساس النظري أو الثقافي للعقيدة. فالإحسان هو الترجمة العملية للعلم اليقيني الثابت بالتجربة والبرهان، أو الذي توصل إليه بفطرته الوجدان، أو وجد دليلا عليه في القرآن، فتتحول المعرفة إلى عمل منظور، وواقع معاش وتقوى ظاهرة للعيان. وهو بذلك جماع أفعال وجهود تبذل في سبيل الله ، وابتغاء مرضاته أو صدوعا لأمره وتوجيهاته .وجميعها يعد من قبيل العبادات حتى لو كانت يسيرة كإزالة حجر أو إماطة أذي عن الطريق للتيسير علي السالكين أو كلمة طيبة ، أو نشر علم نافع للأنام ، أو كانت تعود بالنفع علي صاحبها أو على غيره ،مثل زرع نبتة أو غرس فسيلة ، أو عمل أحله الله أقبل عليه بدافع من الغريزة أو الشهوة مثل وصال زوجته . فجميع هذه التصرفات وما يشبهها، مع تنوعها وتفاوتها في الأهمية ، اعتبرتها العقيدة من الإحسان الذي يدفع إليه التقوى ،ومن العبادات التي يثاب عليها فاعلها ويجزيه الله عنها خيرا ، باعتبارها فعال حسنة تحسن الحياة أو تزيد من حسنها. والحياة الدنيا في العقيدة موصولة بالآخرة، إذ هي الطريق الموصلة إليها. فان فعل في الدنيا حسنا وجد في الآخرة ما هو أحسن منه ثوابا حيث" لا يضيع الله أجر من أحسن عمل"، "والله يحب المحسنين."

ويقول القرطبي في شرح قول الله تعالى: "مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (التوبة- 91): "هذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن.

ويقول الله تعالي:" واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا ، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب"ويقول صلي الله عليه وسلم "إن الله كتب الإحسان في كل شيء" ولذا فان الإحسان مطلوب في جميع مناحي الحياة وفي جميع العلاقات الإنسانية. ويدخل ضمن الإحسان القول الطيب والعمل الصالح وإسداء النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتقان العمل وحسن العشرة بالمعروف وحسن معاملة الوالدين والزوجة والأولاد والجيران والخدم وعتق الرقاب وتحريرها وإطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف وكذلك التسامح والمبادرة إلي الخيرات وجبر العثرات ودرء المفاسد وجلب المصالح، والسماح في الحق تفضلا وكرما.

وكلمة الإحسان مشتقة من الحسن وهو الجمال ، والله يحب الجمال ويكره القبح والسوء والخبائث من القول والأعمال. ولذا يجزي علي العمل الحسن اذا جاء به المحسن إيمانا به وحبا فيه "ومن يعمل صالحا وهو مؤمن فلا يخاف ظلما و لا هضما"(طه112).

والمقصود به في آية سورة النحل إلى جانب تلك المعاني، هو التفضل على الغير بما يزيد عن حقهم ، أو بما لا يلزمونك به، ولا هو مفروض عليكـ منهم ، وسواء كان الغير أنسانا أو حيوانا فتحسن إليهم من تلقاء نفسك طاعة لربك ، وإتباعا لأمره لك بالإحسان إليهم وطلبا لمرضاته . ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكم في كل ذي كبد رطبة أجرا"، أي أذا أحسنتم إليه.

إيتاء ذي القربى
وإيتاء ذي القربى : يعن وصلهم والتواد معهم . و"ذي القربى" لفظ يطلق على الأقرباء لك في النسب أو الرحم أو المكان. فأصولك وفروعك من أقربائك في النسب أو العصب وباقي أقربائك هم من ذوى الأرحام ، والجار هو قريب لك في المكان والجار الأقرب لك أولى من الجار الجنب ، وكلاهما أوصى الله به ، وقال صلى الله عليه وسلم : "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". وهناك أيضا الأقرباء لك في دينك وفي وطنك ، وتعبير:" ذي القربى" يعني في أضيق حلقة لتطبيقه : اﻷهل واﻷصهار ولكن تتسع الحلقات بعد ذلك لتشمل اﻹنسانية كلها باعتبار : "كلكم من آدم".
.كل ذوى القربى هؤلاء بأمرك الله إيتائهم بالمعروف، وسد حاجتهم لو كان في مقدورك سدها، من العفو، أي ما يزيد عن حاجتك. ويعد إهمالك لإيتائهم كما أمرك الله : بغي منك عليهم نهاك عنه الله..

ب – الثلاثة المنهي عنها

الفحشـــاء وهي من الظلم
فالعدل إذا كان نقيضه في اللغة: الظلم والجور، فقد عبر عن الظلم هنا بالفحشاء. ويطلق لفظ الفحشاء على كل عمل أو قول قبيح، أو خصلة قبيحة مذمومة.
و وصف الظلم بالفحشاء هنا ليس للتنفير منه فقط، وإنما لبيان أن كل ما يندرج ضمن مفهوم الفحشاء يعد ظلما. والزنا، وهو أسوء أعمال الفاحشة ، ومن كبائر الإثم، فيه ظلم مزدوج ، حيث يظلم فيه كل طرف نفسه ويظلم كذلك شريكه في الإثم . وإذا كان أحدهما متزوج فهو يدفع شريكه إلى الخيانة، ويعرضه لسوء السمعة. ويقول تعالى في معرض قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز :" و راودته التي هو في بيتها عن نفسه، و غلقت الأبواب و قالت هيت لك (أي هيئت نفسي لك) قال معاذ الله إنه ربي (يقصد زوجها الذي رباه) أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون". فاعتبر خيانته لزوجها ظلم له.
وإذا كان شريكا الزنا بمرض معد نقله إلى شريكه، وفي كل ذلك مظالم يلحقها به.

ويقول تعالي: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم * يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب "(البقرة:268 و269 ) .
ويشمل النهي هنا أيضا كل من الظلم أو الفحش البين والظلم أو الفحش الخفي، قال تعالى:" قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " (الأعراف :33 ).وسنلاحظ هنا أنه ألحق بتحريم الفحشاء تحريم الإثم والبغي معها.

والشرك بالله هو أكبر ظلم يوقعه الإنسان بنفسه ، قال تعالى : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون " (الأنعام:151 (وكل ما ورد في هذه الآية من المحرمات يعد من الظلم، ظلم الإنسان لنفسه أو لغيره أو جوره عليه. والله "يغفر الذنوب جميعا إلا أن يشرك به."

المنكر: وهو كل إثم وما يعد من السوء
وإذا كان ما يقابل اﻹحسان في اللغة هو: الإساءة ، وهي إثم عبر عنه بالمنكر ، والمنكر: اسم مفعول من أنكر الشيء ينكره، إذا لم يعرفه أو لم يعترف به ، بسبب كراهية الناس له .
وهو هنا : كل ما أنكره الشرع أو ينكره الناس لفساده وضرره من كل الأقوال والأفعال.وقد تعارف الناس على أن كل عمل سيئ هو منكر ومكروه منهم ، ويستنكرون أن ينسب إليهم فعله.

البغي: وفيه قطع للأرحام وظلم لذوي القربى
وإذا كان ما يقابل إيتاء ذي القربى هو قطع اﻷرحام ، فقد عبر عن ذلك بالبغي، لبيان شدة فساد ما نهي عنه.والبغي غير الظلم،ولو أنهما صنوان. فالظلم هو سلب حق الغير وأنت تعلم أنه من حقه، أي أنك ﻻ تنكر عليه الحق، أما البغي فهو منع إعطاء الغير حقه، إنكارا منك لحقه عليك. ولذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا - مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة - من البغي وقطيعة الرحم " وقطيعة الرحم من البغي، ويعد هنا قد قدم العام على الخاص. والبغي أيضا هو الكبر والاستعلاء والطغيان والاستبداد بالناس وإلحاق بهم الأذى وكل ما يعد ضمن الظلم والعدوان.

الصحة النفسية وطاعة الله
إن طاعة الله بإتباع أوامره واجتناب ما نهى عنه تتطلب أن يكون المرء متمتعا بكامل الصحة النفسية والعقلية التي يزيدها ويرقى بها الإيمان والإحسان ، وبما يمكنه من تغليب العقل على الهوى ونزعات النفس والحفاظ على الاستقامة.
ولذا فإن الصحة النفسية هي حالة من السواء النفسي في العقل والوجدان والحركة تمكن الإنسان من التوافق مع العالم الداخلي ومع العالم الخارجي. ; الإحساس بالاطمئنان والأمان والرضا عن الذات والقدرة على التكيف مع المجتمع وظروفه ومعايشة الناس في سلام معهم وتواصل وتفاعل بناء .
وإذا كانت طاعة الله على أفضل وجه تتطلب التمتع بالصحة النفسية فإن الإيمان والعمل الصالح المرافق له، أي الإحسان، يمنحان المؤمن مناعة ضد الأمراض النفسية. حيث يمكنه الإيمان من امتلاك رؤية واضحة عن الكون والنفس. ويمكنه العمل الصالح من الرضا عن النفس. ويمكنانه ، الإيمان والعمل الصالح، أيضا من الفهم الصحيح لما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله، حيث يتغلب عقله على هواه وأوهامه وأية عصبية لديه ، فلا ينحرف في الفهم إرضاء لنوازعه النفسية التي تتحكم فيه وفي تفكيره وسلوكه على نحو لا أرادي.
وقد وصف الله النفس القلقة بالنفس اللوامة والنفس المستقرة بالنفس الطيبة التي تغلب تقواها على فجورها، فزكاها. وكلما اقترب العبد من ربه كلما أنزل الله سكينته على قلبه وكلما ذكر الله كلما امتلأت نفسه نورا واطمئنانا وسلاما ومحبة.

قال تعالى:" "يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ" وقال:"فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .وقال:"
"هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ".

ومن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم الهامة لحفظ التوازن النفسي ، ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس فقال له :"يا غلام إني أعلمك كلمات: إحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك ، وإذا سألت فاسأل الله، وإن استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله علك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. وفي رواية أخرى، أحفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع الصبر يسرا".

العبرة بما يقبله العقل وليس بأقوال السلف
وﻻيحتج على غير ذلك الفهم بأقوال السلف طالما يتفق مع العقل ومع اللغة القرآنية ومع السياق ومع ماجاء في نفس موضوع الآية من آيات أخرى في كتاب الله أخذا في الاعتبار للوحدة البنيوية للقرآن وأن آياته تفسر بعضها بعضا ، وبما يتفق أيضا مع ما ورد في السنة النبوية . فإن تم الفهم وفق ذلك و كان في أقوال بعضهم ما يخالفه،وجب تجاوز الأقوال المخالفة له، ﻷن الله لم ينعم علينا بالعقل لكي تفكر بعقول الموتى أو اﻷحياء ، وإنما تتفكر في آيات الله ونفهم بعمق ما أمر به ونهي عنه وكل أحكامه، واﻻ كنا مثل من قالوا:هذا ما وجدنا عليه آباءنا عليه وإنا لهم لمتبعون، أو كنا كأﻹمعه ،إن أحسن الناص أحسنا وإن أساءوا أسأنا ، بينما أمرنا رسول الله إن أحسنوا أن نحسن وإن أساءوا أن نتجنب أساءتهم . وﻻ يجب أن نتبعهم في كل شيء بدعوى أنهم أعلم منا بأمور ديننا، ونلزم نفسنا بالسمع والطاعة لهم ، بينما أمرنا الله أن نطيع الله ورسوله قبل طاعة أولي اﻷمر منا(أي أهل العلم)، فإن لم نجد في كتاب الله ورسوله ما ننشده، أطعنا أولى الأمر ، أي أهل العلم، فيما تقبله عقولنا وضمائرنا ويتفق مع تقوانا، و إﻻ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق الذي أمرنا باﻹحسان والتقوى هي تعبير عن اﻹحسان الذي يتطلب أن تتقي الله حيثما كنت ﻷنه يراك ، وإن لم تكن تراه.

الفرق بين المعلم والعالم:
إن معلم الفيزياء ليس بعالم ,وإنما حامل علم، ولو أن اينشتاين اقتصر علمه على ما قال به نيوتن ما احتسب عالما، ولكنه تجاوزه وأعلن عن النسبية ، وماري كوري لو لم تكتشف "البولونيوم" المشع ما احتسبت عالمة.
إن العالم هو من يضيف الى العلم ويبدع فيه، وﻻ يتأتي له ذلك إن لم يستعمل عقله في مراجعة ما قال به اﻷولون و اﻹضافة إليه بما يمليه عليه عقله وما يلهمه يه موﻻه.

الحاجة الى تطوير المعرفة بأمور الدين والدنيا
الإتيان بالجديد هو ما يدفع إليه الفضول المعرفي المرتبط بالتفكير والتأمل العميق. ولوﻻ هذا الفضول المعرفي ما تقدم العالم وما ينطبق على المعرفة بأمور الدنيا يرتبط بأمور الدين،وهذا يندرج في " فينومينولوجيا" الإدراك "التي تقود الى فينومينولوجيا الوعي ،واكتساب المعرفة والخبرة، والتي يمكن بالتفكر في كتاب الله توسيع نطاق آفاقها بما يتم به تجاوز هرسل وموريس ميرلو بونتي ، بالعودة للأمور ذاتها السابق بحثها لتحقيق فهم أفضل لها، من حيث اللغة والمعني.وكما يقول ميرلو بونتي: "إن العالم ليس بمثابة الموضوع الذي يمثل أمام الذات الواعية، فهذه الذات ليس لها القدرة على تملكه. وإنما العالم هو الوسط الطبيعي أو المجال الأولي الذي تتحقق فيه إدراكاتنا الحسية لعالم و وتتكون فيه أفكارنا". وإذا اكتفينا أن تعيش على هامش العالم دون اﻹسهام فيه بفكرنا ، فسننتقل من التخلف إلى ما هو أسوء منه وأدني.
وقد اهتم الكثيرون بالعدل واﻹحسان ولم يهتموا بنفس القدر بمعني إيتاء ذي القربى في نطاقه الإنساني الواسع، فيدعون إليه، وﻻ بمعني البغي الذي يعتبر النقيض له، فيوضحون مفاسده ومضاره .
فوزي منصور

Sunday, April 1, 2012

.إنحرافات في فكر الإخوان والسلفيين المصريين، تجعل أولوياتهم خلاف ما يحتاجه الشعب منهم.

ما سيتم تناوله هنا هو مدى ملائمة فكر الإخوان والسلفيين لإدارة الشأن العام في مصر، بعد أن شكلوا أغلبية في مجلسي الشعب والشورى ويتطلعون إلى تشكيل حكومة منهم ، وسيطروا على لجنة وضع الدستور، ورشحوا واحدا منهم لتولي الرئاسة ، وبالتالي ، صاروا على وشك أن يهيمنوا على السلطات التشريعية والتنفيذية في مصر، إذا استمرت الظروف تعمل لصالحهم.

فكر الإخوان المسلمين
يستمد الإخوان فكرهم حتى الآن بصفة أساسية من فكر المؤسس الأستاذ حسن البنا المتمثل في خطاباته ، دون أن يعني هذا أنهم يجسدونه في تفكيرهم وسلوكياتهم ، وإنما يؤولونه بما يتفق مع توجهاتهم والظروف السياسية المتغيرة.

نشأ الأستاذ حسن البنا في بيئة دينية حيث كان والدها متصوفا، وعندما ذهب إلى القاهرة للدراسة في كلية دار العلوم ، اهتم بالجمعيات ذات الاهتمام بالتربية الدينية والأخلاقية ، ومن تلك الجمعيات جماعة الشبان المسلمين التي كانت تهتم بالتربية البدنية وبالأعمال الكشفية والثقافة الدينية وجمعية مكارم الأخلاق التي كانت تهتم بالقيم الأخلاقية الدينية وجماعة أنصار السنة المحمدية ذات الفكر السلفي التي كانت تهتم بالدعوة الدينية، وقد أراد أن ينشئ جمعية تجمع كل تلك النشاطات معا والتي تعتبر متكاملة، فكان أن أسس جمعية خيرية باسم جمعية الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928حيث كان يعمل مدرسا للغة العربية والدين في مدرسة الإسماعيلية الابتدائية. ولم يكن له في ذلك الوقت اهتماما بالسياسة إلا أن قامت ثورة 1936 في فلسطين على الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني وأجهضها الانجليز وأعدموا قادتها وكان منهم علماء دين، ثم نشبت الحرب الفلسطينية وقررت الجماعة نصرة الفلسطينيين وإرسال متطوعين للمشاركة في الحرب ، وبدأ الاحتكاك بالسياسة والتطلع لبناء دولة تدافع عن الإسلام والمسلمين.
فوجئ الأستاذ حسن البنا بعد ذلك باغتيال محمود فهمي النقراشي واتهام أحد أعضاء الجماعة بقتله وأن ذلك تم بدون علمه ، وصدور قرار بحل الجماعة ، وأيقن وقتها بأن الجماعة قد انحرفت عن رسالتها الدعوية والتربوية السلمية ، وقرر اعتزالها، والانضمام إلى جمعية الشبان المسلمين كعضو عادي فيها . وعندما ذهب لتنفيذ ما عزم عليه أطلقت عليه عدة رصاصات من الخلف من أشخاص يركبون سيارة وهو على عتبة الجمعية، ، فأردوه قتيلا. و اتضح فيما بعد بأن السيارة مدير أمن القاهرة، والذي اعتبر الجناة المجهولون حصلوا على السيارة واستعملوها بدون علم منه لإلصاق التهمة بالجهاز الأمني للدولة، وإبعاد الشبهات عنهم.

ما يهمنا هنا بأن الجماعة بعد التخلص من مؤسسها، قادها أفراد حكمتهم التطلعات السياسية، وليس العمل التربوي والدعوى . وانخرطوا في العمل السياسي السري والعلني طلبا للسلطة حتى يومنا هذا.وبسبب تعرض علاقتها بالسلطة إلى مد يشهد تصالحا لفترة قصيرة، وجزر يطول أمده أحيانا، ويشمل القمع والاعتقالات والتعذيب غالبا، فإن الإخوان لم يطوروا فكرهم السياسي خاصة أنهم لم يكن لديهم أمل في إمكانية الاستيلاء على سلطة يمسك عليها بقوة نظام استبدادي قمعي ووحشي في أمد منظور .مما دفعهم إلى عدم الاهتمام بالشؤون السياسية والاقتصادية والتنظيمية للدولة،التي يتطلبها إدارة الشأن العام ، في حالة استلامهم الحكم. وعندما وجدوا السلطة قد جاءتهم على طبق من ذهب دون مجهود بذلوه للحصول عليها، بعد ثورة 25 يناير، أصابهم الارتباك والتخبط. وصاروا كلما وعدوا بشيء نقضوه بعد فترة، وتراجعوا عنه.
كما أن الفكر الديني الذي ساد لديهم ، بسبب سيطرة ما هو سياسي على ما هو دعوي فيه، ابتعد عن الروحانيات. ولم تعد سلوكياتهم وممارساتهم ، التي تغلبت عليها البراغماتيكية(النفعية) ، تظهر التزامهم بالقيم الأخلاقية الدينية. وحل محل القيم نزعة طاغية لامتلاك السلطة والاستئثار بها ،واختفي عنصر التصوف الذي كان مدمجا في فكر المؤسس. بل سنجد بعض من انسحبوا من الجماعة يبررون تركهم لها بخيانتها فكر المؤسس، أو الانحراف عنه. وآخر من أعلن استقالته من الجماعة احتجاجا على سياستها، التي اعتبرتها خيانة للثورة الشعبية،كان الدكتور كمال الهلباوي أحد قياديها المقيم في بريطانيا ، وعضو سابق في مجلس إرشاد الجماعة، يوم أمس 31مارس2012.

الشيوعيون والإخوان
يوجد قاسم مشترك بين الشيوعيين واﻹخوان ، فكلاهما يدعي أنه يملك فكرا كليانيا أو شموليا مثاليا ﻻيقبل النقد أو المراجعة أو النقاش ، ويلزم فرضه على المجتمع وأن يخضع وينصاع المجتمع له طواعية أم كرها ، وحظر أي فكر معارض له حتى لو استدعى ذلك استعمال القوة والعنف.و كلاهما بالتالي أضفى قداسة على أطروحته، قداسة مادية عند الشيوعيين وقداسة روحية عند اﻹخوان. ومثلما قمعت اﻷنظمة الشيوعية حرية الفكر واﻷبداع عندما ملكت السلطة، فلا يوجد ما يمنع اﻹخوان من إتباع سبيلهم.وهذا سبب خوف منافسيهم السياسيين منهم وعدم ثقتهم فيهم، خاصة وأن كل تصرفاتهم وتحالفاتهم واستغلالهم ما يسمونه الفرصة التاريخية المتاحة لتمكينهم للسيطرة المنفردة على المجتمع، وتحديد مصيره ، تزيد من هذه المخاوف وﻻ تحد منها، بل تعززها.

الفكر السلفي
السلفيون جماعات متعددة ولكل منها ظروفها ومنهجها وفكرها، وكانت كلها قبل ثورة يناير المصرية تبتعد عن الشأن السياسي، وتحاول أن تكون على علاقة يمكن وصفها بالمسالمة أو المهادنة،مع الأجهزة الأمنية المصرية تجنبا لأذاها وقمعها .ويتهمها البعض بأنها كانت تعمل في خدمة تلك الأجهزة الأمنية لاتقاء شرها.
واختلف الأمر بعد الثورة حين أوحى إليهم المجلس العسكري، الذي حل محل الرئيس المخلوع في مباشرة سلطته، بإمكانهم تأسيس أحزاب سياسية . ، فأسسوا لأول مرة في تاريخهم أحزابا سياسية كان أبرزها حزب النور السلفي الذي يتشكل أساسا من سلفيي الإسكندرية، الذين كانوا في السبعينيات طلبة في جامعة الإسكندرية، ويعتبرون بسبب تعليمهم الجامعي، على قدر من الثقافة الدينية وأيضا المعرفة المهنية وفق تخصصاتهم العلمية، ولكن انضم إليهم في نفس الوقت سلفيون من مستويات تعليمية أدني من ذلك.

وقد ظهر من السلفيين أشخاص اكتسبوا شهرة واسعة كدعاة، نتيجة سعي قنوات فضائية لاستقطابهم استثمارا لشهرتهم واجتذابا لجمهورهم وأتباعهم لزيادة رقم المشاهدة ، وأغدقت عليهم بالأموال، فتحول الكثير منهم إلى أثرياء. وبحيازة الشهرة والثراء معا استطاعوا أن يتصدروا الجماعات والأحزاب السلفية، والدخول إلى الانتخابات باسمها، ودخول البرلمان بعد ذلك عن طريقها، والاشتغال بالسياسة وهجر الدعوة. وهؤلاء لا يملكون ثقافة ولا خبرة لهم ولا دراية بالسياسة. كما أن فكرهم الديني كدعاة معظمه فكر سقيم متخلف عن العصر، ولا يصلح لتربية دينية رشيدة. وحرص كل هؤلاء على أطالة اللحى ولبس الجلباب باعتبار أن ذلك من متطلبات الالتزام بالسنة أي اهتموا في الدين بما هو شكلي أكثر مما هو موضوعي ، أو بالمظهر الخارجي الخاص المميز لهم أكثر من جوهر الدين.

ويمكن القول إن رجل الدين اﻷزهري المغمور حليق اللحية ، الذي يحفظ كتاب الله ، و ليس له" كاسيتات" أو" سيديهات" تباع في اﻷسواق الشعبية وﻻ يظهر على شاشة الفضائيات،وينحصر دخله في راتبه الشهري من عمله في التدريس أو الوعظ في مساجد اﻷوقاف، هو اﻷكثر علما بالعلوم الشرعية وبمذاهب أهل السنة والجماعة وأكثر إتباعا لها ممن يطلق عليهم دعاة السلفيين الذين تقبل عليهم الفضائيات التجارية لما اكتسبوه من شهرة لدى اﻷميين وأنصاف المتعلمين ممن يجهلون دينهم، وﻻصبر لهم على قراءة المراجع الدينية لكي يعلمون أنفسهم الدين من مصادره، وليس من أفواه دعاة التلفزة..هؤﻻء الدعاة المشهورون ﻻ يجرؤ أي منهم على مناظرة أزهري واحد، رغم ما يدعونه من امتلاك العلوم الشرعية وأنهم من أهل السنة والجماعة وأتباع السلف الصالح،.

كما ﻻيستطيع أي منهم أن يصمد أمام مثقف يحسن معرفة دينه وأتيح له أن يحفظ كتاب الله. أو ما يحتاج إلى الاستشهاد به من آياته لدعم رأيه.
وقد ناظر حمدي قنديل أحد شيوخ السلفية فأفحمه وأحرجه، وأراد شيخ آخر أن يطيب خاطر زميله ، فلم يتعرض لحجج قنديل ويفندها ، وإنما قال لزميله إن هؤلاء لا يعرفون شيئا من العلوم الشرعية ، وأقسم بالله أنه لو سؤل أحدهم عن فرائض الوضوء وسننه والواجب فيه والمندوب والمستحسن والمكروه ما أستطاع أن يجيب على السؤال.

وفي نفس الوقت يخشى المثقفون ، اﻷكثر علما وفهما لدينهم منهم، ولكن لم يقدر لهم حفظ كتاب الله مثلهم، التعرض لهم، إذ يشعرون بسبب عدم حفظهم القرآن، بالنقص إزائهم، فهو ﻻ يستطيعون الاستشهاد على صحة كلامهم بأية من القرآن وهو يقرؤون القرآن ويتعبدون بالتفكر فيه ، وفهم معانيه، ولكنهم ﻻ يستطيعون حفظه. و ما يحفظونه من آيات يخشون إن احتاجوها للاستشهاد بما فيها، أن تخونهم ذاكرتهم أو يخطئون فيها وينسون منها لفظا.

و الكثير من هؤﻻء الدعاة السلفيين بعد أن حفظوا القرآن الكريم في الكتاب (المسيد كما يعرف في المغرب أو الخلوة كما يعرف في السودان ) لم يلتحق بأي مدرسة ، ووعظه بالعامية ليس لكي يفهمه الشعب، وإنما لجهله العربية الفصحى. ولا ينتظر ممن يجهل لغة القرآن العربية أن يتمكن من فهم معاني ألفاظ القرآن ودلالاتها اللغوية أو الفقهية.
.
. والقليل منهم التحق بالمدارس بعد الكتاب ، وواصل التعليم حتى تخرج من الجامعة، ولكنه لم يجد عملا أو وجد المهنة التي تعلمها ﻻتحقق طموحاته المادية مثل ما يتحقق للدعاة الذين لم يتعلموا مثله، فأطلق لحيته ،وسار على نهجهم دربهم وصار داعيا. وبعد قيام الثورة كانوا ممن امتطوا صهوتها، ووجد فيها فرصة تمكنه من أن يجمع بين السلطة ومغانمها المادية والرمزية والمعنوية، وبين الثروة، ويزداد بذلك ثراء وعلوا في اﻷرض..

ما الحل إذن، ﻻ بالنسبة للحاضر، وإنما بالنسبة للمستقبل؟..أﻻ يجب علينا جميعا اﻻهتمام بتحفيظ أطفالنا ، ذكورا وإناثا، القرآن الكريم إلى جانب تأمين تعليم ديني صحيح وعلمي راق لهم؟.

إن شعوبنا شعوب متدينة، والدين جزء ﻻ يتجزأ من هويتها. وهو اﻷمر الذي على الجميع استيعابه وعدم تجاهله. والعلم الصحيح بالدين ﻻ يتناقض مع تحصيل كافة العلوم الإنسانية والتطبيقية . فقد كان علماء المسلمين زمن ازدهار الحضارة اﻻسلامية علماء موسوعيون، يجمعون إلى جانب الفقه دراسة الفلك والرياضيات والطب والفيزياء إلى بداية العصر الحديث الذي انهارت فيه حضارة المسلمين، وانتقلت علومهم إلى أوروبا ،وغرقت بلدانهم في الظلمات.

كما أن ترك أولادنا يتعلمون الدين من هؤلاء الدعاة المحترفين الذين لا يتوفرون على تكوين علمي سليم، سيشوه عقيدتهم ويزيد المجتمع تخلفا على ما هو عليه.

السلفيون والمرأة
أكثر ما يلفت النظر في اهتمامات السلفيين هو تركيزهم على كل ما له علاقة بالنساء وأمورهن، ويغفلون حاجة المجتمع للتخلص من الفقر والبطالة والتخلف الحضاري ؟..ﻻتوجد أدني علاقة للدين أو التقوى والورع كما يدعون بحصرهم اهتمامهم بأمور النساء وكان حجب المرأة أو الإقلال من قيمتها أو تقييد حريتها، أو نوع ما ترتديه من ملابس ، ومالا تخفيه من جسمها ،هو سبب ما ابتلي به المجتمع من رزايا ومصائب ، أو كان خلف اﻻستبداد والفساد والمظالم والموبقات التي يعانيها.

الدافع الوحيد لدى هؤﻻء ليس التقوى وإنما إصابتهم لسبب ما بالقصور ألشبقي الناتج عن إصابات خلال فترة المراهقة بالبلهارسيا قبل هجرتهم إلى المدن، أو بسبب إدمانهم العادة السرية في شبابهم، أو البدانة المفرطة الناتجة عن النهم في الطعام، أو نقص إفراز هرمون التستيرون أو زيادة هرمون البرولاكتين أو الإصابة بالسكري وضغط الدم وترسب الكلوستيرول على جدران الأوعية الدموية أو الشيخوخة أو بتليف الكبد والتهابه وتشمعه أو تليف في عضو التناسل بسبب الإصابة بمرض البيرونيس يتسبب في اعوجاجه،أو في الجهاز العصبي المركزي أو نتيجة تعاطي المخدرات والإفراط التدخين و في تناول الخمور أو تسلط أوهام عن مقومات الرجولة والأنوثة عليه قد تشعره بنقص وهمي أي يكون السبب نفسي وليس عضوي.. أو غير ذلك من اﻷسباب التي تسببت في القصور الشبقي لدى المصاب به والتي المتمثل غالبا في ضعف الانتصاب أو سرعة القذف.

و اﻷحساس بالنقص في هذا الجانب يزيد من اﻻهتمام بكل ما يتعلق بالشبق وبالنساء إلى حد الهوس. في محاولة يائسة لتعويضه . كما يتسبب عنه أيضا كراهية النساء اللاتي تذكره رؤيتهم بقصوره وتزيد إحساسه بينما بتمتع بهن غيره، ويأمل بذلك أن يتم تغييبهن واختفائهن خلف الجدران أو خلف نقاب لا يظهر منهن شيئا، وهو يلوى ألفاظ القرآن لكي تتفق مع رؤيته وتساندها ويصر على تأويلها بما يتفق مع تلك الرؤية المريضة.

خلال زيارة لي لبلجيكا وجدت في شارع رئيس ببروكسل في منتصف الثمانينيات ،طابورا على الرصيف المقابل أمام باب محل، لم أستطع قراءة ﻻفته عن بعد بسبب ضعف نظري، فعبرت الشارع فإذا به محل لعروض" السترابتيز" يقف على بابه حارسان زنجيان شدادا. وكل من اصطفوا في الطابور رجال فوق سن السبعين. دفعهم الحرمان من الشبق كنتيجة للقصور فيه بسبب التقدم في العمر إلى تعويضه ب رؤية النساء يتجردن من ملابسهن قطعة تلو أخرى، وربما تخيلهن في أوضاع شبقية معهم وهن عاريات، تعوض في الخيال ما يعجزون عن تحقيقه في الواقع.

وفي أحدي برقيات السفارة البريطانية بالقاهرة لوزارة الخارجية البريطانية ذكرت أن سبب طلاق الملك فاروق من الملكة فريدة ومطاردته للنساء يرجع إلى ما بلغها من بعض المقربين إليه في القصر من أنه يعاني من قصور شبقي ﻻ يمنع الحمل ولكنه يحول دون التمتع بالمعاشرة الشبقية.

.بالطبع ليس كلهم ينطبق عليهم ذلك ، وإنما هناك أيضا ظاهرة اﻻتباع أو اﻹمعية ، حيث يتشبع أتباعهم بما يقولونه ويتبعونهم فيه باعتباره من مقتضيات الحفاظ على الدين واﻷمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع ضحالة ثقافتهم العامة والدينية.
وﻷن أحاديث شيوخهم ﻻ تخرج عن نطاق الحديث عن الغسل والطهارة من الطمث والنفاس وآداب الجماع وحجاب النساء ونقصهم في العقل والدين ، ووجوب اتقاء فتنتهن، ومنعهن من العمل والتعليم ومن الخروج من بيوتهن وكل ما يتحقق منه اختلاطهن بالرجال. وعموما، كل ما يتعلق بأمور النساء. ولذا تراهم لا ينفكون يكررون ما تعلموه من مشايخهم من النساء، حتى يخيل إليك أنهم علمهم بالدين، لا يتعدى ذلك.

وفي نفس الوقت يتضح أنهم ﻻ يفقهون شيئا في السياسة أو الاقتصاد وبالتالي لا يمكنهم التحدث عن كيفية مكافحة الفقر أو إيجاد حل للبطالة أو أي من الموضوعات اﻷكثر أهمية للمجتمع.وقد ترى الرجل منهم الذي يحتج على نشر صورة لامرأة جميلة ، حتى لو كانت ترتدي ملابس محتشمة، ويفتي بأن التصوير حرام الا للضرورة وفي جميع الحالات مكروه، ينتشي كالطاووس عندما يرى صوره تملا الصحف والمجلات أو معلقة على الحيطان..

لذا لم يكن غريبا عليهم أن ينحصر اهتمامهم في مجلس الشعب في العمل على وضع مشروع يحل محل قانون الأحوال الشخصية الذي يرون أنه وضع بضغط من زوجة الرئيس المخلوع بما يخالف الشريعة. وقد يكون في القانون عيوبا تسبب في مشاكل اجتماعية بعد صدوره، ولكن ثمة ما هو أكثر أهمية منه في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد.

القيم والحقوق وحكم الله في الشريعة
يتوافق الإخوان المسلمون المصريون والسلفيون على تطبيق الشريعة، والمتتبع لخطاباتهم يجد أن فهمهم لتطبيق الشريعة لا يكاد يتعدى تطبيق الحدود في العقوبات إلا قليلا. وبمقارنتهم بحزب العدالة والتنمية التركي أو العدالة والتنمية المغربي، أو حزب النهضة التونسي، سنجد لدى الأحزاب الثلاثة الأخيرة مفهوما أوسع نطاقا للشريعة يتضمن كل القيم والحقوق والأحكام الواردة في القرآن والسنة وأحل الله فيها كل شيء واستثني مما أحل أمور حرمها على المسلمين.

ومن القيم إذا وصفتها بأنها من قيم الشريعة اﻹسلامية أصبت. وإن وصفتها بأنها قيم إنسانية عامة تقرها كل مجتمعات العالم على اختلاف دياناتها وأعراقها صدقت.ومما قد ﻻ تنتبه إليه أنها حزمة قيم مترابطة ﻻيمكن التخلي عن قيمة منها.

وقد يختلط عليك اﻷمر فترى أن بعضها فيم وردت في المواثيق الدولية وبعضها ينتمي إلى مكارم اﻷخلاق، ولكنك لو تمعنت فيما تعتبره من اﻷخلاق ستجده يندرج ضمن الحقوق أيضا. فاغتصاب امرأة هو اعتداء على حقها في العفة وفي الكرامة وفي العدالة وفي اﻹحسان وفي الحرية..الخ.وقد يكون مطلوبا أن تطالب الذكور و اﻹناث بالتزام العفة ولكن من حقهم في العفة أيضا أن تيسر لهم الزواج المبكر ، أو ما يعبر عنه في الدين بالتحصين، لكي يتمكنون من الحفاظ على تلك العفة واﻻ كان ما تطلبه منهم يشق عليهم و مضاد للطبيعة والفطرة..

و الإحسان حق في اﻹسلام لذوي القربى واليتامى والمساكين والفقراء وابن السبيل والغارمين..وكما تحسن إليهم من حقك عليهم أﻻ يسيئوا إليك ،فهي حقوق متبادلة.

ونفس الشيء بالنسبة للتراحم. فكما أنت مطالب بصلة الرحم فإن أرحامك أيضا مطالبون بوصلك.
وتلك القيم / الحقوق إذا انتقصت من أي قيمة منها أيضا أصيب باقي القيم بنقص فيها. وهو ما يعني أنها ﻻ تقبل الحلول الوسط أو التوافق على أقل منها أو على بعضها وإهمال الباقي . فإما أن تأخذ كلها أو تفقد قيمتها.ولذا ﻻ أستسيغ مفهوم : سلم القيم الشائع في علم الاجتماع اﻻ أذا كان يعبر عن نتيجة بحث إحصائي يوضح ترتيب اﻻهتمام في المجتمع بالقيم.

ويدخل ضمن الحقوق التي شرعها اﻻسلام والمواثيق الدولية الحق في حفظ الحياة وحفظ الدين وفي التدين، أي حرية الاعتقاد، وفي حفظ العقل وفي التملك وفي حفظ العرض والنسل.. وهي ما يعبر عنه الأصوليون بمقاصد الشريعة..

والذي يطالب بتطبيق الشريعة أو الحكم بما أنزل الله، إن لم يكن يعي بأن تطبيق الشريعة وإعمال حكم الله، يعني إرساء هذه القيم والحقوق في المجتمع كان بمثابة الجاهل بما يطلبه. وفاقد الشيء ﻻ يعطيه، وﻻ يؤمل أن يأتي فيه بخير، أو يعول عليه فيه. وعندما يقول الله:" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ..."يكون هذا بمثابة إجمال لما يتطلبه إعمال حكم الله وتطبيق الشريعة، وباقي ما ورد في القرآن من أحكام هي تفصيل لذلك. و. عندما يقول الله: "إن الحكم اﻻ لله ، أمر أﻻ تعبدوا اﻻإياه، ذلك الدين القيم.." ،فإنه يعني بذلك الالتزام بالعدل و اﻹحسان الذين يأمر بهما الله ، والتوحيد يعني التزام العدل في عبادة الله حيث من أشرك به فقد ظلم نفسه.

وهذه المعاني نجدها في كتابات واجتهادات علماء دين معاصرين، ولكننا لا نجدها تؤسس لمشروع مجتمعي لدى الإخوان والسلفيين ، ولا نجدهم أيضا يلتزمون بتلك القيم وأمثالها مثل: الوفاء بالعهد و الصدق والأمانة في التعامل مع الآخرين.

بالطبع، لا يجوز تعميم حالة فردية، قد تكون شاذة وغير متكررة،على جماعة ينتمي إليها هذا الفرد، مثل حالة البلكيمي، النائب السلفي الذي يصف نفسه بأنه داعية، والذي أجرى عملية تجميل لأنفه، وخرج من المستشفي ليقدم بلاغا يدعي فيه بأن الضمادات التي على أنفه هي ناتجة عن تعرض عصابة له اعتدت عليه، وسلبت منه مائة ألف جنيه، حتى يخفي حقيقة أنه أجرى عملية تجميل، ثم اتضح كذب ما ادعاه، ووجهت له النيابة العامة تهمة البلاغ الكاذب. كما اتهمته راقصة أيضا بأنه تزوج بها عرفيا و أنها تطالبه بالطلاق ، وأنه هددها بتشويه وجهها لو أصرت على طلب الطلاق ، أو أعلنت زواجها السري منه، وأنكر هو الزواج منها، بينما أكدته..وجود هذه الحالة عند السلفيين ، حتى لو كانت حالة فردية غير متكررة لديهم، توضح مدى الانفصال القائم لدى بعضهم بين الدين والأخلاق. وبالتالي وجود خلل في ثقافتهم الدينية.

أما عن العلاقة الملتبسة بين العسكر والإخوان حاليا، فحديثها يحتاج إلى مبحث خاص يتناولها.

فوزي منصور
http://www.fawzymansour.com

Thursday, March 29, 2012

حايين وقابين.. وقتل الأخ لأخيه

الأخ يقتل أخاه أو أخته عمدا
اليوم نشرت صحيفة أخبار اليوم المغربية في عددها الصادر يوم 29 مارس 2012 أن شابا قرويا في العشرين من عمره قتل شقيقه الأكبر منه عمدا ومع سبق الإصرار والترصد، تحت تأثير المخدرات بدعوى أنه لا يصلي. بينما القاتل نفسه لا يصلي. ونشرت أيضا أن شابا آخر قتل شقيقتيه الشابتين عمدا أيضا لأنه لم يجد لديهما ما يعطيانه لشراء المخدرات، معتبرا أن فقر أسرته لا يحتمل وجودهما..جيرانهم في الحي الشعبي شهدوا باستقامة الأختين والتزامهما.قد تحسب الحادثتين ضمن مخاطر تعاطي المخدرات، ولكنهما يكشفان أيضا بأن مجتمعاتنا هي أيضا تعيش خطرا، وإن العلاقات الأسرية ، خاصة في الأسر ، الفقيرة تعيش أزمة ، بينما تزداد هشاشتها في الكثير من الأسر الميسورة وإن لم تصل الى حد قتل الأخ لأخيه. وهذه الأسر تستغل فقرها الأحزاب السياسية للحصول على أصواتها في الانتخابات ، دون أن تساعدها لتحسين أوضاعها، وبعض تلك الأحزاب تمارس نوعا من الإحسان لهذه الأسر بالتصدق عليها في المناسبات أو إظهار التعاطف معها في حالة ما إذا مات أحد أفرادها فتساعدها على دفنه.قد يكون هذا لوجه الله ،وقد يكون للاستغلال السياسي لها ، فكلاهما وارد،ولكنه لا يغير من أوضاع تلك الأسر المأساوية شيئا،والتي تدفع أبنائها إلى الهروب عن مواجهة مشاكل مستعص عليهم حلها، مثل البطالة والفقر، إلى إدمان المخدرات ، والإقدام على ارتكاب أبشع الجرائم ، ليس في حق الغرباء فقط وإنما في حق ذوي الأرحام أيضا.السلطات الحاكمة متهمة بأنها تتعمد ترك هذه الأسر على حالها، يفسدون في الأرض ولكي يتم استغلال أفرادها ، وأن ظاهرة استخدام أجهزة أمنها للبلطجية في مواجهة الاحتجاجات من معارضيها دليل على ذلك. لم تأت الشريعة الإسلامية أيضا لإقامة الحدود على هؤلاء المساكين الهائمين على وجوههم في الشوارع وعالم الضياع ، وإنما لإنقاذهم من ذاك الضياع المزمن الأبدي. النخبة المثقفة ، خاصة اليسارية منها،معزولة عنهم ، وحينا ترتدي ثوب النفاق وتدعي الدفاع عن مصالحهم ، وحينا آخر تتعامل معهم بازدراء وتكيل لهم الاتهامات .وفي الحالتين تجهلهم وتتجاهلهم وتتركهم نهبا للجهل والفقر والمرض والانحرافات السلوكية، وتستغل أوضاعهم لدواع سياسية وليس لإيجاد حلول لها. أكثر من نصف الشعب الذي يصوت في الانتخابات من هؤلاء، هم الذين يختارون النواب الذين يتبجحون بأنهم يمثلون الشعب بينما هم لا يمثلون سوى طموحاتهم الشخصية، ولا يمتلكون أي رؤى أو يقدمون على شيء يحقق مصالح هؤلاء الناخبين التعساء.

القتل الجماعي
أن قايين مازال يقتل هايين حتى اليوم .وخاصة في الأقطار العربية والمسلمة. إذ لم يتوقف سفك الدماء والإفساد في الأرض منذ فجر الإنسانية حتى يومنا هذا، وهو ما كانت تحذر منه الملائكة يوم خلق الله آدم وقال لها: "إني جاعل في الأرض خليفة". فقالت الملائكة:" أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك". أي نحن أحق بأن نكون خلفاؤك فيها، فقال لهم المولي عز وجل: إني أعلم ما لا تعلمون..وعلم الله آدم الأسماء كلها. وعلم الله، الذي لا علم للملائكة به، هو أن آدم خلق من طين الأرض مما يجعله أكثر ارتباطا واهتماما بها وقدرة علي تعميرها. و أما خلق الله له علي هيئة البشر، في الأرض فهذا لا يعني أن يتصرف مثلهم. لأنه بالعلم الذي علمه الله سيتحول إلى إنسان لا يفسد في الأرض أو يقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. ستكون هذه هي القاعدة، إلا أن ذلك لا يمنع شذوذ من غلبت شقوته عليه من نسله. من سيرتد إلى بشريته وجاهليته الأولى ويتبع هواه حتى وإن احتسب ضمن أهل الدين.وهو ليس منهم.

وهذه الجاهلية الأولى التي يرتد الإنسان فيها إلي الموروث الكامن من بشرية ما قبل هبوط آدم إلى الأرض ، هي التي كان يعنيها سيد قطب رحمه الله، ويؤيدها التاريخ. والقول بها هو قول علمي لا يحمل في طياته أي غلو أو تطرف أو تكفير، كما تم تأويله من المغرضين، ممن في قلوبهم مرض، ولا يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا في الأرض.

أن من يفترض أنهم إخوة عرب أو مسلمون، نراهم الأمس اليوم يقتل بعضهم البعض ليبيا ومصر وسوريا و والسودان والصومال والعراق، ومن قبل في الجزائر ولبنان ، ولم يسلم بلد عربي من سفك الدماء ، ليس من عدو خارجي وإنما من بعض بنيه ضد إخوتهم في الوطن والدين. .

تكرار مأساة هايين وقايين - إن جاز في أمة أخري- لا يجوز في أمة بين يديها كتاب الله ، والحكم بما أنزل الله، يقتضي منا أن نصلح مابين أخوينا إن ظهرت بينهم بوادر خلاف أو شقاق. ولكن الذي نراه من أنظمة حاكمة هو أنها راكسة في الفتنة ، تنفخ في نارها ، إن لم تكن هي التي أشعلتها، وتستدعي إليها أعداء الأمة لمساندتها فيما هي موغلة فيه من سوء وفساد في الأرض.

قصة ابني آدم
قصة حايين وقابين أو هابيل وقابيل الواردة في القرآن الكريم موجزة ﻻ يكفي اﻻطلاع على تفاصيلها في التوراة ﻹدراك كل معانيها والحكمة المستخلصة منها .وإنما بقدر من التفكير والخيال ومعرفة ثقافة الشعوب ، يمكن تكوين صورة كاملة ، أقرب ما تكون إلى الواقعة..

قال الله تعالى في سورة المائدة : "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ" (االمائدة:27-31).

نزل آدم عليه السلام إلى اﻷرض عملاقا يبلغ طوله قرابة الثلاثة أمتار أو أكثر بينما سكانها من البشر ﻻيزيد طولهم على متر ونصف.وهو قد علمه الله اﻷسماء كلها والزراعة والصناعة وهم ﻻيعلمون شيئا ولا يستطيعون نطق كلمة فراح يعلمهم ما علمه الله له..تملكت تلك اﻷقوام الرهبة منه وأقبلوا في نفس الوقت على اﻻستفادة من علمه وتزويجه من بناتهم لكي ينجبن نسلا قويا منه، وكان الله قد أمره هو وسلالته من حواء بنفس بالزواج من بنات الناس لتحسين نسلهم وصفاتهم الوراثية. وتحويلهم من البشرية التي تفسد في الأرض وتسفك الدماء بغير وعي منها بشرور فعلها، إلى الإنسانية العاقلة التي تصلح الأرض وتحفظ الحياة فيها ، مصداقا لقوله تعالى :" يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً" (النساء:1).

وكان ممن تزوجه آدم عليه السلام من بنات الناس امرأتان: واحدة سوداء و اﻷخرى بيضاء، وأنجبت كل منهما ولدا، أجدهما عمل في الزراعة والثانية في رغي الغنم..حصد هايين الفلاح ثمار حقله فتصدق ببعض منها على من حوله من الناس تقربا إلى الله، ولكي ﻻ ينفرد دونه يرضى الله قام قايين بذبح شاة لديه و وزغ لحمها ﻹظهار أنه أكثر جودا من أخيه.أنبأهما أبوهما بأن الوحي أخبره بأن الله تقبل الثمار ولم يتقبل لحم الشاة.غضب قايين على أخيه وقرر معاقبته فاستدرجه إلى برية ﻻيراهما أحد فيها لكي يضربه ولم يكن ينوى قتله، وعندما مد يده إليه ليضربه استسلم أخوه له وقال له : مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ". فزاده ذلك غضبا واعتبره اتهاما له بأنه لا يخاف الله، وأن أخاه يريد له أن يكون مصيره جهنم عوض أن يريد له الخير، فالتقط حجرا وشج به رأس أخيه فقتله، وهو ﻻ يريد إلحاق الأذى به لتأديبه وليس القضاء عليه. حفر له ودفنه بعد أن رأي الغراب يحفر في اﻷرض، وخاف من أبيه فهرب من وجهه حتى لا يعاقبه..
وأظن، والله أعلم، أن لفظ القتل الذي تردد في الآيات هنا، ربما كان يعني الضرب العنيف وليس القتل المفضي للموت. وفي الشام يستعمل حاليا في اللغة الدارجة بهذا المعنى.. وإن صح هذا يكون قتل قايين لهايين قتلا خطأ وليس متعمدا ، وﻻ يستوجب القصاص. كما أن ما قاله هايين لأخيه كان في غلظة واستفزاز له حين قال له: " إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين". ولو قال له قولا لينا يهدئ به من غضبه ويذكره بأخوتهما ، ربما ما كان يتطور الأمر بينهما إلى ما وصل إليه. وفي ذلك يقول تعالي :" ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".
ولذلك، وحتى ﻻ يقتله أحد يعثر عليه، وعلى نحو ما ورد في التوراة، وشمه الله وشما وأمر بأن من يجد صاحب الوشم ﻻ يقتله أو يتعرض له بسوء.وظل قايين هائما على وجهه في اﻷرض. إذ تقول التوراة: فقال الرب لقابين أين هابيل أخوك فقال لا أعلم أحارس أنا لأخي ؟ ( سفر التكوين 4: 9 )... فقال ماذا فعلت ؟ صوت دم أخيك صارخ إلىَّ من الأرض . فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك متى عملت الأرض ؟؟ تعود تعطيك قوتها . تائهاً وهارباً تكون في الأرض فقال قابين للرب: ذنبي أعظم من أن يحتمل أنك قد طردتني اليوم على وجه الأرض ، ومن وجهك اختفى وأكون تائهاً وهارباً في الأرض فيكون كل من وجدني يقتلني. فقال له الرب : لذلك كل من قتل قابين فسبعة أضعاف ينتقم منه . وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده . فخرج قابين من لدن الرب وسكن في أرض نود شرقي عدن."(.التكوين من 10الى16).
وبعد أن ذكر الله قصة ابني آدم بين كيف يشكل قتل النفس جرما هائلا، فقال تعالى مباشرة:" مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ". ويحدد الله جزاء قتل المؤمن عمدا فيقول :" ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ولعنه الله وأعد له عذاباً عظيماً ".
الفلاحون والرعاة
كان الشعب في مصر القديمة ينقسم إلى فسمين: فلاحون مسالمون يزرعون اﻷرض وﻻ يبرحون مكانهم ورعاة ماشية يركبون الخيل ويحملون الرماح واﻷقواس والسهام وينتقلون من مكان ﻵخر طلبا للمرعي ، وكانت تتكون منهم الجيوش لمقاومة الغزاة،حتى أساب البلاد الجفاف فهاجروا منها غربا وجنوبا. وحرصت قبائل الرعاة من السود على وشم وجوههم حتى يعرفوا بها إلى زماننا هذا دون أن يعرفوا السبب، ويحتقرون مهنة الزراعة مثل قايين.ويتدربون على فنون القتال ويشنون الغارات على القبائل اﻷخرى. وكان التحقير متبادلا بين الطرفين على ما يبدو كما يتضح من التوراة أنه عندما وفد أخوة يوسف عليه في مصر نصحهم أن لا يخالطوا المصريين : «لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين، لأنه رجس عند المصريين». (التكوين، 43: 32) «فيكون إذا دعاكم فرعون وقال: ما صناعتكم؟ أنْ تقولوا عبيدكم أهل مواشٍ منذ صبانا إلى الآن نحن وآباؤنا جميعا، لكي تسكنوا في أرض جاسان. لأن كل راعي غنم رجس للمصريين». (سفر التكوين، 46: 31-34). وكرد فعل انتقامي لليهود الرعاة عن تحقير الفلاحين لهم فإنهم في رواياتهم لقصة حايين وقابين بكتبهم الدينية ،جعلوا قابين القاتل هو الفلاح الذي لم يتقبل قربانه من الحبوب وهايين المقتول هو الراعي الذي قبل قربانه من اللحم. وبدلوا ما جاء في التوراة ليتفق مع ذلك.
وصورت بعض الأساطير القديمة السومرية والبابلية تداعيات قصة حايين وقايين وتأثيرها في الانتروبولوجيا الاجتماعية ، فتناولت الصراع بين البدو والحضر، وبين الرعاة والفلاحين، مجسدا في آله المزارعين و اله البدو ، وهما يرمزان إلى جد كل منهما ،حيث يتسم اله المزارعين بالحكمة و الهدوء بينما اله البدو يظهر فيها أهوج سريع الغضب ، و قد اختارت الإله الأم إلاه المزارعين لحميد صفاته وشيمه كي تتزوجه ، فثارت ثائرة إلاه البدو ونشب النزاع بينهما .

الدوافع النفسية للقتل
يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: شبر في شبر يتسع لمتحابين بينما الأرض بما رحبت لا تتسع لمتباغضين..فالتباغض يدفع القاتل للتخلص من المقتول. وقد ينشأ التباغض من اهتمام أحد الوالدين بولد لهما أكثر من غيره، ونجد ذلك في قصة إخوة يوسف الذين حقدوا على أخويهم : يوسف وبنيامين لما وجداه من اهتمام أبيهما به وفسروا سبب اهتمامه بأنه يرجع لتعلقه بأمهما الصغيرة الحسناء التي عوضت أمهما، بينما يمكن إرجاع هذا الاهتمام لحاجة الصغيرين إلى الرعاية أكثر من الكبار. فقد سؤل أحد حكماء العرب من أحب أولادك إليك فقال: المريض حتى يبرأ والصغير حتى يكبر والغائب حتى يعود. فالتمييز بين الإخوة ، أيا كان مبرره ، يورث البغضاء بينهم. وعندما تآمر أخوة يوسف عليه للتخلص منه أوضحوا هدفهم من ذلك بقولهم : حتى يخلو لكم وجه أبيكم.
وهو نفس موقف الشيطان عندما وجد الله قد فضل آدم عليه فكان رد فعله قوله :" أرأيتك هذا الذي كرمت عل لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا"..

أن يُقدم شخص على قتل أبنائه أو زوجته ثم قتل نفسه وهي حادثة كثيرا ما وقعت فإن ذلك يعود إلى الإصابة ب "الكآبة الذهانية "التي يعتزل فيها المريض المجتمع ولا يهتم إلا بذاته ، ويصير نهبا لأوهام تجاه الغير ، فهم في وهمه لا يريدونه ولا يحبونه ويستثقلون وجوده وعبئه عليهم أو أنهم سبب شقائه وتعاسته ، وأنه لا حل للتخلص من أحاسيسه تلك سوى التخلص منهم ومن نفسه أيضا ، إن اقتضى الأمر.وهناك أيضا حالة
" الفصام الشخصي" والذي يفقد فيه المريض الثقة بالآخرين ، ويتوهم بأنهم يحقدون عليه ، ويحسدونه ويتآمرون عليه للنيل منه ، وأن عليه أن يتغدى بهم قبل أن يتعشوا به.وقد تنتابه هواجس يتوهم فيها بأن ثمة من يوسوس له ويحرضه على القتل. تأتي أيضا من البواعث النفسية حالة الغيرة الشديدة وخاصة بين الزوجين، عندما يتوهم أحدهما بأن الآخر يخونه ويريد التخلص منه لكي يستبدله بزوج أفضل منه، وتطارده الشكوك حتى يتوهم ما لا وجود له.ومن دوافع القتل أيضا حالة الفصام العقلي ، والتي قد تنجم عن أحساس شديد بالذنب تدفع إلى الرغبة في التخلص ممن كان سببا فيه، أو فيما نجم عنه. فالمرأة التي تخون زوجها خلال حملها ثم تندم على ذلك وتشعر بالذنب تصاب بحالة من الفصام العقلي تدفعها إلى التخلص من الجنين أو قتله بعد ولادته. ومن حالاته حالة الزوجة البيضاء التي تتغلب على العنصرية إزاء السود دون التخلص منها ، فتتزوج أسودا ، وتفاجأ عند ولادتها بأن المولود يحمل بشرة سوداء فتطرب حالتها النفسية وتهيج عنصريتها المكبوتة وتحاول التخلص من المولود.وهناك أيضا" البارانوبا" أو جنون العظمة عندما يشعر المريض بتهديد لعظمته وتحد لها ممن ينكرها ويستهين بها فيتملكه الغضب والرغبة في التخلص ممن يهدد عظمته بالقضاء عليه وهو ما يفسر الحالة التي ظهر عليها القذافي عندما ثار الليبيون عليه.وتساعد المخدرات القوية على مضاعفة تأثير تلك الأمراض النفسية على صاحبها ، بما يفقده عقله تماما ، وتتحكم فيه المؤثرات النفسية وحدها فيقدم على قتل غريمه أو عدوة..
ويمكن القول بأن ما يجمع بين كل تلك الأمراض النفسية التي تشكل دوافع لجريمة القتل هو الرغبة الناجمة عن تأثيرها على القاتل إلى الانتقام ممن يقتله.
ومن المحتمل أن يكون الميل لارتكاب الجرائم ناتج عن خلل جيني أثر على إفرازات الغدد الصماء وترتب عليه خلل واضطرابات في الجهاز العصبي وفي العقل مما أثر بالتالي على السلوك والانفعالات.وأرى أنه يمكن استنباط ذلك من قصة قتل الرجل الصالح الذي رافقه النبي موسى في جولة له لصبي ، وبرر قتله بقوله :"أَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا*فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا "(الكهف 80و81). فهو خلص الأبوين المؤمنين ممن سيرهقهما طغيانا وكفرا بسبب استعداده لذلك ويبدلهما الله بخير منه زكاة وأقرب رحما ، أي ابنا طيبا بارا بهما.

الخلاصة
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، وتغيير ما بأنفسهم يعني الانتقال بهذه الأنفس من طور البشرية أو الجاهلية الأولي إلى طور الإنسانية المتلاحمة، المتحابة، المتراحمة، المؤمنة، والملتزمة بشرعة الله ودينه القيم الخالص الذي ارتضاه لعباده.

ومن الوهم أن ننتظر من أن يغير كل فرد نفسه حتى ينتشر الخير والأمان والاستقرار في المجتمع ، وإنما يحدث التغيير حينما يعيش المجتمع في منظومة أخلاقية وسياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وتعليمية وثقافية وإعلامية،مترابطة تكفل تحقق التغيير لدى جميع أفراد المجتمع في وقت واحد.

عندما ننجح في أحداث تلك المنظومة ونحقق هذا التغيير سنضمن أن يكف الأخ عن قتل أخيه أو الاعتداء علي كرامته أو حريته يومها سيكون دم المسلم وماله وعرضه حرام علي أخيه المسلم حاكما كان أم محكوما علي النحو الذي أمرنا به الرسول صلي الله عليه وسلم يوم عرفة في حجة الوداع.
فوزي منصور
www.fawzymansour.com

ا

Sunday, March 11, 2012

لاعتماد المتبادل ودوره في تمتين وحدة الدولة الفيدرالية المصرية

ا
أحاول هنا بيان أهمية الاعتماد المتبادل Interdependence بين المناطق أو المقاطعات التي تكون الدولة الفيدرالية المصرية التي اقترحتها ، وما يقتضيه من تفاعل ايجابي دائم ومتنام في تعزيز وتمتين وحدة الدولة الفيدرالية المصرية ونهضتها وأمنها وسلامها .
يعرف الاعتماد المتبادل بأنه تشبيك وتكثيف العلاقات والمصالح الاقتصادية لعدة أطراف بحيث يسهم كل طرف في تعظيم المنافع المادية للأطراف الأخرى، وربط وتنسيق السياسات بحيث لا يمكن لطرف أن يستغني عن بقية الأطراف في منظومة أو شبكة مترابطة المكونات. وهو في هذا الشأن أشبه ما يكون بمكونات الدوائر الكهربائية أو الاليكترونية ، التي تؤدي كل منها وظيفة ما ولكنها تعتمد فيها على وظائف المكونات الأخرى.

وما يدعو إلى موضوع هذا المقال هو ما تبين من ردود الفعل الأولية السلبيةوالهوجاء على مقالي السابق حول إحلال نظام الحكم الفيدرالي محل نظام الحكم المركزي في مصر، أن المعارضين ليس لديهم من حجة سوى الخوف على استمرار وحدة الدولة، وهو خوف لا مبرر له ويتغذي من أوهامهم.
ويمكن إرجاع ردود الفعل تلك ، إن أحسنا الظن بأصحابها،إلى نقص المعرفة السياسية بنظم الحكم الفيدرالية في العالم ،والتي لم يهدد أي منها وحدتها. وأنه إذا كانت غالبيتها تمت أقامته عقب الحرب العالمية الثانية ، فإنها لم تشهد أي قلاقل أو دعوات انفصالية على مدى أكثر من ستة عقود . وإنما ازدادت تلك الدول قوة وأمنا وازدهارا اقتصاديا ومكانة دولية.
ويمكن إرجاع ذلك أيضا إلى ما يواجهه أي مطلب للتغيير من المعهود إلى جديد غير مألوف إلى مقاومة فضلا عن أصحاب المصالح المرتبطة بالنظام المركزي والذين يخافون عليها من أن تتضرر.وأيا كانت الدوافع فلن يثنيني عن عرض ما أراه في صالح بلادي التعليقات المسيئة للسفهاء والجاهلين ولن أقول لهم اﻻ : سلاما، وفي نفس الوقت فسأجيب على أية أسئلة للعقلاء المهذبين بشأنها، ولهم بعد ذلك اﻷخذ برأيي أو إهماله، ولكنهم سيضطرون الى اﻷخذ به حتما في مقبل اﻷيام بعد رحيلي عن دنياهم.

وللتذكرة بما سبق كتابته، أعيد نشر هنا ما اقترحته بشأن تقسيم الدولة إلى وحدات فيدرالية، وما ذكرته أيضا من مزايا الحكم الفيدرالي على النحو التالي:
مكونات دولة مصر المتحدة في النظام الفيدرالي
1_ منطقة سيناء وقناة السويس: وتشمل شبه جزيرة سيناء ومدن القناة الثلاث وبحيث يتم العمل على تعمير سيناء وزيادة الكثافة السكانية بها بزيادة السكان فيها بحيث لا يقل عددهم عن عشرة ملايين نسمة كحد أدني في أقرب وقت ممكن .ويقتضي ذلك إعادة توزيع الأراضي المستصلحة في سهل الطينة شمال غرب سيناء على صغار الفلاحين واستزراع سهل العريش وأودية سيناء وكذلك تحويل شرق قناة السويس إلى منطقة حرة للتجارة العالمية وللصناعة المخصصة للتصدير ،وهو المشروع الذي أوقفه النظام البائد بدعوى أن الأراضي شرق القناة رخوة ولا تصلح للبناء..ويتطلب الأمر أيضا أعادة النظر في اتفاقية "كامب ديفيد" بما يتفق مع سيادة كل الدول على أراضيها.
2- منطقة شرق الدلتا: وتشمل محافظات الشرقية والدقهلية ودمياط وتتخذ من المنصورة أو الزقازيق عاصمة لها ومن دمياط مينائها البحري.
3- منطقة الدلتـا: وتشمل محافظات القليوبية والمنوفية والغربية وكفر الشيخ وتتخذ من طنطا عاصمة لها ومن مدينة رشيد ميناء لها
4- منطقة غرب الدلتا: وتشمل محافظات البحيرة ومرسى مطروح والواحات البحرية وتتخذ من الإسكندرية عاصمة لها ومن الإسكندرية ومطروح موانئا لها وغربا إلى الحدود مع ليبيا.
5- منطقة القاهرة الكبرى: وتشمل القاهرة والجيزة والقليوبية وبني سويف والفيوم وتتخذ من الغردقة ميناء لها.
6- منطقة الصعيد الأوسط: وتشمل محافظات المنيا وأسيوط وسوهاج والواحات.وتتخذ من أسيوط عاصمة لها ومن ميناء سفاجا ميناء لها.
7- منطقة الصعيد الأعلى والنوبة: وتشمل محافظات قنا وأسوان وتمتد جنوبا حتى الحدود مع السودان وتتخذ من أسوان عاصمة لها ومن ميناء مرسى علم ميناء لها على البحر الأحمر.
وتقوم كل منطقة بعمل شبكة طرق برية وسكك حديدية ونهرية إن أمكن تربط كل المناطق السكنية بها من مدن وقرى بالعاصمة والميناء البحري وتضع من السياسات التي تكفل لها تحقيق الاحتياجات الأساسية لسكانها من مأكل ومشرب وإسكان وتعليم وصحة.

مزايا الحكم الفيدرالي
يمكن تلخيص مزايا نظام الحكم الفدرالي، بالنسبة لمصر على النحو التالي:
(1) توزيع السلطات بين الحكومة المركزية، والحكومات المحلية مما يقوي كل منها ويمكنها من أداء مهامها على خير وجه
(2) تمكين كل حكومة محلية من انتهاج السياسة الملائمة لظروف النطاق الجغرافي التابع لها وللسكان بما لا يتعارض مع المصالح العامة للدولة ولدستورها الفيدرالي أو سياسات أو إثفاقيات الدولة الاتحادية.وبما يحقق مبدأ:“التنوع من خلال الوحدة”. بمعنى السعي من أجل إيجاد حكومة مركزية، قوية، ومتماسكة، مع السماح بالتنوع، ولامركزية كاملة في المناطق أو الأقاليم.
(3) تحقيق التنافس بين الحكومات المحلية على تقديم أفضل الخدمات في التعليم والصحة والإسكان والمواصلات والاتصالات والأمن لجذب السكان من المناطق الأخرى التي تحتاجهم مشروعات التنمية.
(4) تعمير المناطق النائية والمهمشة من قبل والقليلة السكان مثل سيناء والواحات والنوبة وساحل البحر الأحمر بما يخدم متطلبات التنمية والأمن القومي .وإعادة توزيع السكان على كامل التراب الوطني وخلخلة الكثافة السكانية في المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية وطنطا والمنصورة وغيرها مما يتمدد على حساب الرقعة الزراعية ويتكدس فيها السكان بما يشكل ضغطا على الخدمات والنقل داخل المدن.
(5)زيادة الاندماج الاجتماعي للسكون بإنهاء الاختلافات العرقية أو اللغوية أو الدينية أو الجهوية وصهرهم في بوتقة واحدة لضمان التعايش السلمي ومنع الفتن الطائفية في جميع المناطق خاصة في المناطق التي يجري تعميرها وتنميتها لأول مرة.
(6)تمكين المواطنين في مشاركة أوسع نطاقا في تدبير شؤون
معيشتهم وتقريب الإدارة من المواطنين.
(7)الحيلولة دون عودة الاستبداد والفساد والطغيان وانتهاكات حقوق الإنسان ونهب وتبديد الموارد المحدودة وتركيز السلطة والثروة في يد فئة ما دون باقي أفراد الشعب.
(8) إحياء الثورة الزراعية والصناعية والثقافية التي بدأت مع أوائل الستينيات في عهد عبد الناصر ثم تم إجهاضها بواسطة كل من السادات والمخلوع حسني .وتنفيذ مشروعات التنمية بدون اعتماد على مستثمرين أجانب أو رأسمالية محلية وعن طريق أسلوب الحركة المجتمعية للتنمية الذي يتم فيه الاعتماد على الذات ، وبالمدخرات المحلية أو مدخرات المغتربين الذين يوجهونها وهم يشعرون بالثقة بأنها في أيد أمينة وتعود بالنفع المباشر على أسرهم وأقاربهم. وبما يكفل القضاء على الفقر والبطالة والحد من الجرائم والانحرافات السلوكية الناتجة في معظمها نتيجة لهما.
(9) ضمان تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق الحكومات المحلية التي تمتلك كافة السلطات التي تؤهلها لذلك.

تشابك المصالح في الدولة الفيدرالية:
تشابك المصالح أو الاعتماد المتبادل، يجعل كل منطقة أو مقاطعة لا يمكنها الاستغناء عن المقاطعات الأخرى، أو عن الانتماء إلى الدولة الموحدة وحكومتها الاتحادية.

وفي الدول الاتحادية التي أقيمت في القرن التاسع عشر مثل الولايات المتحدة، أو التي أقيمت خلال القرن العشرين ، كانت النظم الفيدرالية تترك للحكومة الاتحادية وحدها شئون الدفاع والعلاقات الدولية ، وعندما تتحول دولة من النظام المركزي في القرن الواحد والعشرين الذي ترافقه ثورة المعلومات والاتصالات ، ويتم اعتماد نظام الشبكات الأفقية والتي تم استعارتها من شبكات الكمبيوتر ،فإنه يمكن في حالة بعض الدول النظر في أن يتم تقسيم مهام الدفاع والعلاقات الدولية أيضا على المقاطعات التي تشكل الدولة الفيدرالية. ودون التقيد بما استقر من قبل من أعراف في الفيدراليات القائمة واستنساخها وأبداع نظام فيدرالي جديد يناسب العصر.

دور المقاطعات في الدفاع عن الدولة
وفيما يتعلق بالفيدرالية المصرية ومع أخذ في الاعتبار أنه ليس لها أية أهداف توسعية أو أطماع في أراض الغير تستدعي محاربتهم ، فإن مهمة قواتها المسلحة هي دفاعية في المقام الأول.
ونظرا لتطور الحروب ، وظهور ما يعرف بالحرب الاليكترونية فإن الدفاع عن مصر يستدعي الدفاع عن أجوائها وسواحلها الطويلة المطلة على البحر المتوسط في الشمال والبحر الأحمر في الشرق، وقوات برية تتولي أساسا حماية وسائل الدفاع الجوي والبحري من أي عمليات إنزال جوية أو بحرية تستهدفها أو تستهدف احتلال أراض خلفها.
هنا يتطلب الأمر دمج مشروعات التنمية، خاصة السكانية منها، مع مشروعات الدفاع تلك وأن يعهد بالدفاع لكل منطقة/مقاطعة للدفاع عن سواحلها وأجوائها وترابها، مع تأمين كثافة سكانية وعمق خلف تلك المواقع الدفاعية، ومع وجود لجنة تنسيق للدفاع في الحكومة الاتحادية ، تسد النقص في احتياجاتها ، وتحريك القوات المسلحة مركزيا في حالة تعرض أي مقاطعة لعدوان مسلح خارجي عليها.

دور المقاطعات في العلاقات الدولية
مع وجود موانئ خاصة بكل مقاطعة فيدرالية ، فسيكون الأكثر جدوى من مركزة العلاقات الدولية في الحكومة الاتحادية ، أن يتم توزيع العلاقات الدولية على المقاطعات بحيث تختص كل مقاطعة بعدد من الدول الخارجية التي تجمعها منطقة جغرافية معينة ، وتتبادل معها المصالح المادية والعلاقات الدبلوماسية والتجارية وما يتعلق بالاستثمارات الخارجية لها والسياحة وغير ذلك من متطلبات الاقتصاد أو التعليم المحلي للمقاطعة.
وعلى سبيل المثال فإنه يمكن تخصيص مقاطعة سيناء وقناة السويس لدول الخليج والأردن ولبنان وسوريا والعراق وإيران وأفغانستان ودول آسيا الوسطي والصين.
ويمكن تخصيص شرق الدلتا لسوريا وتركيا ودول القوقاز والبلقان.
ويمكن تخصيص مقاطعة الدلتا لإيطاليا وسويسرا وألمانيا ودول شرق أوروبا وروسيا الاتحادية.
ويمكن تخصيص مقاطعة غرب الدلتا لدول المغرب العربي ودول غرب أوروبا وأمريكا الشمالية.
بينما تختص المقاطعة التي تضم القاهرة والمحافظات اﻷخرى بالعلاقات مع دول غرب أفريقيا ووسطها،ونفس الشيء بالنسبة للمقاطعات الأخرى التي تختص بدول جنوب شرق آسيا أو دول أفريقيا الشرقية أو الجنوبية أو أمريكا اللاتينية.
وكنتيجة للتبادل التجاري بين المقاطعات وبين الدول المخصصة لها من استيراد وتصدير ، فإن السلع التي تصدرها المقاطعة إليها سوف تشمل ما تنتجه وما تنتجه المقاطعات الأخرى، كما أن السلع التي تستوردها منه سيتم تسويقها محليا داخل المقاطعة والمقاطعات الأخرى ، فضلا عن المصنع الذي يقام في مقاطعة ما سيحتاج حتما إلى خامات وسلع وسيطة وطاقة منتجة في المقاطعات الأخرى وأيضا إلى عمالة مدربة منها، وهو ما يعني تشابك المصالح بين المقاطعات وفي نفس الوقت زيادة إنتاجها جميعها لتلبية طلبات التصدير أو نتيجة الحصول على مستلزمات الإنتاج المحلية أو المستوردة من المقاطعات الأخرى. وقد تختص كل مقاطعة بنوع من التعليم التقني ويأتيها الطلاب من المقاطعات الأخرى الراغبين في تحصيله.
وهذا التشابك في المصالح هو ما يعبر عنه بالاعتماد المتبادل السابق ذكره، والذي يستحيل معه أن تستغني مقاطعة عن المقاطعات الأخرى وعن الدولة الاتحادية التي تجمع كل المقاطعات معا من أجل تحقيق مصالحها جميعها وتنميتها.

دور مشروعات الربط الاتحادية
تقوم مشروعات الربط الاتحادية التي لا يمكن أن تديرها سوى الدولة الاتحادية مثل خطوط السكك الحديدية أو الطرق البرية السريعة التي تربط كافة المقاطعات معا بدور هام هي الأخرى في تشبيك المصالح وتحقيق الاعتماد المتبادل بين المقاطعات.

ونفس الشيء تحققه مشروعات الطاقة والمياه والنقل المركزية مثل كهرباء السد العالي، أو مشروع القناة المقترحة عبر الواحات لتنميتها أو النقل النهري أو ما شابه ذلك. أو إمداد المقاطعات بالغاز والمشتقات البترولية المنتجة في أحدى المقاطعات وتتولى الحكومة الاتحادية توزيعها. وأيضا الشبكات القومية للاتصالات الداخلية والخارجية.

دور النظام الفيدرالي في توسيع نطاق الدولة الجغرافي
إن توسيع المجال الجغرافي لنشاط السكان بإدماج كيان الدولة مع كيانات دول مجاورة ، يساعد عليها اعتماد تلك الدول النظام الفيدرالي كنظام سياسي للحكم فيها. وبحيث لا تتم في هذه الحالة الوحدة بمنطق الوحدة بين بلدين لكل حدوده السياسية وإنما تجميع المقاطعات في الدولتين في إطار دولة اتحادية واحدة. وعلى سبيل المثال فإن من مصلحة مصر وليبيا أن يكونا دولة واحدة ، ولكن الشعب الليبي الذي يزيد تعداده عن خمسة ملايين يرى أن ثرواته البترولية من حقه وحده ، بل نراه بعد الثورة يحاول نزع الجنسية من الطوارق والتي منحها لهم ألقذافي ونزعها من قبيلة في واحة الكفرة باعتبارها تشادية وليست ليبية. ولذا فإنه لو كانت ليبيا عبارة عن ثلاث مقاطعات فيدرالية ومصر سبع مقاطعات فإنه يمكن تكوين دولة منهما من عشرة مقاطعات، وتظل للمقاطعات الليبية وحكوماتها سيطرتها على ثرواتها البترولية والاستفادة منها . وفي هذه الحالة لا يعتد بالحدود السياسية القديمة بحيث يتسنى إعادة جمع واحتي سيوه مع جغبوب، وهما توءمان تم فصلهما فصلا تعسفيا من قبل باتفاق بين الانجليز والاستعمار الإيطالي لليبيا، ضمن مقاطعة برقة مثلا أو غرب الدلتا في مصر.ونفس الشيء يمكن أن يحدث في حالة الوحدة مع السودان ، فيتم ضم النوبة السودانية إلى شقيقتها المصرية في مقاطعة واحدة.ويتم ضم قبائل البجة شرق السودان مع نظيراتها في مثلث حلايب شلاتين في مقاطعة واحدة.

الخلاصة
خلاصة القول إن أخذ مصر للنظام الفيدرالي مثل الهند والصين والبرازيل والأرجنتين و غيرها من الدول الكبيرة المساحة التي تعتمد الفيدرالية في نظامها السياسي، لا خوف على وحدة البلاد منها ، وإنما هي عكس ذلك تضمن الوحدة والأمن والسلام في كافة أنحاء الدولة.
فوزي منصور
www.fawzymansour.com

Thursday, March 8, 2012

نحو نظام حكم فيدرالي في مصر

أثبت النظام السياسي القائم في مصر فشله وقد آن الأوان لاستبداله بنظام سياسي جديد يستجيب لاحتياجات الشعب المصري في التنمية والتقدم والحرية والكرامة وخاصة بعد ثورة الشعب المصري في 25 يناير والشروع في أعادة النظر في الدستور..وقد قال الكثيرون غيري بأن المطلوب ليس تغيير بعد مواد الدستور وإنما إنشاء دستور جديد. وعندما يطلب المجلس العسكري الحاكم ممن عينهم لتعديل الدستور أن تتم التعديلات في عشرة أيام فإن هذا يعني أنه يريد أن يظل الدستور الحالي على ما هو عليه وأن يتم فقط تعديل المواد التي سبق للرئيس المخلوع إن قام بتغييرها لصالح استمراره في الحكم مدى الحياة وكانت موضع انتقاد المعارضين له. تعديل الدستور فقط يعني استمرار النظام السياسي على حاله بينما كان هدف قومة الشعب وثورته هو إسقاط النظام وليس الحاكم فقط.
كثير ممن كانوا يدافعون عن النظام القائم وما به من مركزية مفرطة وتركيز كافة الصلاحيات في يد رئيس الدولة كانوا يدافعون عنه بحجة تافهة وهي أن النظام السياسي طوال التاريخ المصري كان مركزيا وكأن هذا قدر على مصر لا يمكن الانفكاك منه حتى لو كان ضار بمصالح الشعب وبالديمقراطية كنظام يجسد إرادة الشعب..وقد سبق لي أن أوضحت بأن العالم يتجه الآن للتحول من الديمقراطية البرلمانية الى الديمقراطية التشاورية أو التشاركية التي تسمح للشعب باستمرار في المشاركة الفعالة في صنع القرارات الحيوية التي تمس مصالحه وتنظيم المواطنين والمؤسسات في شبكات أفقية لا تخضع لتنظيم مركزي هرمي.وبررت ذلك بأن العصر الحالي التي برزت فيه الثورة الاليكترونية والمعلوماتية بالتغير السريع للتقنية العلمية ومسايرة إيقاع العصر السريع والمختلف عن السابق يحتاج أيضا لنظام يكفل القدرة على سرعة اتخاذ القرارات السريعة التي تمس المواطنين في الحاضر وتؤثر أيضا على مصالح الأجيال القادمة. وهو ما لا تحققة بكفاءة حاليا النظم الديمقراطية الحالية في العالم والتي أفرزها عصر الثورة الصناعية بينما يتطلب زمن الثورة المعلوماتية ديمقراطية جديدة متوائمة معه.أي أن هذا التحول الى الديمقراطية التشاركية فرضته ثورة المعلوميات .
وهناك تحالف اﻷجهزة العسكرية واﻷمنية والرأسمالية المحلية الذي يرى أن قبضتهم على البلاد سوف تضعف وتهن في ظل الحكم الفيدرالي الذي تتعدد فيه مراكز صنع القرار في الدولة، وتقوم كل منطقة فيدرالية بتدبير شؤونها، ووضع القوانين التي تناسبها،وسيكون لكل منطقة أيضا جهازها اﻷمني التابع لسلطتها التنفيذية المنتخبة والمراقب من سلطتها التشريعية المنتخبة أيضا. كما يفترض في الإقليم الجغرافي الذي يشارك أقاليم أخرى في دولة فيدرالية أن يكون قادرا على الاكتفاء الذاتي بموارده الخاصة به بما يمنحه استقلالية اقتصادية عن الحكومة الاتحادية في المركز،ولذا يشيع هؤﻻء أوهام حول مخططات أجنبية تروم تقسيم البلاد لإشاعة الخوف لدي المواطنين على وحدة البلاد واﻻبقاء على نظام الحكم المركزي الذي يهيمنون عليه. واﻻبقاء أيضا على مصالحهم وضمان استمرار ملكيتهم للأراضي والممتلكات التي نهبوها في ظل الحكم الفاسد السابق واحتمال أن تقوم إدارة المناطق الفيدرالية لجديدة بمصادرتها وأعادتها للشعب.
ومما يحول دون شبح التقسيم أيضا أن بعض المناطق قليلة السكان والتي كانت مهمشة في السابق عندما تقوم فيها التنمية اﻻقتصادية والعمرانية سيفد إليها المواطنون من كافة أنحاء البلاد للاستيطان فيها ويصيرون من أهلها ويشاركون في أدارتها، ولن تكون ثمة منطقة تسيطر عليها أقلية من أي نوع يمكن أن تراودها أحلام اﻻنفصال أو تستجيب لتلك النزعة إرضاء لدول أجنبية معادية. اﻷمر أذن أعادة تخطيط للتراب الوطني لكي يتم تنميته جميعه في وقت واحد .
فيما يعرف بالنظام الفيدرالي.وهو نظام ليس في الواقع جديدا ، حيث يوجد في العديد من دول العالم حاليا ، من أبرزها الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وأسبانيا والهند والصين والبرازيل،ولكن الجديد فيه يتعلق بتغير دوافع النشأة في النظام القديم إلى دوافع جديدة مغايرة، تتخذ اتجاها معاكسا.فقد قامت معظم الدول الفيدرالية نتيجة اتحاد دول صغيرة مستقلة لتكون دولة واحدة تمتلك فرصا أفضل اقتصاديا تسمح لها بالبقاء الأكثر أمنا في محيطها الدولي ، أما في التحول الجديد فيتم فيه تقسيم دول متحدة تاريخيا في ظل نظام مركزي إلى دويلات تتمتع كل منها بنظام للحكم الذاتي ، دون أن يعني ذلك تفكك الدولة القديمة أو زوالها.وإنما يتم داخلها تقاسم السلطة والسيادة ، وتشكل كل منها وحدة دستورية لها نظامها الأساسي الذي يحدد سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وينص على ذلك في دستور الدولة بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية.وفي نفس الوقت تنسق كل وحدة جغرافية في الدولة الفيدرالية مع باقي الوحدات وترتبط معها باعتماد متبادل يجعلها تحقق الترابط والتكامل والتكافل داخل الدولة الجامعة لكل الوحدات المنتمية إليها.
ومثلما اتجهت بعض الدول المتخلفة لديمقراطية برلمانية شكلية وزائفة، اعتمدت بعض منها نظام فيدرالي شكلي وزائف أيضا، ترك معظم السلطات والموارد الاقتصادية في يد المركز.وهذه الفيدرالية الزائفة هي التي يمكن أن تهدد الدولة التي تعتمدها بالتفسخ والانحلال والانقسام الى عدد من الدول المستقلة بعد ما كانت دولة موحدة ، ويظهر ذلك واضحا في الحالة السودانية.وكما حدث من قبل في يوغوسلافيا.أما الفيدرالية الحقيقية فإنها تحافظ على وحدة الدولة وتبعد عنها شبح التقسيم، بل تجعلها عصية عليه ومحصنة ضده.ولذا تعد الفيدرالية رافعة من روافع التنمية الشاملة و التقدم الحضاري وضمان حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والقضائية وحقوق الأقليات.
وقد تطورت الصين الشعبية كفدرالية بحكم الواقع بدون قانون رسمي ينص على ذلك،عن طريق منح صلاحيات واسعة للأقاليم بتدبير شؤونها الاقتصادية وتطبيق السياسات الوطنية فيما يخصها.ونفس الشيء حدث في أسبانيا، ودون أن ينص على ذلك دستور كل منها.
ولهذا كله فإن من حق الشعب المصري بعد ثورته التي أشاد بها كل حكومات وشعوب العالم أن يحصل بعدها على أفضل نظام حكم ممكن. ويقتضي ذلك التخلص من الحكم المركزي واستبداله بحكم لا مركزي يأخذ شكل الحكم الفيدرالي الموجود حاليا في العديد من دول العالم وكانت الهند سباقة إليه منذ استقلالها عام 1945 واعتمدته ألمانيا أيضا بعد الحرب العالمية الثانية ، كما يوجد حاليا في سويسرا وأسبانيا والعديد من دول العالم . ومن أهم مزايا هذا الحكم أن يكون لكل منطقة جغرافية يمكن تسميتها بمقاطعة أو ولاية أو جهة اقتصادية برلمان وحكومة منبثقة منه تتولي رعاية كل مصالح السكان وتحسين أوضاعهم دون تدخل من الحكومة الاتحادية التي تحل محل الحكم المركزي لكنها لا تملك كل صلاحياته السابقة والتي تتولاها تلك الجهات الاقتصادية.
وقد قدم عمرو موسى بمناسبة الإعلان عن رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة برنامجا سياسيا ، تعرض فيه على استحياء لموضوع التحول التدريجي من الحكم المركزي الى الحكم الفيدرالي، ولكنه لم يبد بعد ذالك حماسا له بعدما لمس ليس معارضة القوى المهيمنة على الدولة الآن والمتمثلة في المجلس العسكري ، وإنما أيضا معارضة المثقفين له تأثرا بما روجه الإعلام الرسمي من مخاوف التقسيم الذي تضمنته المخططات الأجنبية الوهمية.
وتحدث الإخوان المسلمون الذين يشكلون أغلبية مجلس الشعب حاليا عن دولة مركزية لا تختلف عن الدولة الحالية إلا في أنها تجمع بين نظامي الدولة الرئاسية والدولة البرلمانية، وهو ما يعد نظاما مسخا ﻻ يحقق ما يرجوه الشعب المصري من تغيير، ولم يتطرق أي من البرلمانيين لمقترح دولة فيدرالية بديلة عن الدولة المركزية الحالية.
وقد ساهم أيضا في إثارة المخاوف من نظام الحكم الفيدرالي النقص في الثقافة السياسية لدى العديد من المثقفين المصريين وآن لهؤﻻء إن يحسنوا معارفهم السياسية وأن يهتموا بالبحث في اﻹنترنيت عن نظم الحكم ليجدون أن نظام الحكم الفيدرالي هو اﻷنسب لمصر حاليا، وفي حالة الوحدة مع أي السودان أو ليبيا أو معهما معا، وهو اﻷمر الذي يجب التطلع إليه في المستقبل ﻷنه في صالح شعوب تلك الدول ، فإن نظام الدولة القيدرالية عندما يعمم في الدول الثلاثة سوف يسهل أدارة الوحدة دون خوف من أن تبتلع في الوحدة الدولة الكبرى الدول اﻷصغر منها لو تمت الوحدة على أساس فيدرالية للدول وليس مد فيدرالية كل دولة الى باقي الدول .
مكونات دولة مصر المتحدة
في هذا الشأن يمكن النظر في تقسيم الدولة المصرية الى المناطق الاقتصادية التالية:
1_ منطقة سيناء وقناة السويس: وتشمل شبه جزيرة سيناء ومدن القناة الثلاث وبحيث يتم العمل على تعمير سيناء وزيادة الكثافة السكانية بها بزيادة السكان فيها بحيث لا يقل عددهم عن عشرة ملايين نسمة كحد أدني في أقرب وقت ممكن .ويقتضي ذلك إعادة توزيع الأراضي المستصلحة في سهل الطينة شمال غرب سيناء على صغار الفلاحين واستزراع سهل العريش وأودية سيناء وكذلك تحويل شرق قناة السويس الى منطقة حرة للتجارة العالمية وللصناعة المخصصة للتصدير ،وهو المشروع الذي أوقفه النظام البائد بدعوى أن الأراضي شرق القناة رخوة ولا تصلح للبناء..ويتطلب الأمر أيضا أعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد بالدخول في مفاوضات بغرض تعديلها بما يتفق مع سيادة كل الدول على أراضيها.
2- منطقة شرق الدلتا : وتشمل محافظات الشرقية والدقهلية ودمياط وتتخذ من المنصورة أو الزقازيق عاصمة لها ومن دمياط مينائها البحري.
3- منطقة الدلتـا : وتشمل محافظات القليوبية والمنوفية والغربية وكفر الشيخ وتتخذ من طنطا عاصمة لها ومن مدينة رشيد ميناء لها
4- منطقة غرب الدلتا: وتشمل محافظات البحيرة ومرسى مطروح والواحات البحرية وتتخذ من الإسكندرية عاصمة لها ومن الإسكندرية ومطروح موانئا لها وغربا الى الحدود مع ليبيا.
5- منطقة القاهرة الكبرى: وتشمل القاهرة والجيزة وبني سويف والفيوم وتتخذ من الغردقة ميناء لها.
6- منطقة الصعيد الأوسط: وتشمل محافظات المنيا وأسيوط وسوهاج والواحات.وتتخذ من أسيوط عاصمة لها ومن ميناء سفاجا ميناء لها.
7- منطقة الصعيد الأعلى والنوبة: وتشمل محافظات قنا وأسوان وتمتد جنوبا حتى الحدود مع السودان وتتخذ من أسوان عاصمة لها ومن ميناء مرسى علم ميناء لها على البحر الأحمر.
ويتم استعادة ملكية كل الأراضي في مشروع مفيض توشكا وتوزيعها على صغار الفلاحين المصريين لزراعتها كما يتم مد قناة توشكا شمالا عبر الواحات الداخلة والخارجة وحتى منخفض القطارة وتوزيع كافة الأراضي على جانبي القناة على صغار الفلاحين المصريين. إن هذا لا يتطلبه تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية فقط وإنما يتطلبه زيادة الإنتاجية وتحقيق الإستراتيجية الاقتصادية والسياسية للدولة وضمان أمنها بإعادة توزيع السكان على كامل أرض الوطن.
وتقوم كل منطقة بعمل شبكة طرق برية وسكك حديدية ونهرية إن أمكن تربط كل المناطق السكنية بها من مدن وقرى بالعاصمة والميناء البحري وتضع من السياسات التي تكفل لها تحقيق الاحتياجات الأساسية لسكانها من مأكل ومشرب وإسكان وتعليم وصحة وتحسين أحوالهم المعيشية.
وبالنسبة لقطاع غزة وعلاقته بأمن واستقرار سيناء وبمتطلبات التفاوض مع إسرائيل على تعديل اتفاقية كامب ديفيد فإنه يقترح أعادة الإدارة المصرية للقطاع كما كان عليه الحال قبل عام 1967 وفتح الحدود بين القطاع وشبه جزيرة سيناء وحرية الحركة بين سيناء والقطاع للسكان دون أية عوائق ، على أن يتم أجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة بعد ثلاث سنوات للسكان يخيرون فيه بين الانضمام الى مصر نهائيا أو الاستقلال عنها وبناء دولتهم الخاصة بهم .
ويجري انتخاب رئيس ونائب له لكل منطقة/مقاطعة فيدرالية ممن رشحوا أنفسهم للمنصب، وانتخابات لبرلمان المقاطعة. ويقوم الرئيس المنتخب للمقاطعة بتكليف أحد أعضاء البرلمان بتشكيل حكومة تحوز ثقة البرلمان تشمل الاقتصاد والمالية والإسكان والتعليم والصحة والمواصلات والاتصالات والأمن والشئون المدنية والخدمات الاجتماعية والتجارة والزراعة والصناعة والنقل البحري والجوي ...الخ.ويلي ذلك انتخاب رئيس اتحادي من بين رؤساء المقاطعات السبع. كما يرشح برلمان كل مقاطعة عدد من أعضائه يحدده نسبة عدد السكان بالنسبة لسكان كامل الدولة لتمثيل المقاطعة في البرلمان الاتحادي، والذي يقوم رئيس الدولة الاتحادي بتكليف أحد أعضائه بتشكيل حكومة اتحادية تحوز ثقة البرلمان.وتقتصر مهام الحكومة الاتحادية على العلاقات الخارجية التمثيل الدبلوماسي لدى الدول الأجنبية وشئون الدفاع والصناعات العسكرية والبحث العلمي والبنك المركزي وما يسنده الدستور إليها.
مزايا الحكم الفيدرالي
يمكن تلخيص مزايا نظام الحكم الفدرالي، بالنسبة لمصر على النحو التالي:
(1) توزيع السلطات بين الحكومة المركزية، والحكومات المحلية مما يقوي كل منها ويمكنها من أداء مهامها على خير وجه
(2) تمكين كل حكومة محلية من انتهاج السياسة الملائمة لظروف النطاق الجغرافي التابع لها وللسكان بما لا يتعارض مع المصالح العامة للدولة ولدستورها الفيدرالي أو سياسات أو إثفاقيات الدولة الاتحادية.وبما يحقق مبدأ :“التنوع من خلال الوحدة”. بمعنى السعي من أجل إيجاد حكومة مركزية، قوية، ومتماسكة، مع السماح بالتنوع، ولامركزية كاملة في المناطق أو الأقاليم.
(3) تحقيق التنافس بين الحكومات المحلية على تقديم أفضل الخدمات في التعليم والصحة والإسكان والمواصلات والاتصالات والأمن لجذب السكان من المناطق الأخرى التي تحتاجهم مشروعات التنمية.
(4) تعمير المناطق النائية والمهمشة من قبل والقليلة السكان مثل سيناء والواحات والنوبة وساحل البحر الأحمر بما يخدم متطلبات التنمية والأمن القومي .وإعادة توزيع السكان على كامل التراب الوطني وخلخلة الكثافة السكانية في المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية وطنطا والمنصورة وغيرها مما يتمدد على حساب الرقعة الزراعية ويتكدس فيها السكان بما يشكل ضغطا على الخدمات والنقل داخل المدن.
(5)زيادة الاندماج الاجتماعي للسكون بإنهاء الاختلافات العرقية أو اللغوية أو الدينية أو الجهوية وصهرهم في بوتقة واحدة لضمان التعايش السلمي ومنع الفتن الطائفية في جميع المناطق خاصة في المناطق التي يجري تعميرها وتنميتها لأول مرة.
(6)تمكين المواطنين في مشاركة أوسع نطاقا في تدبير شؤون
معيشتهم وتقريب الإدارة من المواطنين.
(7)الحيلولة دون عودة الاستبداد والفساد والطغيان وانتهاكات حقوق الإنسان ونهب وتبديد الموارد المحدودة وتركيز السلطة والثروة في يد فئة ما دون باقي أفراد الشعب.
(8) إحياء الثورة الزراعية والصناعية والثقافية التي بدأت مع أوائل الستينيات في عهد عبد الناصر ثم تم إجهاضها بواسطة كل من السادات والمخلوع حسني .وتنفيذ مشروعات التنمية بدون اعتماد على مستثمرين أجانب أو رأسمالية محلية وعن طريق أسلوب الحركة المجتمعية للتنمية الذي يتم فيه الاعتماد على الذات ، وبالمدخرات المحلية أو مدخرات المغتربين الذين يوجهونها وهم يشعرون بالثقة بأنها في أيد أمينة وتعود بالنفع المباشر على أسرهم وأقاربهم. وبما يكفل القضاء على الفقر والبطالة والحد من الجرائم والانحرافات السلوكية الناتجة في معظمها نتيجة لهما.
(9) ضمان تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق الحكومات المحلية التي تمتلك كافة السلطات التي تؤهلها لذلك.
وما سبق مطروح للتشاور حوله والاستنارة به عند إنشاء دستور جديد للبلاد. متمنيا أن تكون موضع اهتمام كل من يهمهم أمر مستقبل مصر وشعبها. وقد سبق لي معالجته في مقال العام الماضي نشرته في صفحة الحركة المجتمعية المصرية بال فيسبوك .
فوزي منصور
www.fawzymansour.com

Monday, December 12, 2011

الصراع اﻷهوج في مصر بين أسلامية مدعاة وليبرالية مزعومة

الدين في مصر:
عرف المصريون الدين وتوحيد الإله منذ عهد الفراعنة ، والقبائل الأفريقية التي هاجرت من مصر جنوبا حتى هضبة البحيرات قبل آلاف السنين مازالت تؤمن باله واحد حتى يومنا هذا. فقد كان المصريون القدماء يدينون بديانة الصابئة التوحيدية القديمة. وقد زار مصر النبي إبراهيم وعاش فيها النبي يوسف وخرج منها النبي موسى وجاءها المسيح طفلا مع أمه مريم.ونشر هؤلاء في مصر دياناتهم ، وعندما نعرف أن زوجة فرعون موسى كانت مؤمنة هي وأهلها ،نعرف أن عقيدة التوحيد في مصر قديمة العهد.
وجاءت اليهودية إلى مصر واعتنقها المصريون، ثم جاءت إليها المسيحية وانتشرت في مصر قبل أي مكان آخر في العالم وانتقلت منها إلى الحبشة ،وحلت محل اليهودية في البلدين . وإن ظل على اليهودية بعض المصريين والأحباش حتى أيامنا هذه. واحتفظت المسيحية المصرية بخصائص متميزة لها لتأثرها بتراث مدرسة الإسكندرية الفلسفية والتي كانت أول مدرسة للفلسفة ظهرت في العالم قبل أن تنتقل إلى الإغريق .
وجاء الإسلام إلى مصر واستغرق تحول المصريين إليه عدة قرون حتى صاروا أغلبية، بينما بقي فريق من المصريين متمسكين بمسيحيتهم.
وظهر الأزهر في مصر قبل ألف عام كمدرسة لتعليم الدين الإسلامي، يأتيه طلاب العلم الديني من مختلف بقاع الأرض التي ينتشر فيها المسلمون. وإلى جانبه مدرسة للاهوت المسيحي تعلم الديانة الأرثوذكسية للمسيحيين الأفارقة، وتخرج القساوسة للكنائس.

هذه الخلاصة تعني أن شعب مصر شعب متدين بطبيعته وفطرته وعقيدته الدينية جزء لا يتجزأ من هويته التاريخية.

إذن لا يمكن للشعب المصري أن يقبل اعتزال دينه دينه أو ألا تطبق أحكامه بدعوى العصرنة أو الحداثة الأوروبية والتحضر، حيث لا يمنع تدينه من الأخذ بأسباب الحضارة التي لا تتعارض مع دينه ، فالحضارة ظهرت في مصر قديما ولم تتعارض مع تدين المصريين . وإن غابت عنها قرونا يمكن أن تعود إليها مرة أخرى دون أن يترتب على عودتها تخلى المصريين عن عقيدتهم الدينية سواء كانت الإسلام أو المسيحية الأرثوذكسية. دون أن يعني ذلك أن أقلية من المسلمين والمسيحيين تحت تأثيرات خارجية قد فرطوا في تدينهم ، وانحرفوا عن جادة الدين، وتبنوا فكرا مخالفا له ولأحكامه وقيمه.

التطرف في الدين وفي معاداته:
التطرف في الدين لا يعني تطرفا في الالتزام به، وإنما يعني في الواقع التنطع في الدين بسبب الجهل به وعدم أدراك طبيعته وجوهره ومقاصده والاكتفاء ببعض المظاهر أو الشكليات أو الحواشي الدينية ،وتغليبها على ما يمكن اعتباره حقيقة الدين. وأيضا عدم فهم مستجدات الزمن مما يتعلق بتنظيم الناس لحياتهم، والتي لا علاقة لها بالدين. من ذلك اعتبار وصف المتطرفين بعض المعاملات التجارية التي كانت سائدة في المجتمعات المسلمة قديما بأنها معاملات أسلامية بينما كان معمول بها لدى كل الشعوب غير المسلمة أيضا، وسبق التعامل بها ظهور الإسلام ذاته. ولذا رأينا هؤلاء يعتبرون شركات الأفراد من الإسلام بينما الشركات المساهمة مخالفة له.وجهلوا بأن كل هذه الشركات، سواء شركات الأفراد أو شركات الأموال لا علاقة لها بالدين. وأن شركات الأموال ناتجة عن تطور التعاملات الاقتصادية للمجتمعات. وبمرور الوقت تراجعوا عن موقفهم هذا. وقالوا أيضا بأن الديمقراطية كفر ومخالفة للإسلام لأنها تعطي الحكم للشعب وليس لله ، بينما هي نظام لتدبير شئون الناس وتنظيم ما يعرف بالشورى في الإسلام ، ولو عبرت عن حكم الناس فإذا كان هؤلاء الناس متدينين فإن حكمهم سيلتزم بأحكام شرع الله وبالتالي سيكون أعمالا له. وهم إذ يشرعون القوانين التي تنظم حياتهم ، فإن هذه القوانين محكومة بغير مخالفة أحكام الله ، وبالتالي فإن قولهم بأنها كفر لا يعبر سوى عن جهلهم بالدين.إن تشريع الناس لقوانين تنظم العقوبات عل الجرائم أو تنظيم المرور للسيارات أو فرض الضرائب أو تنظيم أدارات الدولة أو التصديق على معاهدات أو اتفاقيات دولية ، كل ذلك وما يشبهه من أمور الدولة وتنظيم حياة الناس فيها، وهو من مهام المجالس النيابية ، ليس فيه اعتداء على حكم الله أو استبداله بحكم الناس.


ما أسباب ظهور التنطع في الدين والذي يوصف بالتشدد أو التطرف فيه؟..
أول هذه الأسباب هي قصور التربية الدينية في المدارس وتقديم الدين إلى النشء في صورة واضحة ومتكاملة وليس مجرد نصوص مختارة من كتاب الله أو من أحاديث الرسول وشرحها شرحا لغويا أكثر منه عقائديا مثلها مثل النصوص الأدبية.ترتب على قصور تلك التربية أن خرج المتعطش إلى المعرفة الدينية يبحث عنها فلم يجد سوى الكتب التراثية فأقبل عليها يثقف بها نفسه، وأيضا كتبا لمذاهب سلفية مثل الوهابية وغيرها. في نفس الوقت لم يتم تطوير برامج التدريس في المعاهد الدينية التي تخرج الوعاظ ورجال الدين وتقييد حرية هؤلاء وتحديد ما يحق لهم تناوله وما لا يحق له الحديث فيه من قبل سلطات الدولة المنفلتة عن الدين والتي تتبع علمانية متطرفة لا تكتفي بالفصل بين الدين والممارسة السياسية وإنما تتعمد أبعاد الدين عن حياة الناس وعن اهتماماتهم ، بينما الناس متدينون بفطرتهم ولا يمكنهم مقاومة البحث في الدين والسؤال عن تفاصيله. ومن هنا شاع الجهل بالدين كعقيدة وكفلسفة أيضا ، حيث الدين فلسفة خاصة مختلفة عن المدارس الفلسفية الغربية في مجال بحثها ومتفقة معها في أنها تعتمد اعتمادا كليا على العقل.
ولقد شاع لدى السلفيين القول بتغليب النقل على العقل، ولو اقتصر قولهم في النقل على كتاب الله وسنة رسوله لهان الأمر ،ولكنهم اعتبروا النقل ما تم نقله عمن سموهم بالسلف الصالح . وأدخلوا ضمنهم فقهاء السلف ممن لقبوا في زمانهم بالأئمة.
السبب الثاني المواكب للجهل بالدين هو تطرف الدولة في ارتكاب المظالم وأشاعتها كل مظاهر الفساد المخالفة للدين على نحو يعد تطرفا بالغا منها.وكان من الطبيعي أن يواجه التطرف في الفساد تطرفا مماثلا يبتغي أصحابه الإصلاح وإعمال الدين وأحكامه واعتمدوا في ذلك أيضا على كتب تراثية تمت كتابتها بعد انحسار حضارة المسلمين وشيوع الجهل في مجتمعاتهم ، وفي ظل حكم مستبدين فرضوا على من كتبوا تلك الكتب أن ينصرفوا إلى ما هو مظهري ويتركون ما هو جوهري .وكان هناك رغبة رسمية دائما وقديمه لتغييب الدين عن حياة الناس وتعليمهم إياه تعليما فيه سعة وشمولية. وفي نفس الوقت كان يتم عن عمد نشر الحانات وإغضاء الطرف عن تسويق المخدرات وعن الدعارة وإهمال تنمية بعض المناطق لكي تكون نسائها مصدرا لتزويد سوق الدعارة بفتيات جدد بشكل مستمر بعد أن تعذرت سبل العيش على عائلاتهن ولم يبق لهم سوى السماح لبناتهن في بيع أجسادهن.. وعوض الالتزام بالاحتشام في ملابس النساء، ليس إعمالا للدين فقط، وإنما احتراما للأعراف والقيم المجتمعية المتوارثة عبر التاريخ، تم ترويج ثقافة العري.وصار انتشاره في المدن يستفز القادمين إلى المدينة من الريف والمتمسكين بدينهم وأعرافهم. والغريب هنا بالنسبة لهؤلاء هو أنه في المناطق القروية التي قدموا منها يختلط الرجال بالنساء دون حرج ، ولا توجد نساء محجبات أو منقبات ، وإنما نساء يرتدين ملابس محتشمة. بينما نجد رد فعل هؤلاء في المدينة هو الدعوة لمنع الاختلاط ولفرض ملابس معينة على النساء بعد أن اعتبروا أن الاختلاط وعدم الالتزام بالملابس الذين اعتبروها شرعية هو سبب الانحلال والفساد في المجتمع. ولا أحد يستطيع القول بأن النساءالمصريات في المدن قبل أربعة أو خمسة عقود ومنذ دخل الإسلام إلى مصر قبل أربعة عشر قرنا ، لم يكن متدينات ويحرصن على أداء كل الفروض والمناسك الدينية ومع ذلك لم يكن محجبات أو منقبات على النحو الذي يريده السلفيون، وإنما كانوا محتشمات في ملابسهن. أما الحجاب الحالي فكان يستعمله نساء الأسر ذات الأصول التركية ويعرفباليشمك.،وقلدتهن بعض نساء العائلات الميسورة من قبيل المحاكاة ،ثم أعلن ذات يوم تاريخي التخلي عن ذلك وصفق لهن الشعب المصري باجمعه .وكان ثمة برقع من نوع خاص لدي نساء الأحياء الشعبية، يكمل ما يعرف بالملاية اللف التي يلفون بها عودهن، ولم يكن البرقع المصري في ألوساط الشعبيةنقابا، واختفى ذلك من المجتمع بمرور الوقت.

الصراع المفتعل بين توجهين متضادين:
مثلما نتج عن التطرف في الفساد تطرفا دينيا أو تنطع في الدين كرد فعل له ، فقد نتج عن هذا التنطع رد فعل مضاد له ومتطرف هو الآخر ممن يجهلون بدورهم دينهم ، أو المنفلتين عن أحكامه، واعتبروا هؤلاء المتنطعين يهددون حريتهم. ولأن المتنطعين يطالبون بإعمال أحكام الشريعة وتطبيق ما فيها من حدود على السرقة والزنا فقد نادى هؤلاء بالعلمانية المتطرفة التي تعني إبعاد الدين عن الحياة وليس فقط الفصل بينه وبين السياسة، وحيث يهدد المتنطعون حريتهم فقد اعتبروا أنفسهم ليبراليين باعتبار أن لفظ ليبرالي يشير إلى التحرر حيث liberty تعني الحرية.

من هنا صار لدينا فريقان : أحدهما يطلق عليه : الإسلاميون، وكأن سواهم لا ينتمون إلى الإسلام، وهم يجهلون تاريخ الإسلام، وتطور الفكر الإسلامي عبر العصور، وإنه نتيجة اجتهاد .وكما اجتهد الأولون وجب أن يواصل المتأخرون اجتهاداتهم بما يحقق في الدنيا مصالحهم دون أن يتناقض مع متطلبات اﻵخرة من الالتزام بشرع الله وأحكامه وتقواه في العلن والسر ، وفريق يواجهه يصف نفسه بالعلمانية أو الليبرالية وهو يجهل كلاهما معا. ويضعهما في مواجهة الدين.

والحدود التي يطالب بها من يوصفون بالإسلاميين لا تمثل سوى أقل من 10في المائة من الشريعة الإسلامي والاقتصار عليها يعني أبطال ال80 في المائة الأخرى أو إهمالها بينما يوجد ضمن هذه الثمانين في المائة أحكام وقيم تنظم حياة .المجتمع وبالتالي الدولة ،كأحكام توجيهية ملزمة ترك كيفية تطبيقها ووسائل التطبيق إلى ما يتفق عليه المسلمون وفق ظروف الزمان والمكان وما يتطلبه تحقيق مصالحهم المشروعة .مثال لذلك كيف ﻻ نجعل المال دولة بين قلة في المجتمع بما يحرم اﻷغلبية منه ؟ الحكم ألا يكون المال دولة بين المسلمين لا يوجد في الكتاب أو السنة وأنمى متروك لعقول المسلمين إبداعه في تنظيم اقتصادهم بحيث ﻻ يتم مخالفة الحكم الشرعي. وقد يتبع فيه مجتمع للمسلمين في الشرق سببا ويتبع غيرهم في المغرب سببا آخر ، فليس المهم الوسائل وإنما ما تفضي إليه من نتيجة تتفق مع مع ما شرعه الله للمسلمين.
نفس الشيء في التعامل بالربا وهو محرم شرعا وعلى المسلمين أن يبتدعوا نظاما اقتصاديا ﻻ تستخدم فيه الفائدة كآلية لتنظيمه.وليس التحايل عليه مثل ما فعلت بعض البنوك الموصوفة بالإسلامية.الخ .

بالمقابل فإن الليبرالية Liberalism) )والنيوليبرالية (New liberalism يندرجان ضمن مذاهب اقتصادية ظهرت مع تطور النظام الرأسمالي تعتمد على حرية السوق وعدم تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي، ورافقهما نظام سياسي يلائمهما أخذ شكل الديمقراطية البرلمانية والتعددية السياسية ، والنيوليبرالية هي أحدثهما ،و ﻻ تصلح لدولة في طور النمو وقد تسبب الأخذ بها في تدمير اقتصاديات دول نامية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وﻻ يمكن وضعها في مقارنة مع شرع الله الملزم وﻻ النظر إليها كبديل له. والذين يصفون أنفسهم بالليبراليين عندنا معظمهم يجهل ما هي الليبرالية.، وكل ما يعرفونها عنها هو ما يدل عليه اسمها من معني الحرية وهي مذهب بالفعل استمد اسمه من الدعوة إلى التحرر، ولكن لا يمكن اختزاله في ذلك.ولليبرالية قيم استوحتها من مفكرين مثل جان جاك روسو وجون لوك وتوماس هوبز وجون ستيوارت مل في الجوانب السياسية والاجتماعية وغيرهم وآدم سميث وريكاردو وكينز في الجانب الاقتصادي .وأيضا تأثرت بالبروتستانتية والكاليفانية فيها كما يرى أحد الفلاسفة المعاصرين ، واعتمدت أساسا على مبدأي :الفردانية والنفعية وكلاهما غير متفق مع القيم الإسلامية. كما صارت العلمانية بمعني الفصل بين السياسة أو السلطة والدين من خصائصها. ومع ذلك لا تعتبر الليبرالية ذات مرجعية ولا تعترف أيضا بأية مرجعية، وتختلف تطبيقاتها في كل دولة عن الأخرى. إذ نشأت الليبرالية كردة فعل غير واعية بذاتها ضد مظالم الكنيسة والإقطاع، ثم تشكلت في كل بلد بصورة خاصة، وكانت وراء الثورات الكبرى في العالم الغربي (الثورة الإنجليزية، والأمريكية، والفرنسية)، ولكن نقاط الالتقاء لم تكن واضحة بدرجة كافية ، مما جعل مفهوما يزداد بمرور الوقت غموضا وإبهاما واتساعا ،بحيث يصعب بيان دلالة مصطلحها على نحو شامل ودقيق. وخاصة بعد أن صار من الصعب ضبط مبدأ الحرية الذي تقوم عليه وأخذت اسمها منه ، فله معنى مختلف في كلا نظام يوصف بأنه ليبرالي.

وقيمة مثل الحرية لا تتعارض مع الإسلام ، بما في ذلك حرية الفكر والاعتقاد والضمير والمساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون، ونفس الشيء بالنسبة لحقوق الإنسان، بما فيها حقه في الحياة الآمنة وفي الحفاظ على كرامته.. وهي قيم يمكن أن يقوم عليها أيضا نظام اشتراكي أو غير رأسمالي ليبرالي. إلا أن بعض هذه القيم توسعت في تفسيرها بعض النظم الليبرالية إلى حد التطرف، وهو تطرف حديث العهد. حولها من متفقة مع الإسلام إلى متعارضة معه.
ومن مبادئها النظرية أيضا : العقلانية ، ومؤداها أن العقل الإنساني بلغ من النضج العقلي قدرا يؤهله أن يرعى مصالحه ونشاطاته الدنيوية، دون وصاية خارجية عليه. وفي حالة التزام العقل بشرع الله ، فإن أعمال العقل يحث عليه الإسلام ولا يكون ثمة خلاف مع الليبرالية في ذلك.

المهم هو أن الليبرالية من حيث طبيعتها غير الإسلام حتى وإن لم يكن هناك خلافات بينهما في الكثير من القيم المؤسسة لهما. فهي مذهب اقتصادي /سياسي/اجتماعي يمكن اﻷخذ به أو تركه إلى غيره، وهو، أي اﻹسلام، دين منزل من عند الله ملزم لمن يدينون به ﻻ يمكنهم مخالفته أو استبداله بغيره اﻷقوم والخاتم لكل ما سبقه من ديانات.

و أفضل ما يوصف به الإسلام هو :الاعتدال والعدل، وهو وصف يجعل الالتزام بأحكامه وقيمه في صالح الإنسان، سواء كان مسلما أو يدين بدين غير الإسلام. فالعدل يقتضي المساواة الكاملة بين المسلم وغير المسلم في كل أمر .

و الإسلام ليس وسطا بين حدين متناقضين كما يصفه الكثيرون ممن يطلق عليهم أو يطلقون على أنفسهم لفظ:"الإسلاميون الوسطيون". وإنما هو يبدأ من نقطة الوسط في اتجاه الجانب الايجابي أو النافع منهما. ولو كان المقصود بالوسطية التوسط بين التفريط في الدين أو الإفراط فيه، وكلاهما مذموم، فإنه غير مسموح بأي تفريط في الدين ولو قليلا، وغير مقبول أيضا أي إفراط فيه لا يحقق مصالح المسلمين ويعد تزيدا في الدين وابتداعا فيه. وليس الإفراط في الدين يعني شدة التقوى، فالتقوى مطلوبة في الدين لأقصى حد ممكن، وإنما يقصد بالإفراط التطرف في الدين بما يخرجه عن حدود الدين الخالص لله كما أراده الله للمسلمين ويمكن استخلاصه من القرآن الكريم.

ما يصلح أمور المسلمين:


لقد عاش الشعب المصري قرونا تحت حكم المماليك الذين كانوا يطبقون إلياسة المقول وليس أحكام الشريعة ، ثم عاش عقودا في ظل حكم أسرة محم د علي في نظام علماني صرف ,جاء من بعدهم العسكر فاستمر النظام العلماني معهم ، ولم يؤثر ذلك في تعلق الناس بدينهم وتمسكهم به والمحافظة على شعائره ، وظهور اﻹخوان والسلفيين في ظل الحكم العلماني دلي على ذلك . إن نهب المال العام واحتكار الثروات المصرية من قبل فئة صغيرة وانتشار الفقر واﻷمراض المهلكة ،ومعاناة معظم أفراد الشعب من شظف العيش وتدهور مستويات التعليم والخدمات الصحية وشيوع احتساء الخمر وتعاطي المخدرات و استغلال النساء الفقيرات في البغاءوكل مظاهر اﻻنحلال والفساد في المجتمع ، يجعل من الغباء والعبث اﻻنشغال بأمور تافهة مثل أطلاق اللحي أو حلقها أو تقييد حرية النساء في اختيار ملابسهن أو أطلاقها ، وأن يختلطن بالرجال أم يختلطن بهم ، وتحويل تلك الأمور التافهات الى قضايا يتم الصراع حولها لهو العبث الذي ﻻ مثيل له..والذي تحتاجه البلاد في هذا الظرف التاريخي بعد تلك الثورة المباركة التي شارك فيها الرجال والنساء معا . هي أن يلقي الجميع تلك اﻷديولوجيات واﻷفكار المصللة والمتخلفة تحت أقدامهم ، ويتكاتفون معا في وحدة وطنية جامعة من أجل انتشال البلاد من الوهدة التي سفطت فيها في ظل حكم الطعاة والنهابين من العسكريين والمدنيين على السواء، وتحقيق تهضة حضارية مثل غيرهم من الشعوب الغير مسلمة .والذين يقولون اﻹسلام هو الحل أو الليبرالية هي الحل فليبينوا لنا كيف سيتم بأي منهما حل مشاكل الفقر والبطالة والتبعية خاصة في الغذاء والدواء وتحسين أوضاع الناس والبلد، وأي حل ناجع يقدمه هؤﻻء أو هؤلاء بجب أن يتبعهم فيه الشعب.أما أن يطمع أناس بالسلطة ومغانمها وسكني القصور الجمهورية ويعطون نزعاتهم تلك بشعارات دينية أو شعارات مضللة زائفة ، ويدخلون في صراع مثل صراع الديوك ،فهذا ما يجب أن يتوقف فورا وأن يرفضه الشعب منهم. وقد أعلن حزب النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب بعد أن فازا في اﻻنتخابات التشريعية بأن أولوياتهما هي محاربة الفقر والتخلف وومعالجة أوضاع اﻻقتصاد وتحقيق العدالة والتنمية وليس ملابس النساء والمرجو من اﻷحزاب الدينية في مصر أن تصل الى مثل هذا النضح.

فوزي منصور
http://www.fawzymansour.com